سيد حمزة

الحمد لله ، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..

كلما دار الفلك دورته، وأتى شهر رمضان تتوارد على الذهن خواطر وأفكار حول الغاية والهدف من شهر رمضان،

فما وظيفة رمضان؟

كما أنَّ لكل واحد منَّا في حياته وظيفة يقوم بها؛ فإن لرمضان وظيفة يؤديها فما وظيفة رمضان ومهامه؟

وظيفة رمضان أنه يُطهِّر النفس، ويُزكِّي القلب، ويُنقِّي الفؤاد، ويُقوِّم السلوك والأخلاق، فندخل إلى مدرسة رمضان، ونخرج بقلب قد تزكَّى بالإيمان، ونفس قد ارتقت بالقرآن، وسلوك قد قُوِّم بالتقوى، فينظر الناس إلى سلوكك وإلى أخلاقك وإلى تصرفاتك وإلى حياتك، فيقولون هذا مسلم قد تعلَّم في مدرسة رمضان.

وظيفة رمضان قال عنها الحق جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)﴾ (البقرة)، نعم، لعلكم تتقون، والتقوى كما عرَّفها الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأرضاه قال: (التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل).

وظيفة رمضان قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” (رواه البخاري).

وظيفة رمضان قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس الصيام من الأكل والشرب؛ إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد، وجهل عليك فقل: إني صائم” (مستدرك الحاكم على الصحيحين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه).

2- طبيعة العبادات ووظائفها:

شرع الإسلام العبادات والأركان لمساعدة المسلم على تغيير سلوكه وأخلاقه، ومن أجل تحقيق الغاية التي من أجلها بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخبر في حديثه لما سُئل عن الغاية التي من أجلها بُعث، فقال كما في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ” (سنن البيهقي).

فالصلاة عند إقامتها كما يجب تنمي لدى المسلم دافعًا للخير ووقاية من الشر، فهو يدخل إليها ليخرج وقد تغيَّر سلوكه؛ لأنه تَعَلَّم في مدرسة القرآن ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾ (العنكبوت)، وتَعَلَّم أيضًا ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج).

وكذلك الأمر بالنسبة للزكاة والصدقات التي هي علاقة اجتماعية ابتداءً، إذ هي تأدية حق المحتاج في المجتمع من مال الأفراد الذين فضُل المال لديهم عن حاجتهم، فأداء الزكاة إسهام فعَّال في تحقيق معنى إسلام المسلم في بعده الاجتماعي والأسري، وهو يؤديها يرتجي أن يخرج منها بما أخبر عنه الحق جل وعلا ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾ (التوبة).

وأما فريضة الحج؛ فهي تتويج لصفاء العلاقة بين الناس ورقيها وتجسيد لسلامة البيئة والناس من أذى المسلم بجميع أشكاله اللفظية والمادية والمعنوية ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾ (البقرة)، فهو يؤدي فريضة الحج وقد وضع نصب عينيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام البخاري بسنده، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” (رواه البخاري).

وهكذا يرى المتأمل لأمر العبادات في الإسلام هذا المقصد العظيم، ويلمس هذا المفهوم الرائع أن من أجل وأعظم الأهداف التي من أجلها شرعت العبادات؛ هو تغيير السلوك الأخلاقي لدى المسلم.

أما الصيام في شهر رمضان فإنه يأتي ليتجاوز معناه الحرفي الذي عرفه علماؤنا بقولهم (الامتناع عن المفطرات في زمن محدد)؛ ليتعلم الإنسان الصائم التحكم برغباته، والتحلي بالإرادة الجيدة الهادفة إلى تغيير العادات السيئة التي اعتادها الشخص في حياته، فتجده إن كان قد انتصر على نفسه، ومنعها عن الحلال؛ مرضاة لربه، فيخرج وقد عقد العزم أن يمتنع عن الحرام، وذلك من خلال الدور الرقابي الذاتي الذي يرافق أداء الفريضة التي تتميز بسريتها وخصوصيتها بين العبد وربه؛ لكن المطلوب لتؤتي الفريضة ثمارها، أن يتحول هذا الدور الرقابي من إطار الاعتياد واللا وعي إلى إطار الملاحظة والوعي، فالصائم يمتنع لا شعوريًّا عن المفطرات، دون أن يفكر بقدرته تلك على الامتناع، وإمكانية تعديتها إلى ممنوعات أخرى في غير الصيام، فملكة التحكم بالإرادة واحدة لدى الإنسان، ويمكن أن تنمو في بعض المجالات عندما تعزز الإرادة، فالصائم بصومه إنما يُدِين نفسه، ويُقيم الحجة على اعتذاره عن التقصير في شئونه الأخرى الدينية والدنيوية.

والصوم بهذا المفهوم كما قسمه علماؤنا على ثلاث مراتب:

الأولى: صوم العموم، وهو لا يعني إلا بمفهوم الصيام الظاهر الذي يمثله كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.

والثانية: صوم الخصوص، وهو الهدف الذي نريد أن نخرج به هذا العام من صيامنا، ونسعى جاهدين أن نحققه في حياتنا ومعايشتنا مع شهر رمضان، وهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل، بل وسائر الجوارح عن الآثام.

والثالثة: صوم خصوص الخصوص، وهو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، وهي مرتبة الأنبياء والصديقين والمقربين.

أما ما يعنينا الآن في مدارستنا هذه فهو صوم الخصوص، وهو صوم الصالحين الذي نريد أن نجعل رمضان من خلاله هذا العام شهرًا للتغيير؛ ولنتفق على جملة أمور ليست حصرًا، ولكن بداية للتغيير المنشود ومرتبة صوم الخصوص، كما قلنا: كف للجوارح وكبح للشهوات ومجاهدة للنفس نجمل بعض ملامحها في:

غض البصر عن النظر المحرم، وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، آملين أن نخرج منه بمجتمع نظيف تسوده العفة والطهارة والرقي الأخلاقي،

حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، بل وإلزامه بفضيلة السكوت، وشغله بذكر الله وتلاوة القرآن، وهذا صوم اللسان، وقد قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم.

كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه؛ ولذلك سوَّى الله عزَّ وجلَّ بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: من الآية 42.

4- كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال، ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرًا ويهدم مصرًا؛ فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه، فالصوم لتقليله.

5- أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار؛ بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله عزَّ وجلَّ من بطن مليء من حلال.

6- أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقًا مضطربًا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؛ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها فقد روى عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون، فقال: إن الله عزَّ وجلَّ جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك، وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك، فقال: إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم.

قال أبو الدرداء: (يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين)؛ ولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم.

نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وكلماته العلى أن ينفعنا برمضان ويغيرنا فيه إلى أحسن حال ، وأن يرزقنا فيه نية صادقةً وعملاً صالحًا يدل على صدق هذه النية، وتقبل الله منا ومنكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ