هدى النمر

هذا السؤال من أكثر الأسئلة المطروقة في مجال بناء النفس وعمران الذات، ويسأله السائل غالبًا بنبرة تحقيرية أو مستصغرة لما يعمله. والحق أن هذا السؤال بتكوينه ونبرته مخالف لقاعدتين أساسيتين في العمل بأمر الله كما أمر الله، وهما:

1. "لا تحقرنّ من المعروف شيئا"[رواه مسلم]

فليس هنالك عمل صغير وعمل كبير في ميزان الله تعالى، وإنما النفوس والهمم هي التي تكبر وتصغر، بغض النظر عن صورة العمل الذي تكمن خلفه  . فكم من قلب صادق الطلب لرضا الله، يكبّر الله عمله في الميزان، أي ثوابه، ونفس العمل ذاته ينزل دركات؛ بسبب ما كان في قلبه من تذبذب، وفي نفسه من تطلع لغير الله!

إن صيغة النهي في الحديث جازمة. والتنكير في كلمة "شيء" يفيد مطلق المعروف، أيِّ معروف، وأيِّ خير، وأيِّ نفع، ولو كان تبسمًا في وجه أخيك!

2. "فإنما عليك البلاغ" [آل عمران:20، الرعد:40، النحل:82]

عندما نتأمل في كتاب الله تعالى، نجد أن كل المواثيق والعهود التي أخذها سبحانه على المؤمنين خلاصتها ركنان فحسب: أن يؤمنوا، ثم يعملوا تصديقاً لذلك الإيمان. لم يطالبنا الله مطلقاً بضمان الأثر ولا حتى شهوده  ، بل إن قضية الإيمان نفسها -وهي قضية الوجود الكبرى- تقوم على "الغيب"، فأنت لا ترى عِياناً ما تؤمن به في هذه الدنيا، ولا تشهد حقيقة ثمار إيمانك هنا، ولا تجني حقيقة عواقب أفعالك بعد. إن كل ما يمر بنا من نعم وابتلاءات إنما هي صور ومراحل من اختبار طويل ممتد ليس إلا، وليست الجزاء الخالد النهائي، وإنما نفحة مما ينتظر.

    كل المواثيق والعهود التي أخذها سبحانه على المؤمنين خلاصتها ركنان فحسب: أن يؤمنوا، ثم يعملوا؛ تصديقاً لذلك الإيمان

تأمل في جهاد الأنبياء ومن تبعهم بإحسان، وفي سير أئمة التاريخ ومشاعل الإنسانية، تجد أنهم جميعاً آمنوا ثم صدقوا إيمانهم بالعمل، ثم لم يلتفتوا هل ينعكس أثر عملهم الآن أم بعد حين، في حياتهم أم بعد مماتهم؛ لأنهم قد آمنوا بما يعملون، وعملوا بما يؤمنون، وهذا غاية المطلوب. وقد أخبرنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: عن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان ممن آمنوا به، ومن الأنبياء من يأتي وحده ليس معه أحد. أولئك الأنبياء أكرم الخلق على الله وأرفعهم درجة بلا مِراء، مع ذلك لم يمنحوا امتيازا خاصا بضمان أثرهم أو سعة نفوذهم! وكذلك لم ينتقص انعدام الأثر من قيمة المجهود عند الله وفي ميزان الله.

إنما عليك البلاغ وليس عليك شهود الأثر.

    الأنبياء أكرم الخلق على الله وأرفعهم درجة بلا مِراء، مع ذلك لم يمنحوا امتيازاً خاصاً بضمان أثرهم أو سعة نفوذهم

من جهة أخرى، مثل هذا التساؤل قد يكون مدخلًا أو انعكاسًا لهذه الآفات الثلاثة الخفية:

1. مدخل من مداخل الشيطان:

بتحقير ما تعمل من الصالحات في نظرك لِيَحْزُنك، فيثبطك عن المزيد، بل مع الوقت يثبطك عن الأصل، حتى يلقي بك في دوّامات الاكتئاب والعجز والسلبية. وينقلب التساؤل الذي ظاهرياً بدأ لله مُقْعِداً وشاغلاً عن الله. والتثبيط عن الخير من خطوات الشيطان في الجرّ للشر، فتنبه!

2. مدخل لحظٍّ من حظوظ النفس:

فهنالك فارق بين حرصك على النفع وتطلعك للإبهار، ويتضح هذا من التفريق الدقيق جداً بين نوعين من الاستصغار.

الأول- أن تستصغر قدر عملك في جنب الله تعالى وحقه عليك، وهذا لازم في كل عمل تعمله مهما كبر؛ لأن عملك لن يكون أبداً مكافئاً لفضل الله تعالى عليك، ولا تفضلاً منك عليه سبحانه، ولا حتى جواز استحقاق لجنته ورضوانه. وإنما غاية عملك أن تُريَ الله تعالى من نفسك الصدق في عبوديتك له رغبة ورهبة، ومحبة وخشية.

والثاني- أن تستصغر "دلائل" نجاحك و"طنين" أثرك و"رنين" وجودك في جنب ما تشعر أنك مستحق له بما عندك من طاقات وعلم، نسيت أنها في الحقيقة هبة وأمانة من عند الله. وهذا المدخل الخفي لا يكاد يسلم منه عامل، فلابد من التيقظ له.

إذن بواعثك وصدقك أحرى بالانشغال بها من أحجام الأعمال وأقدارها  ، والصبر على صغائر المعروف أصعب بكثير من الصبر على كبيرها؛ لأن الصغير لا طنين له ولا رنين ولا هيلمان. لذلك لم يكن عجباً أن يكون محك الصدق مع الله في الصغائر أولاً، وأول الهلاك في الذنوب الصغائر كذلك، فتأمل!

3. انعكاس لتقصير في إعطاء كل ذي حق حقه:

فهذا التساؤل وارد أكثر في حق من ينشغل بجانب على حساب آخر، دون فقه للأولويات كما أمر الله، مما يخلق في نفس العامل اضطراباً، يحسبه بسبب هذا السؤال. كمن يسرف في المسارعة لتلبية حوائج الناس في حين يضيق بأهله ومطالب بيته! أو من هو كثير الحركية في الأنشطة والعطاء الخارجي، مع حرمان نفسه حقها من العطاء الداخلي متمثلاً في زاد معتَبَرٍ من الأوراد، والتعلم، والصقل الذاتي، تماماً كمن يخرج في رحلة طويلة سيراً على الأقدام خاوي البطن.

الإشكال يكمن في أننا غالباً نلقي اللوم في الاتجاه الخاطئ، فالمشكلة التي تؤثر عليك ليست بحجم الأثر، بقدر ما هو تصريفك لطاقاتك، ومراعاتك لاحتياجاتك، وترتيبك لأولوياتك، ومنهجيتك في كل ذلك

    الفارق الوحيد الذي ينبغي أن نقلق عليه، ليس درجات تأثير أعمالنا على خلق الله، وإنما ما يتعلق بدرجاتنا نحن عند الله

ختاماً، لنذكر أن الفارق الوحيد الذي ينبغي أن نقلق عليه، ليس درجات تأثير أعمالنا على خلق الله، وإنما ما يتعلق بدرجاتنا نحن عند الله، فتلك التي لن ينفع عندها ندم أو تساؤل، والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ