مما يميز إنسانًا على إنسان (الفهم الصحيح لقضيته)، ألا وهي الإسلام.. ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (الأنبياء: من الآية 79)، وغرس النبي هذا الفهم في قلوب وعقول الصحابة الكرام وتربَّى عليه أصحاب الهمة العالية من الذين حملوا الإسلام (مصحف وسيف- دين ودنيا- عبادة وعقيدة... إلخ)، ووضعوه أمام أعينهم في كل حياتهم وجعلوا حياتهم لله ورفعوا شعار (حياتي كلها لله)، ورددوا في كل أوقاتهم (الله هو غايتنا) نرى ذلك واضحًا جليًّا في السيرة والتاريخ.

أ- هذا أبو بكر يأتي بكل ماله لنصرة الدين، ولما سئل ماذا تركت لأولادك قال تركت لهم الله ورسوله, وهو أيضًا يدخل الغار قبل حبيبه (محمد) صلى الله عليه وسلم فداءً له (لأنه رمز الدين والدعوة).

ب- وهذا صهيب الرومي الذي ضحَّى بكل ماله، وقال: ‏"‏لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت لي قريش‏:‏ يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم‏:‏ أرأيتم إن دفعت لكم مالي تخلون عني‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ربح البيع صهيب مرتين"، ونزل في شأنه قرآن: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207)﴾ (البقرة)، فرحم الله أصحاب الفهم السليم.

ج- وهذا علي بن أبي طالب الذي نام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، وهو يعلم أن نومه هذا ربما يؤدي إلى قتله.

فلا مالَ ولا زوجةَ ولا ولد ولا شباب يمنع أن يتقدم الواحد بإيمانه وفهمه الصحيح لخدمة هذا الدين.

فالمسلم الداعية المؤمن بدعوته الذي يجعله حياته كلها (مال وولد وجاه وزوجة ووظيفة وراحة...) يجعل حياته وقفًا لله فلا يتصرف فيها إلا فيما يرضي ربه ويحقق مصلحة دينه ويجعلها لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، يجد لذته في تضحياته وبذله.

الإيمان بالقضاء والقدر:

الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء يعلم الغائب والشاهد، والظاهر والمستتر، وأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية ويعلم ما توسوس به الصدور ويعلم ما كان وما سيكون، وأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بعلمه سبحانه، كما قال جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾ (الأنعام)، إن الله سبحانه لا يُقدِّر شرًّا محضًا ليس فيه خير، بل كل ما قدر وإن ظهر لنا أنه شر كله فإن من ورائه من الخير ما لا يعلمه إلا الله كتكفير السيئات ورفع الدراجات وتمحيص المؤمنين وتبصيرهم بعيوبهم وكشف ما يخطط لهم أو دفع شر أعظم مما حل بهم كحفظ دينهم، ولو ذهب شيء من دنياهم، ونحو ذلك من المصالح التي لا تخطر على البال ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر: هدوء القلب وراحة البدن والنفس والأعصاب ومفارقة الهم والحزن, فلا تمزق ولا توتر عصبي ولا شذوذ ولا انفصام وإنما رضاء وسكينة وسعادة وراحة وطمأنينة وبرد اليقين وقرة العين وهناء الضمير وانشراح الصدر.

إن الإنسان الذي يؤمن بالقضاء والقدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الأمة لو اجتمعت لن تضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه, وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.. هذا الإنسان هو أسعد الناس.

الصبر الجميل:

فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ (البقرة). وقال رسول الله معلمًا ابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" (رواه الترمذي).

فالصبر على الابتلاء من العوامل القوية التي تعين الفرد على الطريق ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً (5)﴾ (المعارج)، هكذا أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيرًا له" (رواه مسلم)، والصبر من معالم العظمة وإشارات الكمال كما أنه من دلائل الرجولة الناضجة، ومن ثمَّ كان نصيب الدعاة من البلاء، والصبر عليه كبيرًا.

قال سيد قطب رحمه الله: "فالصبر خير عطاء، وأعظم نعمة ينعم الله بها على العبد الصابر، فالمؤمن المجاهد الذي ارتضى لنفسه طريق التضحية لن يستمر في هذا الطريق ما لم يتحل بالصبر، وأية فئة اختارت طريق الابتلاء فلن تدوم رابطتها، ولن تتماسك بنيتها ما لم تتواص بالحق وتتواص بالصبر، والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة المباركة".

الثواب المنتظر:

إن الثواب المنتظر من الله الواحد الأحد الذي رفع أقوامًا وحط بآخرين رفع بلالاً (العبد الحبشي مؤذن الرسول) وحطَّ من أبي جهل, رفع من قدر سلمان الفارسي، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا آل البيت"، وحط من قدر أبيّ بن خلف.

وما يشاك المؤمن من شوكة أو يصاب من مصيبة إلا كفَّر الله به ذنبا وحط عنه خطيئة، وما أعظم ثواب الصابرين عند الله يوم القيامة الذين صبروا هم وأهلوهم على البلاء من (اعتقال وتغييب وتعذيب) وما شاكل ذلك، وما صبروا على ذلك إلا ابتغاء وجه الله العظيم؛ حيث جعل الله منزلتهم مع الأنبياء والشهداء لا لشيء إلا أن كل ذلك في الله ولله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة".

هذا في الآخرة، فما بالك بالدنيا والفرح عند نصر الله والتمكين وإنه لقريب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ