حشاني زغيدي

          الهجرة النبوية حدث هام في تاريخ الدعوة حدث تجاوز حدود رحلة وانتقال عادي يقوم به سائر البشر إما طلبا للراحة أو الاستجمام أو طلبا للرزق، فالهجرة النبوية تجاوزت كل هذه الأغراض لترتقي بالإنسان إلى عالم القيم فتكون نقلة نوعية متفردة تتجاوز حدود المكان والزمان ولتكون فيصل بين مرحلتين أساسيتين في حياة الدعوة من حياة عاشها أفضل الخلق  في مكة المكرمة،  وكان لها سماتها وخصوصيتها إلى  الحياة الحديدة في المدينة  المنورة  تختلف من  حيث أهدافها وغايتها ولتكون هذه الرحلة فاصلة بين حياة الاستضعاف والقلة في العدة والعدد إلى  حياة قيادة المؤسسات  وامتلاك الخطط والاستراتيجيات  ومن حياة ميزها التخفي والاختباء في الزوايا  والمحاصرة في الشعاب والتضييق إلى حياة الجهر بالفكرة    ومن حياة  الترقب إلى حياة الحركة والانطلاق .

          إن الهجرة النبوية علمتنا أنه لا حياة بلا تخطيط  على الرغم   ان هذه الرحلة كانت بأمر الله ورعايته  ولكن الرسول صلى الل عليه وسلم قد استنفذ الجهد وأحاط الرحلة بكل أسباب النجاح  فاحسن توظيف كل متاح وطاقة   تسهم في انجاح هذه الهجرة  فاختار   الرفيق المناسب الذي يقاسمه مشاق الطريق ويهون عليه المتاعب المنتظرة فكان نعم الصديق الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله  فكان رضي الله عنه  نعم المرافق  كما وفر عليه السلام كل لوازم الرحلة فاختار الراحلة والدليل  وأمن الخروج في خفية فكان علي كرم الله وجهه زينة الفتيان نعم الفدائي  ولم يستثنيني الرسول الله  المرأة بالمشاركة في انجاح مشروع  الهجرة  فكان للأختين الطاهرتين أروع التضحية عائشة وأسماء رضي الله عنهما  فبذلتا  الجهد في إعداد الراحلة وتقديم الزاد والمدهش في هذه الرحلة دور مهم للأطفال فقد لهم حيز ونصيب  في تقصي الأخبار فنالوا بذلك شرف المشاركة في الهجرة  كما كان للرعاية المسبقة للخطة وتهيئة المناخ الناجح للبيئة الحديدة فكان للصحابي المترف مصعب بن عمير أبلغ الأثر لإنجاح هذه المهمة ، وهذا يبن أن القائد الناجح لا يهمل الأسباب والمؤيدات  فكانت الهجرة من حيث التخطيط مدرسة نموذجية يقتدي  بها الرواد في صناعة التغيير .

      إن حياة الهجرة تعلمتنا لا مكان للعصبية فقد تجاوز المسلم الشعور بالغربة فقد امتزجت تلك العصبيات في ظل الإيمان وفي ظل الأخوة في الله  المفقودة في مجتمعاتنا اليوم بسبب نما الشعور العصبي بين أبناء الأمة الواحدة  فقد كانت الهجرة العاصمة من مهالك هذه العصبية فقد أقام عليه الصلاة  والسلام مؤاخاة عامة بين المسلمين  هذه المؤاخاة التي أعدت أخصّ من الأخوّة العامة بين المؤمنين جميعاً ، فكانت هذه المؤاخاة لم تلقي بالا  للمورث القبلي أو العصبي فكانت أخوة مميزة  تجملت بها صفحات السيرة النبوية العطرة  وقد اثمرت هذه الأخوة مواقف مؤثرة  خالدة  أذابت كل الفوارق المجتمعية فجمعت بين الفقير والغني وبين القوي والضعيف وبين الشيوخ والشباب فكانت ثورة حقيقية على التقاليد المورثة مع أن عزة الصحابة المهاجرين كانت راقية أظهرت كل معاني العفة والطهارة والنبل فحق في قدرهم  هذه الشواهد الرائعة  في قوله تعالى : "  والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"   الحشر : 9   .و اثنى عليهم الحبيب محمد ا صلى الله عليه وسلم  وهذا حقهم  رضي الله عنهم  بقوله  "  لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً ، لسلكت في وادي الأنصار ) رواه البخاري ، وبيّن حبه لهم بقوله ( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ؛ فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ) رواه البخاري ، ودعا لأولادهم وذرياتهم بالصلاح فقال : ( اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار ، ولذراري الأنصار ) رواه أحمد ، وآثر الجلوس بينهم طيلة حياته فقال : ( لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار " ) رواه البخاري

ليتنا تعلمنا من الهجرة فاستقينا من العبر والدروس فتكون لنا محطة انطلاق ومرحلة حركة وبناء فكل عام والأمة المسلمة بألف خير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ