لا شك أن مَرَّدَ الأمر كله لله عز وجل وأن الله حق وما دونه باطل، وأن هُدى الله هو الهُدى وما دونه إلا ضلال، وكذلك اليقين بأن النصر والتأيد آتي من الله وحده عز وجل. فإن استقر هذا الاعتقاد بنفس المسلم وكان هذا ديدنه صار به الحال إلى استقرار الثقة المطلقة بخالقه وبصحة اعتقاده وظنه بالله تعالى. فلا نظن بالله إلا خيراً والوثوق بما عند الله بأنه هو الخير كله وما دونه متاع زائل. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم –(يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) متفق عليه.

1- ضعف لا يتسرب إلى نفسك

وهذا هو كتاب الله ينطق بيننا، محذرًا من أن يتسرب الضعف إلى نفوس الأتباع، فتحن قلوبهم إلى الاستسلام، لأن الله القدير مؤيدهم وناصرهم، وآخذ بأيديهم، وموهن كيد أعدائهم (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)

104سورة النساء

( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)11 سورة محمد

يخاطبنا بكلمات من نور لمّا أدرك تمام الإدراك الثقة بالله وبنصره لدعوته، وأن الله لن يخذل عصبة الإسلام ولن يترك لراية الخير أن تتناولها أيدي الطغاة .

2- رجعة إلى الله والصلة به عز وجل

إنكم إذا رجعتم إلى الله هذه الرجعة الصادقة؛ كنتم الأعلون، وكنتم قدرًا من قدر الله الذي لا يرد إذا أردتم الآخرة؛ هانت عليكم الدنيا، فتحررتم من إسار الدنيا، وإذا عرفتم الله صغر عندكم من سواه وما سواه، بل ذاب في أعينكم، وفني في قلوبكم كل ما عداه، ولم يعد يستأهل الطلب والنصب إلا قربه ورضاه، وإذا استشعرتم رابطتكم بربكم وعونه لكم، وأيقنتم أنه معكم رأيتم أنفسكم أقوى من كل قوى الشيطان والطغيان

3 - مع الله في كل حال

أن أكون مع الله في كل حال واثقًا به في قدرته على نصري إن أنا بذلت الأسباب وإن لم أستطع جني الثمار فإنها ستنتظرني عند ربي غدًا في الملتقى.

أن أكون مع الله أرى بديع صنعه فأوقن بأن هناك خالقًا لهذا الخلق ومدبرًا لهذا الكون وأن أكون مع الله حال احتدام الخطر موقنًا بأن الله لا يخذل عند وقع الأذى ، موقنًا بأن فوق عسر المحن يسرا ربانياً، أن أكون مع الله في حب أهل التقى، وكره من قد فجر

وأن أكون متصلاً برباط وثيق مع الله متوكلاً عليه في جميع أموري متيقنًا بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق، والتدبير، والضرر والنفع، والمنع والعطاء، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله تعالى يكفي من يتوكل عليه، ويفوض الأمور -(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)128سورة النحل.

العوامل التي تقوي الثقة في الله:

معرفة الله سبحانه وتعالى عن طريق الإيمان بأسمائه وصفاته الكاملة فلها أثر كبير في نفس المسلم، حيث إنها تجعل إيمانه قويًا راسخًا؛ لأنه قد عرف خالقه حق المعرفة، وقد تبينت له صفاته من قوة ورحمة، وبطش وعفو، وجلال وقدرة، وعزة وكرامة، وأنه هو الأول ولا شيء قبله، والآخر ولا شيء بعده: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) 3سورة الحديد وهو عليم وخبير بكل شيء

هذه المعرفة وغيرها تجعل للمؤمن طمأنينة وراحة في النفس: ( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )28سورة الرعد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)رواه البخاري ومسلم والترمذي

والذي يؤمن بالله وبصفاته ويصدقها، لا يتسرب إليه اليأس ولا ينفطر في حال من الأحوال فإنه يؤمن بالذي له خزائن السموات والأرض، فهذا الإيمان يفيض على قلبه طمأنينة غير عادية، ويملؤه سكينة وأملاً وثقة، ولو أهين في الدنيا وطرد عن كل باب من أبوابها، وضاقت عليه سبل العيش وانقطعت عنه الأسباب.

ثمار الثقة بالله

إن ثمار الثقة بالله تعالى كثيرة لا تحصى لأن الله يجازي المحسن إحسانًا، ومن هذه الثمار:

الثمار الدنيوية

الرضا بقضاء الله تعالى وقدره: كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)رواه مسلم والدارمي وأحمد. فهو يعيش قرير العين، راضيًا بقضاء الله العادل؛ لأن الله يحفظه ويعينه.

اطمئنان النفس وسكينتها بتعرفها على خالقها وهدايته لها: فهو مطمئن النفس؛ لأنه يعرف كيف جاء، وإلى أين يصير؟ وما هو دوره في هذه الحياة: فهو يعيش لهدف)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) 56سورة الذاريات. وهو يقوم بهذا الدور وهو سيعود إلى ربه، فيجازيه على ما قدم ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ 185)سورة آل عمران (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)8 سورة الجمعة

عدم الندم على ما فات من الدنيا فهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأنه مهما قدم من عمل صالح؛ فهو سيجده في ميزانه، (ولا يظلم ربك أحدًا)(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) 7سورة الزلزلة

أما الثمار الأخروية

وهي الثمار الحقيقية، ألا وهي جنات النعيم، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واسمع إلى قول الله تعالى يبين جزاء من وثق بوعده ونصره) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[169]فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[170]) سورة آل عمران.

ــــــــــــــــــــــــ