العجب والاغترار بالنفس والقوة والعدة والعتاد سبب في وقوع الهزيمة وحلولها بمن هذا حاله قال الله - تبارك وتعالى -: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}1، فالنصر ليس بكثرة العدة والعتاد فقد قال الله - تبارك وتعالى -: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}2 قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره: "ذكر - تعالى - للمؤمنين فضله عليهم، وإحسانه لديهم؛ في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ذلك من عنده - تعالى -، وبتأييده وتقديره، لا بعَددهم ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قلَّ الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه3"، وقال العلامة ابن سعدي - رحمه الله -: "يمتن - تعالى - على عباده المؤمنين، بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن اللقاء، ومواضع الحروب والهيجاء، حتى في يوم حنين الذي اشتدت عليهم فيه الأزمة، ورأوا من التخاذل والفرار ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها وسعتها، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة؛ فلما التقوا هم وهوازن حملوا على المسلمين حملة واحدة فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نحو مئة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، يركض بغلته نحو المشركين ويقول: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))4؛ ولما رأى من المسلمين ما رأى أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة؛ فلما سمعوا صوته عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم الله المشركين هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم5".

** الاجتماع وعدم التفرق والتنازع:

لا يخفى على أحد من الناس أهمية جمع كلمة المسلمين، وأن ذلك سبب في النصر على عدوهم، وقد أمر الله - تعالى - بالاجتماع في آيات كثيرة محذراً منه، وداعياً لهم بالاعتصام بحبله المتين، وأخبر أن التفرق والتنازع سبب في حصول الفشل والهزيمة فقال سبحانه: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}6 قال الإمام الشنقيطي - رحمه الله -: " نهى الله - جل وعلا - المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبيناً أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضاً في مواضع أخر كقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}7 ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي: قوتكم"8.

فلا بد من الرجوع إلى دين الله - تبارك وتعالى - بصدق حتى نستحق النصر على الأعداء، نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً حتى يستحقوا النصر على الأعداء، ونسأله أن يوحد صفهم، ويقوي شوكتهم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــ

1 سورة التوبة (25).

2 سورة البقرة (249).

3 تفسير ابن كثير (4/125).

4 رواه البخاري برقم (2719)، ورقم (2772)، ورقم (4063)؛ ومسلم برقم (1776)، ورقم (1776).

5 تفسير السعدي (1/332).

6 سورة الأنفال (46).

7 سورة آل عمران (103).

8 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (9/95).