يجد المتتبع لحديث القرآن الكريم عن الآخر أنه التزم الموضوعية بدقة متناهية، حيث يلحظ عدم التعميم، والتشديد على التخصيص بذكر ألفاظ (كثير) أو (مِنْ ) أو ( فريق) أو (طائفة) أو نحو ذلك مما يفيد عدم استغراق جميع أفراد جنسهم . وهذا التحديد والتخصيص لم يأت عفواً إذ لو كان الآخر غير ذي دلالة لاكتفى بالتعميم والإطلاق من قبيل القاعدة الأصولية الصحيحة “النادر لا حكم له “، ولكن لما كان لذلك مدلوله كان التأكيد بتلك الألفاظ مسوَّغاً شرعاً وواقعاً. وعلى سبيل المثال تأمل قوله – سبحانه – :

” ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم …… ” [ البقرة: 109].

” ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ” [ المائدة : 80-81].

” قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون” [ المائدة : 59]

” ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ” [ آل عمران : 110]

تأمل في تخصيص القرآن بلفظ ( مِن ) :

” ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإنهم إلا يظنون ” [ البقرة: 78]

” ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً…. ” [ آل عمران: 75]

“ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون…” [ آل عمران : 113 – 115]

” وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم… ” [آل عمران:199]

” ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ” [ الأعراف:159 ].

وكذا التخصيص بـ ( فريق):

” ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون” [ آل عمران:23]

” يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ” [ آل عمران: 100]. "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ” [ البقرة:75]

” وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب…” [ آل عمران : 78]

” أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ” [ البقرة :100-101]

وكذا التخصيص بـ ( طائفة ):

” ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون…… ……وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ” [ آل عمران: 69-72]

إنَّ هذه النصوص لتمثِّل التجسيد الفعلي لتوجيهات قرآنية عديدة تأمر بالعدل مع الآخر حتى مع وجود بُغض أو كراهية له، فلا ينبغي أن يؤثر ذلك على مبدأ العدل إذ هو قيمة مطلقة:

” يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ” [ المائدة : 8 ].

” وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ” [ الأنعام : 52].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ