أيها الأخ المسلم الكريم؛ ها هي أيام العشر الأول من ذي الحجة، أيام الخير والبركة تهل علينا حاملةً بشائر الأجر ونسائم الفضل، يستعد لها الموفقون، ويسعد بها الطائعون، ويطمع في بركتها الصالحون، فأين أنت في هذه الأيام العشر المباركة؟ وماذا أعددت لاستقبالها واغتنامها والتزود فيها؟!

في هذه الورقات نقدم لك أيها الأخ الكريم والأخت الكريمة بيانًا بفضيلة هذه الأيام المباركة، ودعوة للاستفادة من هذه الأوقات الفاضلة، سائلين الله أن يرزقنا وإياكم التوفيق لما يحبه ويرضاه.

فضيلة هذه الأيام

1- أن الله تعالى أقسم بها:

وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى ( والفجر، وليال العشر).

والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح.

2- أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره:

قال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}) (الحج).

وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس.

3- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها افضل أيام الدنيا:

فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة... قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟. قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب" [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني]

4- أن فيها يوم عرفة:

ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً.

5- أن فيها يوم النحر:

وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال صلى الله عليه وسلم "أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر"[رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].

6- اجتماع أمهات العبادة فيها:

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والقيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره) وهذا ما عليه جمهور العلماء.

أخرج البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الإيَّامِ الْعَشْرِ”

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟

فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”.

وأخرج الطيالسي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده أيام الْعَشْرِ فقال: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَمَلُ فِيهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ”.

ذلك بعض ما أشار إليه حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من فضيلة هذه الأيام، ولما كان الصحابة رضي الله عنهم قد استقر عندهم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وأعظم الأعمال، فقد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الصالح في هذه الأيام هل يسبق في الأجر والدرجة تلك الفريضة الكريمة السامية؟

فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الجهاد لا يسبق العمل الصالح في هذه الأيام إلا في حالة واحدة، وهي أن يخرج المجاهد مخاطرًا بماله ونفسه فينال الشهادة ويفقد المال ولا يرجع بشيء،

وقد أخرج أحمد وغيره من طرق يقوي بعضها بعضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذُكِرَتْ الأعْمَالُ فَقَالَ: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ”

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا الْجِهَادُ؟

قَالَ: فَأَكْبَرَهُ، قَالَ “وَلا الْجِهَادُ إِلا أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَكُونَ مُهْجَةُ نَفْسِهِ فِيهِ”.

وأخرج ابن حبان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ” … قال: فقال رجل: يا رسول الله، هُنَّ أَفْضَلُ أم عِدَّتُهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟. .

قال: “هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ… ” الحديث

قال ابن رجب في فتح الباري: “هذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه، وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره.

ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء.

وقد سئل صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟

قالَ: “مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ، وَأُهْرِيقَ دَمُهُ”،

وسمع رجلاً يقول: اللَّهُمَّ أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين،

فقالَ لهُ: “إِذَنْ يُعْقَرُ جَوَادُكَ، وَتُسْتَشْهَدُ”.

فهذا الجهاد بخصوصه يفضُل على العمل في العشر، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها”. انتهى كلام ابن رجب.

ومن ثم اجتهد الموفقون في صالح الأعمال في هذه الأيام، وكان سعيد بن جبير- راوي الحديث عن ابن عباس- “إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ” (أخرجه الدارمي)، وكان يدعو إلى عدم إطفاء السُّرُج؛ كنايةً عن طول القيام وكثرة الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة.

فأين أنت من هذا الخير العظيم؟!

أين أنت من التعرض لنفحات رحمة الله في أيام العشر؟!

أخرج الطبراني في الكبير وفي الأوسط عَنْ مُحَمَّدِ ابن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهاُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا”..

والتعرض لنفحات رحمة الله يكون بكثرة الدعاء والسؤال في هذه الأوقات الفاضلة؛ باعتبارها أوقات إجابة وتفضُّل من الله تعالى، فهل تحرص- أيها الأخ الحبيب- على وِرْدٍ من الدعاء فيها؟!

وهل تحرص على أن تجعل لدعوتك ولإخوانك ولأمتك نصيبًا موفورًا من الدعوات المباركة في هذه الأيام؟

وهل تخص بمزيد من صادق الدعوات إخوانك المجاهدين في ديار الإسلام؟

أسأل الله أن يوفقنا وإياك لما يرضيه، وأن يستر عوراتنا ويؤمِّن روعاتنا وينصر مجاهدينا، إنه على كل شيء قدير.

أين أنت من التوبة النصوح في الأيام العشر؟!

فهذه أيام يقبل الله فيها على خلقه، ويقبل التوبة ممن تاب، فهل تكون مع أولياء الرحمن المؤمنين الذين استجابوا لنداء الله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية 31) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (التحريم: من الآية 8).. ها هو الحق سبحانه ينادي على المذنب الذي يئس من رحمته ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87).

ويقول لمن قنط من رحمة ربه ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: 57).

يقول للذي ملأت الذنوب حياته، وشغلت الشهوات أيامه، وغرق فيها غرقًا إلى أذنيه: “لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً”.

فلنبادر إلى اغتنام نفحات رحمة الله في هذه الليالي والأيام المباركة، بدءًا بالاصطلاح مع الله والتوبة الصادقة إليه، والله يتولى توفيقنا جميعًا لما يحب ويرضى.

أين أنت من الذكر في أيام العشر؟!

أخرج أحمد وأبو عوانة وأبو نعيم في الحلية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ”. وهو حديث حسن بمجموع طرقه.

وأخرج البيهقي في الشعب نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا مْن أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ وَلا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الايَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، فإنها أيام التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ”.

قال البخاري: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ، وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم إنما يفعلون ذلك امتثالاً لقوله تعالى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ (الحج: 37).

فلنكثر من التكبير والتهليل والتحميد والذكر، وخاصة أذكار الصباح والمساء والأحوال المختلفة، وفي أدبار الصلوات.

أين أنت من الصيام في أيام العشر؟

الصيام من أفضل الأعمال التي ندب إليها الإسلام وحض عليها، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا”.

وأفضل ما يكون صيام النوافل في الأيام الفاضلة المباركة، وأعلاها فضلاً وأكملها أجرًا هذه الأيام العشر المباركة، ومن ثَمَّ كان صيامُها من أفضل الأعمال، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في فضل الأيام العشر أورده الأئمة تحت عنوان (باب فضل صيام العشر)

وقال ابن حجر في فتح الباري: “اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ”.

وأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ.

فقد قال النووي في شرح مسلم: “قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة، وَالْمُرَاد بِالْعَشْرِ هُنَا: الأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا، لا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا، وَهُوَ يَوْم عَرَفَة… فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا: لَمْ يَصُمْ الْعَشْر، أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أو سَفَر أو غَيْرهمَا، أو أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الأَمْر،

وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: "كَانَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة، وَيَوْم عَاشُورَاء، وَثَلاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر: الإثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس" (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظه وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَتهمَا (وَخَمِيسَيْنِ). وَاَللَّه أَعْلَم”.

وزاد ابن حجر تأويلاً آخر لحديث عائشة، وهو “احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا”.

ويؤيد فضيلة صيام هذه الأيام ما أخرجه الترمذي وابن ماجة بسند فيه ضعف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ”.

قال ابن حجر: “وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ”.

أين أنت من قيام الليل في أيام العشر؟!

يقول الصالحون: دقائق الليل غالية، فلا ترخِّصوها بالغفلة، وأغلى ما تكون دقائق الليل في الأيام والليالي الفاضلة.

في هذه الأيام والليالي المباركة ينادي رب العزة المتأخرين ليتقدموا، والمقصرين لينشطوا، ومن فاتته الحسنات فيما مضى فليدرك نفسه ويعوِّض خسارته في هذه الأيام بقيام الليل، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: 1- 4) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ (المزمل: 20)، فهل تحب أن تكون مع الطائفة التي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

هل تحب أن تدخل في هذه الآية التي خُتمت بالمغفرة والرحمة؟!

كلما أوغلت في الليل كان القيام بين يدي الله ألذَّ لك، حيث يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: "مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟" (أخرجه الشيخان).

إذا وجدت قدميك خفيفتين إلى صلاة الليل؛ فاعلم أن هذه علامة حب الله لك، إذ لولا أنه يحبك لما جعلك أهلاً لمناجاته.. أخرج ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ إِلاَّ تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ”.

فليكن لنا نصيبٌ موفورٌ من هذا الخير في هذه الأيام المباركة.

ولا بأس بالاعتكاف بعض هذه الأيام في المسجد، أو حتى اعتكاف بعض الساعات، فقد أخرج عبد الرزاق عن يعلى بن أمية قال: “إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف”.

وأخرج عن عطاء قال: “هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف، وإلا فلا”.

فمن تيسر له قضاء بعض الوقت أو الجلوس بضع ساعات في المسجد فليستحضر نية الاعتكاف، والله نسأل أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ