هناك عبادات كقاسم مشترك بيننا جميعاً، يجب أن نصلي جميعاً، فالصلاةُ هي العبادة الشعائرية الأولى، ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، والصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات .

نحن جميعاً نصلي هذه عبادة مشتركة، بل هذا قاسم مشترك بيننا جميعاً، جميعاً نصوم، جميعاً نؤدي زكاة أموالنا إن بلغت أموالنا النصاب، جميعنا يحج بيت الله الحرام إذا كان أحدُنا مستطيعاً وغنياً .

هذه الشعائرية وكذلك التعاملية من صدق وأمانة وإنصاف.

الآن هناك تقسيم للعبادة بشكل آخر

أولاً: عبادة الهوية :

هناك عبادات متعلقة بهويتك : مَن أنت ؟

أن تعبد الله فيما اقامك

1.عبادة الغني إنفاقُ المال على الوجه الصحيح :

أنت غني العبادة الأولى إنفاق المال، وما أعطاك الله هذا المال إلا لتنفقه في سبيل الله، إلا من أجل أن تسعد بإنفاقه في الدنيا والآخرة، بل إلا من أجل أن تنافس العلماء، الدليل

قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) . [متفق عليه]

المؤمن الغني يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ما أعطاه هذا المال إلا ليكون عوناً له على دخول الجنة، ولكم أيها الإخوة الكرام حقائق كثيرة بإمكان أصحاب الأموال أن يصِلوا إلى أعلى مراتب الجنة، لأن المال قوة، المال قوام الحياة :

هذا التاجر الذي يكسب المال الحلال، وينفقه في مصالح الناس هو عند الله مع النبيين والصديقين، التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين، لأنه كما يمكنني أن أقنعك بأفكاري يمكنني أن أملك قلبك بمالي، لذلك العبادة الأولى لأصحاب الأموال إنفاق أموالهم، بأموالهم يرأبون الصدع، بأموالهم يلمون الشمل، بأموالهم يمسحون الدموع عن وجوه اليتامى، بأموالهم يزوجون الشباب و الشابات، بأموالهم يهيئون البيوت للفقراء، بأموالهم يطعمون الطعام، بأموالهم يرعون الأيتام، بأموالهم يعطون عطاء يملك القلوب .

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (77)) [سورة القصص]

هذه واحدة، الآية واضحة جداً، قضية المال أيها الإخوة الكرام قد ينزلق الإنسان، ويصبح في خدمة المال، ويصاب بمرض بالنسبة إلى النفس كالمرض الخبيث بالنسبة إلى الجسم

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)) [سورة التغابن]

الشح مرض، والشحيح أيها الإخوة يعيش فقيراً ليموت غنياً، لذلك ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي .

بل إن أندم الناس يوم القيامة رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار، فالغني عبادته الأولى إنفاق المال لذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195)) [سورة البقرة]

أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا، والشواهد لا تعد و لا تحصى .

2.عبادة القويِّ إنصاف المظلوم ونصرةُ الضعيف :

أنت من ؟ أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق، إنصاف المظلوم، أن تأخذ للضعيف من القوي، وأن تأخذ للفقير من الغني، وأن تأخذ للمظلوم من الظالم، أنت بجرة قلم تصدر قراراً، لذلك الأقوياء أحياناً يترنمون بكلمة مسؤول كبير، ولو عرفوا معنى هذه الكلمة لارتعدت فرائصهم من هذه الكلمة، مسؤول كبير

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)) [سورة الحجر]

لذلك حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، القوة مسؤولية، والمال مسؤولية .

يا أيها الإخوة الكرام وكلما علت مرتبة الإنسان اتسعت دائرة خياراته في الأعمال الصالحة .

3.عبادة المرأة خدمةُ زوجها وأولادها :

وإن كنتِ امرأة فالعبادة الأولى أن ترعى المرأة زوجها وأولادها، اعلمي أيتها المرأة، و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

أضرب مثلاً دائماً وأكرره، لأنه مناسب جداً، امرأةٌ صلت قيام الليل، وبكت في الصلاة، وخشع قلبها، وذابت محبة لربها، وعندها خمسة أولاد، في الساعة السادسة تعبت كثيراً فطلبت من أولادها أن يتدبروا شأنهم، الأكل غير موجود، الغرفة باردة، بعض أولادها لم يكتب وظيفته، بعض أولادها هندامه غير حسن، بعض أولادها يحتاج ثيابه إلى إصلاح، انطلقوا إلى المدرسة، هذا ما كتب وظيفته، والثاني على هندامه ملاحظة، والثالث كتابه فيه آثار زيت من الشطيرة التي ما وضع لها كيس نايلون، الكل أُهِينوا، أنا أقول : هذه المرأة لو استيقظت قبل طلوع الشمس بنصف ساعة، ودفأت الغرفة، ووضعت الطعام، وهيئت الشطائر لأولادها، وراقبت وظائفهم، راقبت هندامهم، راقبت ثيابهم، راقبت محفظتهم، ودعتهم إلى أن يستقلوا السيارة، أنا أرى أن هذه المرأة أقرب إلى الله مليون مرة من الأولى، لأن الأولى كانت عابدة لله، لكن الثانية عبدت ربها فيما أقامها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة)

وقال:

(أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت : مَن هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاد، فأبت الزواج من أجلهم)

وهي تنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول الجنة .

هذه عبادة الهوية، لذلك يجب أن تعبد الله فيما أقامك.

ثانياً: عبادة الظرف :

هناك عبادة الظرف، إنسان له أب مريض، وعنده بعض مجالس العلم يحضرها، أيهما أولى أن يجلس مع أبيه ليرعاه، ويقدم له ما يحتاج، ويؤنسه، أم أن يدعه، ويهمله، وأن يأتي إلى عبادة ثانية ؟ نقول له : لا، هذه عبادة الظرف، وهي مقدمة على أية عبادة عدا الفرائض طبعاً، يجب أن ترعى أباك،

العبادة الأولى لمَن له أب مريض أن يرعى الأب المريض،

العبادة الأولى لمن عنده ضيف أن يكرم الضيف،

العبادة الأولى لمن ابنه في الامتحان أن يهيئ له الجو المناسب للدراسة،

العبادة الأولى لمن يرى ابنه في ريعان الشباب والفتن مستعرة، والدنيا ترقص العبادة الأولى أن يزوج ابنه، هذا معنى دقيق جداً،

لذلك أيها الإخوة، ونحن أيضاً نتحدث عن عبادة الظرف، وهناك قصص كثيرة مؤلمة جداً، أن الإنسان لا يعرف الأولويات، أبوه مريض، ويقوم بعبادة أقلّ بكثير من ثواب تمريض أبيه، لذلك لا يقبل الله نافلة أدت إلى ترك واجب .

فلذلك الأب النظامي الكامل هو الذي يهتم بأولاده، وهناك آباء أبطال، يبيع أحدهم بيتا بأرقى أحياء دمشق، ويسكن خارج المدينة، ويشتري خمسة بيوت بثمن بيته.

إذاً : هذه عبادة الظرف .

ثالثاً: عبادة الوقت :

الآن عبادة الوقت، وقت فجر، هذا الوقت ليس وقت حسابات، ولا غسل سيارات، هذا وقت عبادات، هذا وقت قراءة القرآن، هذا وقت الصلوات، هذا وقت الأذكار،

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) . [النسائي]

عبادة الوقت ؛ أن تعطي لكل وقت حقه، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل .

النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً في ريعان الشباب يقرأ القرآن، أو يتعبد الله في وقت العمل، فسأله : (( مَن يطعمك ؟ قال : أخي، قال : أخوك أعبد منك )) . [ورد في الأثر]

دقق، هذا وقت عمل، أخوك أعبد منك، لأنه يكسب المال الحلال، وينفقه على مَن يلوذ به .

إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ