أحمد التلاوي

عن أبي هريرة (رضي اللهُ عنه)، أن رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مُكَفِّرات لما بينهنَّ ما اجتنبت الكبائر" [أخرجه مسلم].

ولعل هذا الحديث النبوي الشريف، هو أوضح ما يكون فيما يتعلق بفضل شهر رمضان المبارك، وهو فضل عظيم، تحدث عنه الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، والقرآن الكريم، في أكثر من موضع.

وها هو شهر عظيم قد أظلَّنا، كما قال نبيُّنا "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، وفيه من الفضل ما لا يوجد في أي وقت آخر؛ ولذا؛ فإن العقل والحكمة تقتضي من الإنسان، أن يعمل على اغتنام هذا الفضل، مرضاةً لله تعالى، وللحصول على جائزة العتق من النار، ودخول الجنة.

ولعل الناس تبدأ في الاستعداد للشهر الكريم منذ نهايات شهر شعبان، والبعض يبدأ في التجهيز له من شهر رجب، وقد يكون هذا التجهيز بزيادة مستوى العبادة، وصوم أيام إضافية لاعتياد أجواء الشهر الفضيل.

إلا أن الحصافة تقتضي من الإنسان الذي يريد الاستفادة بأكبر قدر ممكن من أيام الشهر الفضيل، أن يبدأ استعداده للشهر الفضيل، من رمضان السابق عليه.. ولكن كيف يكون ذلك؟..

    الحصافة تقتضي من الإنسان الذي يريد الاستفادة بأكبر قدر ممكن من أيام الشهر الفضيل، أن يبدأ استعداده للشهر الفضيل، من رمضان السابق عليه

يكون ذلك من خلال آلية مهمة، يجب أن ترافق الإنسان الصحيح العقل والإيمان، وهي آلية المحاسبة.

وبإسقاط ذلك على شهر رمضان؛ فإن أول الأولويات التي ينبغي على الإنسان القيام بها، بعد انقضاء موسم الشهر الفضيل، هو المحاسبة، ليس عمَّا فعل، وقد يكون اقترفه من سيئات تتنافى مع قدسية الشهر الفضيل فحسب، ولكن عمَّا لم يفعله من واجبات وفروض، وكيف كان أدائه للعبادات الخاصة بالشهر الفضيل، وما قصَّر فيه في هذا الصدد.

    إن أول الأولويات التي ينبغي على الإنسان القيام بها، بعد انقضاء موسم الشهر الفضيل، هو المحاسبة، ليس عمَّا فعل، ولكن عمَّا لم يفعله من واجبات وفروض

ويمكن في هذا الإطار، أن يكون له مقياس إحصائي بجانب المقياس الموضوعي، وهو أمر من السهل تطبيقه فيما يخص العبادات الرئيسية، من فروض ونوافل وتطوُّع في الشهر الفضيل.

فهناك خمس صلوات مفروضة في اليوم، وهناك صلاة التراويح والقيام، لتسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا، بحسب عدة الشهر الفضيل في عامه، وهناك الوِرْد القرآني، وهناك أوقات الذكر والخلوة، وهي كذلك لها مواقيتها وعديدها المعروف لدى صاحبها، وغير ذلك مما اتصل، مثل عبادات العشر الأواخر، وخصوصًا الاعتكاف.

هذه الأمور كلها، يمكن أن يتم وضعها في جداول، ويعمل الإنسان على معرفة نسبة ما قام به من أعمال مما يجب عليه، ولماذا قصَّر في الأيام التي قصَّر فيها، أو في المحتوى الذي لم يقم به كما ينبغي، وبحث الأسباب التي أدت إلى ذلك، والعمل على معالجتها.

وهو من أهم الأمور التي تدفع باتجاه أن يعمل الإنسان على التخطيط للشهر الفضيل مبكرًا، وربما في الفترة التي تبدأ من بعد رمضان السابق عليه مباشرة.

فهناك موانع وعوائق تتطلب وقتًا طويلاً لتفاديها وترتيب جدول آخر لها.

فلو كان العمل هو الذي أدى إلى تقصير ما في ختم القرآن الكريم، أو في قيام الليل؛ فإن الإنسان سوف يكون بحاجة إلى كثير من التفكير والتخطيط، وكذلك الوقت، من أجل إعادة تأهيل جدوله الزمني اليومي، وخصوصًا ممن تتطلب أشغالهم الاستيقاظ مبكرًا، أو لديهم عملٌ ليلي.

وبعض المسلمين في الشهر الفضيل، يواجهون مشكلة مهمة أخرى، بخلاف ما أداه وما لم يؤدِّه من عبادات وطاعات، مثل الموازنة بين الواجبات الاجتماعية وبين أوقات العبادات والطاعات، وهنا تكون دراسة شهر رمضان الفائت مهمة، لمعرفة أسباب طغيان جانب على جانب، وتفاديها.

فقد يكون السبب حالة اجتماعية بعينها وقعت، فأدت إلى طغيان الجانب الاجتماعي على الجانب الرُّوحي للشهر الكريم، مثل حادث أو مرض ألمَّ بأخٍ أو قريب أو صديق، أو حالة اجتماعية تطلبت سفرًا من صاحبها، إلى مكان بعيد، والمكوث فيه لأيام، أو قد يكون السبب غير مرتبط بحالة عارضة أو طارئة مثل هذه، كسوء تخطيط الوقت وتوزيعه على المهام والأمور المختلفة.

وبالتالي؛ فإن التدقيق فيما جرى في رمضان الماضي، مهم من أجل أن يعمل الإنسان على رسم جدول متوازن لأنشطته المختلفة، خصوصًا وأن الشهر يتطلب شكلاً مختلفًا من أوقات الراحة، والتي لا يجب أن تتعارض مع أوقات العبادات الواجبة، مثل الصلوات الخمس.

كذلك هناك جانب مهم للغاية في مسألة من رمضان إلى رمضان؛ كيف مضى بك الحال؛ وهي تلك المتعلقة بتقييم الإنسان لما فقده من نفحات وتأثيرات رمضان الماضي، في فترة ما بعده، وحتى مقدم رمضان الجديد.

فكثير من الناس، يفقدون حماستهم التي أدوا بها عباداتهم وواجباتهم الاجتماعية والدينية خلال شهر رمضان، في مرحلة ما بعده، وكلما أوغل بهم العام بعد رمضان؛ كلما فترت حماستهم، وزاد إهمالهم حتى للفرائض ذاتها.

    كثير من الناس، يفقدون حماستهم التي أدوا بها عباداتهم وواجباتهم الاجتماعية والدينية خلال شهر رمضان، في مرحلة ما بعده، وكلما أوغل بهم العام بعد رمضان؛ كلما فترت حماستهم، وزاد إهمالهم حتى للفرائض ذاتها

وبطبيعة الحال؛ فإن المُعينات الإلهية في شهر رمضان، أمر معروف، ويمكن للإنسان أن يدرك ذلك، لو قرر صيام شهر آخر غير شهر رمضان، تطوعًا منه، حتى لو كان رمضان في فصل الصيف، بحرارته، وطول ساعات صيام اليوم الواحد، وشهر التطوُّع في فصل الشتاء، بقِصَر ساعات النهار في يومه، وبرودته؛ فإنه سوف يجد صيام شهر رمضان أكثر سهولة.

لكن، وبرغم ذلك، فإن هناك الكثير من الأمور التي يجب على الإنسان أن يدرِّب نفسه عليها في الأشهر التي تفصل بين رمضان ورمضان، مثل تنظيم الوقت، والتمييز بين الأهم والمهم، وبين الأمور الثانوية التي يمكن أن تتأجل أو توضع في مؤخرة الجدول.

فالمُعينات الإلهية قد تكون في أمور العبادات المفروضة، أما واجبات الإنسان، فبطبيعة الحال؛ هي مهامه التي يجب عليه أن يأخذ بأسبابها الموضوعية المادية، إذا ما أراد أن يتنزل عليه التوفيق الإلهي فيها، وهو الفارق المعروف بين التوكُّل على الله، والتواكُل.

وفي الأخير؛ فإن الدُّرْبة على أمور العبادة، وتنظيم الوقت، والعزيمة على الأمر؛ هي من أهم الأمور التي يجب على الإنسان أن يتسلَّح بها.. من رمضان.. إلى رمضان!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ