• عن أنس رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ... أن يحب المرء لا يحبه إلا لله... )؛ رواه مسلم وغيره.

فالحب في الله سبب لذوق حلاوة الإيمان.

• وقال عليه الصلاة والسلام: (من سرَّه أن يجد طعم الإيمان، فليحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل)؛ رواه أحمد وسنده حسن.

فالحب في الله سبب لوجود طعم الإيمان، هذا في الدنيا، وفي الآخرة أكبر سعادة وأحسن طعمًا.

• قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بحلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)؛ رواه أحمد وإسناده حسن.

وقال عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه...)؛ رواه مسلم وغيره.

يا له من حديث لمن كان له قلب أو ألقى السمع: يوم تدنو الشمس من الرؤوس والزحام وحده يخنق الأنفاس، فالبشرية كلها من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة في أرض المحشر، وجهنم تزفر وتزمجر، وقد أُتي بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وفي ظل هذه المشاهد كلها ينادي الله تعالى على سبعة؛ ليظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من بين هؤلاء السبعة السعداء رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.

• وقال عليه الصلاة والسلام: (إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إن خاف الناس، ولا يحزنون إن حزن الناس، ثم قرأ:﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62].

فهل حققنا هذه الأخوة؟! وقبل الجواب خذ هذه الدلائل على الأخوة الصادقة:

1- التزاور في الله؛ في صحيح الجامع قال عليه الصلاة والسلام: (من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا)؛ رواه أحمد وغيره.

وفي صحيح مسلم: عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته [طريقه] ملكًا، فلما أتى عليه، قال: (أين تريد)، قال أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل عليك من نعمةَ تربُّها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته".

ولابد من نية صادقة لتحقيق الأخوة الصادقة.

خرج الإمام أحمد لزيارة إسحاق بن راهويه فلما بلغ الريّ دخل إلى المسجد، فجاء مطر كأفواه القرب، فلما كان بعد العشاء أُخرج من المسجد؛ يقول: والمطر والرعد والبرق، فلا أدري أين أضع رجلي، ولا أين أتوجه؟ فإذا برجل خرج من داره، فقال: يا هذا أين تمر في هذا الوقت؟ قلت: والله لا أدري أين أمرّ، فقال لي: ادخل فأدخلني دارًا ونزع ثيابي وأعطاني ثيابًا جافة، وأعطوني مدفئة ومائدة منصوبة، فلما أكلت ورفع الطعام، قال لي: من أين أتيت؟ قلت: أنا من بغداد، قال: تعرف أحمد بن حنبل، قلت: أنا أحمد بن حنبل، قال: وأنا إسحاق بن راهويه.

2- التواد والتراحم والتعاطف:

قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)؛ رواه مسلم.

أيها الأخ الحبيب: هل مَثُلُكَ ومثل أخيك كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى أخوك اشتكيت، وإذا احتاج أسرعت إلى قضاء حاجته؟ إنها قضية كبيرة وتحتاج إلى وقفة طويلة.

الأخوة تقتضي التعايش الذي يبلغ مداه في الإيثار بالمال وقضاء الحوائج والمشاركة في المحن؛ قال تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9]؛ أي: ولو كان بهم شدة وفقر.

قال محمد بن المنكدر: "لم يبق من لذة الدنيا إلا قضاء حوائج الإخوان".

قال على بن الحسين لرجل: هل يُدخل أحدُكم يده في جيب أخيه، فيأخذ ما يريد بغير إذنه؟ قال: لا، قال: لستم بإخوان.

كان وراق العجلي: يأتي بالصُّرر فيها الأربعمائة والخمسمائة، فيودعها أحد إخوانه، ثم يلقاهم بعد ذلك، فيقول: انتفعوا بها، فهي لكم.

جاء فتح الموصلي إلى أحد إخوانه في منزله وكان غائبًا، فأمر جاريته فأخرجت صندوق ماله ففتحه وأخذ حاجته منه، فأخبرت الجارية مولاها بعد رجوعه، فقال: إن صَدقْتِ فأنت حرَّة لوجه الله؛ سرورًا بما فعل صاحبه!

3- التغاضي عن الهفوات وستر العيوب والزلات:

وهذه من أعظم الدلائل والحقوق، فأخوك ليس ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، فإن ذل فهو بشر

لا يجوز لك أن تفشي له سرًّا، أو تكشف له عيبًا، أو أن تذكره في غيابه بخصاله الذميمة، فإن رأى الأخ من أخيه عيبًا فلا يشهر به ولا يذكره أمام الناس، بل عليه أن يخلوَ به سرًّا، وينصحه بما تقتضيه النصيحة، ولا شك أن النصيحة عندما تكون خالصة لوجه الله حاصلة في السر، فإن الاستجابة لها ستكون متحققة.

ومن واجب المؤمن ألا يضيق ذرعًا بالنصيحة، وأن يتقبلها بصدر منشرح ونفس راضية، واعلم أيها الأخ الحبيب أن العفو من شيم الكرام.

وهل تكون يا أخا الإسلام كريمًا إن لم تعف عن إساءة أخيك؟ وهل تكون رحيمًا إن لم تتغاض عن زلة صديقك؟ وهل تكون ذليلًا على المؤمن إن لم تصبر عليه إذا هفا، وتصفح عنه إذا أخطأ؟ وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا   ** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

فعش واحدًا أو صل أخاك     **     فإنه مقارف ذنبًا تارة ومجانبه

فمن ذا الذي ترجى سجاياه كلها   ** كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه

كان عبدالله بن معاوية يقول:

لا يزهدنك في أخ لك   **   أن تراه زل زلة

ما من أخ لك لا يعاب ** ولو حرصت الحرص كله

مسألة: هل هذا الخطاب وهذا الحض على الأخوة الصادقة يدخل فيه النساء؟ وهذا الحض على الأخوة الصادقة يدخل فيه النساء؟

الجواب: نعم بلا شك؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، فالآية عامة.

والله تعالى يقول: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 71].

ــــــــــــــــــــــــــــ