أماني جازية

كثيراً ما نسمع عن تأثيرات التكنولوجيا السلبية على الأطفال، وتحذيرات أخصائيي التربية عن إسهام استخدام الجوال والتاب في ازدياد نسبة الإصابة بالتوحد، وتأثيرها المباشر على التركيز عند الأطفال، هذه التحذيرات نجدها حيثما اتجهنا، لكن يا ترى أليس لها تأثير على الأهل والمربين أيضاً؟

رافقوني في هذه الرحلة كي نعرف.

1_ إن انشغال الوالدين بشكل كبير بملاحقة وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الدردشات والمشاركات، يجعل الوقت الخاص الذي يقضونه مع أولادهم في النشاطات المشتركة، وفي الحوارات وتنمية شخصية الطفل والاهتمام بشؤونه وتفقد أحواله، يجعل هذا الوقت قصيراً أو ربما معدوماً مما يؤثر على صلة الولد بأبويه. وبكل تأكيد فإن ذلك يؤثر على نفسيته ويُشعره بالإهمال، مما يُلجأه إلى لفت انتباه والديه بطرق مؤذية.

الملفت هنا أن أذيات الولد هذه تسبب عبئاً نفسياً على والدته بالأخص، فتلجأ للتفريغ عن نفسها إلى وسائل التواصل مرة أخرى، وهكذا تستمر حلقة الضياع بالكبر، وقد سمعت من إدارية في إحدى المدارس أنها قد لاحظت بشكل واضح تغير نفسية وتصرفات الأطفال بعد دخول وسائل التكنولوجيا تلك إلى عالمنا.

لن أكون منفصلة عن الواقع، ونظرية بشكل مبالغ فيه وأقول لكم على الأم أن تنسى نفسها وتنذر حياتها لأولادها، لا لن أقول .. الأم إنسان لنفسها عليها حقاً، وتحتاج الترويح عن نفسها مراراً، كي تعود إلى مهمتها في تربية أبنائها بهمة، لكن استغراق هذا الترويح لكل وقتها هو المرفوض.

    الأم إنسان لنفسها عليها حقاً، وتحتاج الترويح عن نفسها مراراً، كي تعود إلى مهمتها في تربية أبنائها بهمة، لكن استغراق هذا الترويح لكل وقتها هو المرفوض

2_ إن توافر الكثير من مصادر المعلومات في الإنترنت، والتي في غالبها معلومات غير موثوقة، يجعل الأهل يحتارون ويتذبذبون بشكل كبير في تربيتهم، ولا يعتمدون على أسس تربوية ثابتة وصحية، وليس أضر على التربية من التذبذب في التعامل وعدم الثبات، لذا فإن الحل يكون باختيار مصدر موثوق وليس بالاعتماد على أي معلومة كانت والتي في أحيان كثيرة تضر بدلاً من أن تنفع.

3_ تقوم الكثيرات من الأمهات (وبعض الآباء) بعرض نشاطاتهم المختلفة مع أولادهم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مما ينعكس سلباً على نفسية بعض الأمهات، وينتابها شعور بأنها أم فاشلة ولا تستحق أن تكون أماً، وتبدأ بلوم نفسها، والحقيقة ليس بالضرورة أن تكون كذلك، فلكل منا فترات نهمُّ بها، وفترات نفتر بها.

4_ هذه المقارنة لا تقتصر على مقارنة الأم نفسها بغيرها من الأمهات فقط، بل تمتد لتشمل مقارنة ابنها أو ابنتها بغيرهم من الأبناء، والمصيبة أن هذه المقارنة تكون جائرة، فهي لا تشمل الإنسان ككل بإيجابياته وسلبياته، بل في غالب الأحيان تتم مقارنة كل صفة إيجابية من كل فرد مع مقابلها من الصفات السلبية في الابن، والنتيجة أن يُهيّأ للوالدين أو أحدهما أن ولدهما هو الأسوأ، ولو تفكرنا قليلاً لعلمنا أنه من الطبيعي أن يعرض أي منا للآخرين ما يفرحه ظهوره، أما ما يسوؤه فيبقى خلف الكواليس ولا ندري به.

5_ إن عرض الكثير من مشكلات الطفولة، والمبالغة في عرض تخوفات بعض الناس، يجعل الوالدين يتخذون موقفا سلبيًّا وحساسًا إزاء أيِّ فعل يقوم به أولادهم وخاصة فيما يتعلق بالنواحي الجنسية، ويفسرونه وكأنهم قد انحرفوا، وقد ضاعت تربيتهم سدى، حتى وإن كان هذا الفعل هو فعل طبيعي بحكم فئتهم العمرية، فالعديد من التصرفات تعتبر تصرفات طبيعية في مرحلة ما؛ وقولنا أنها طبيعية لا يعني إهمالها، وإنما يعني مراقبتها فربما تذهب من تلقاء نفسها، ويعني التعامل معها بحنكة وحكمة وهدوء، وتقليب المشكلة على جميع وجوهها، فالتوتر يزيد المشكلة بدلا من أن يساهم في حلها.

وأثناء استطلاع رأي أجريته عبر الفيس بوك، وجدت إجماعاً على أن وسائل التواصل الاجتماعي تسرق منهم الوقت الذي من المفروض أن يقضوه مع أولادهم.

وقال 36% من المشاركين أنهم أصبحوا أكثر خوفاً على أبنائهم، وخاصة بسبب ما يشاهدونه ويسمعونه يومياً من حالات اختطاف وتجارة بالأعضاء وتحرش وغيرها، وهذا بالتأكيد يجعلهم يحيطون بهم أكثر، ويمنعونهم من التعامل مع العالم الخارجي، كما يجعل الوالدين في حالة توتر وقلق دائم.

وقالت 8% أنها تشعر بالضياع بسبب تناقض المعلومات التربوية.

وقالت 8% أيضا أنها تتأثر بأي معلومة دون التأكد من صحتها.

كل ما سبق لا يعني انعزالنا عن الواقع، وترك وسائل التكنولوجيا تماما، وأنها شرٌّ محض، بل يعني ألا ننغمس فيها بكل طاقاتنا، وأن نقننها بحيث نأخذ منها ما يفيد _وهو كثير_ ونترك ما يضر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ