أولاً: إعادة التوازن بين القيم والغرائز:

إن الهدف المحوري الفعال الذي تقوم عليه فريضة الصيام هو إعادة التوازن المفقود بين القيم النبيلة الراقية وبين شهوات وغرائز الإنسان، أو إعادة التوازن بين متطلبات الروح، ومتطلبات الجسد، فلا شيء يهدد صلاح المجتمعات على كافة المستويات سوى تحكم الغرائز والشهوات وعبودية الهوى، وعن مثل هذا يحدثنا القرآن الكريم في أكثر من موضع محذرا من ارتكاس الإنسانية إلى درك الحيوانية، حينما تعلو الغرائز والشهوات وتسود فوق القيم العلوية، والقواعد الربانية المنظمة لحياة البشر:

{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}، {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}.ففريضة الصيام تعمل على هذه المنظومة أو الثنائية، ثنائية القيم والرغبات أو القيم والغرائز. إن إعادة التوازن المفقود لهذه الثنائية، ورد الاعتبار للقيم الراقية التي يمكن أن تغيب في أزمة المادية الطاحنة، هي أهم مقومات الإصلاح المنشود.

ثانيا: تقوية التحكم في النفس والسيطرة على الذات:

ويقدم شهر رمضان فرصة ذهبية للإنسان للتحكم والسيطرة على النفس، وأن يحقق الفرد المسلم وقفة مع الإصلاح النفسي والسلوكي والأخلاقي تكون زادا إصلاحيا له طول العام.

ثالثا: ربط الخاص بالعام:

لم يجعل الله تبارك وتعالى فريضة الصيام فريضة فردية يقوم بها المسلم في أي زمن شاء، ولكن جعلها في أيام معدودات معلومات، أيام شهر رمضان الكريم، كفريضة جماعية تجب على الأمة المسلمة كلها في زمن واحد، حتى يؤتي الإصلاح الفردي أكله على المستوى الجماعي.

رابعا: ربط العبادة بالأخلاق والمعاملات:

ولأن الصيام - كما الصلاة والزكاة والحج - فريضة وشعيرة إسلامية ذات أثر تربوي ودور فعال في بناء شخصية المسلم، فهي ليست مجرد طقوس تؤدى ثم ينتهي أثرها بانتهاء أدائها، وإنما لكل عبادة من عبادات الإسلام غاية وحكمة وثمرة، وأثر كل العبادات على الفرد المسلم يتعدى حدود الأداء إلى مختلف الأخلاق والمعاملات، فلقد ربط الإسلام برباط وثيق بين العبادات أو الشعائر التعبدية وبين الأخلاق الشخصية وبين المعاملات الحياتية في رباط فريد ومنظومة متكاملة تهدف في مجموعها إلى صلاح الفرد والمجتمع.

ولقد أوضحت النصوص الشرعية الغاية والأثر التربوي من كل فريضة، فيقول تعالى عن الصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وقد جاء في الحديث: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"، ويقول صلى الله عليه وسلم عن الصيام: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يضع طعامه وشرابه"، وينتقل الحديث إلى الربط بين فريضة الصوم وبين السيطرة على النفس حتى في الانفعالات أثناء المعاملات: "الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين"، وفي الزكاة يقول رب العزة لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، وفي الحج يقول: وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور". وفي الدعاء يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يقول: يا رب يا رب، ومأكله من حرام ومشربه من حرام وغذي بالحرام، فيقول صلى الله عليه وسلم: "فأنى يستجاب له"!!.

وفي مقام الترغيب في حسن الخلق الحسن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم". إن الربط بين العبادة وأثرها التربوي وثمرتها المرجوة في إصلاح النفس والمجتمع، ينقلها من مجرد عبادة تؤدى بطريقة آلية قد تشبه العادة في بعض الأحيان، إلى دائرة التفكر والتعايش معها بالوجدان والقلب والعقل والشعور، لتسيطر على النفس سيطرة كاملة، وتصيغها صياغة جديدة، تنقلها من واقع إلى واقع آخر مغاير، كما في فريضة الصيام (لعلكم تتقون).

الاستفادة المرجوة من فريضه الصيام:

المطلب الأول:

هو النظر في فقه العبادة وغايتها والرجوع إلى ربط العبادة بالأخلاق والمعاملات، والنظر في آدابها وخلقها، فلكل فريضة في كتب الفقه الإسلامي آداب كما لها أحكام، ولا يجب أن يقف المسلم عند حدود أحكام الفريضة، وإنما عليه كذلك أن ينظر في آدابها وأخلاقها التي نبه عليها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.

المطلب الثاني:

هو النظر في عيوب النفس لإصلاحها، فلا مجال لإصلاح لا يحدد فيه الإنسان عيبه بدقة ليتعاطى بمصداقية مع المناسبة الإصلاحية. لابد إذن من الوقفة مع النفس لتحديد العلة أو الخلل، هل هو شح مطاع، أو سرعة غضب، أو تحكم وسيطرة شهوة، أو ضعف إرادة، أم تكاسل عن الطاعة، فالإجابة عن السؤال: "أين الخلل؟" هي أول مراحل الإصلاح .

المطلب الثالث:

إعادة الاعتبار للأخلاق والمعاملات باعتبارهما من مكملات العبادة وآدابها، فلا غناء لإحداهم عن الأخرتين، والأمة المسلمة أمة متدينة بطبيعتها بل هي أكثر الأمم تدينا وتعبدا، غير أن الربط بين الشعائر التعبدية والأخلاق والمعاملات والرغبة في التميز الحضاري هي المفردات الغائبة نسبيا، والتي بوجودها في حياة المسلمين تتحقق شمولية الإصلاح.

المطلب الرابع:

    الخروج من قوقعة الذات والنظر إلى المجتمع والأمة بشكل عام، ومناحي الحياة العامة التي تحتاج إلى إصلاح؛ لأن سفينة المجتمع واحدة، والغرق لا يكون لفئة دون فئة، ولذا سألت السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: "نعم، إذا كثر الخبث".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ