خالد النجار

عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: ((التُّؤَدةُ في كلِّ شيء خيرٌ، إلا في عملِ الآخرةِ))[1].

عجبًا لنا! ما أن تعلنَ الصحفُ عن وظائفَ شاغرة، محدودةٍ وقليلة إلا ويتهافتُ الناسُ عليها تهافتَ الفراش على النار، أما حين يُعلن القرآنُ - ويا لشرف الإعلان - عن وظائفَ شاغرة، حيث أرقى المناصب، وأسمى المراتب، ينكص الجميع، ويولُّون الدُّبر! فيا ويحَ المتنافسين! ما أقلَّهم وأضعفَ هِممَهم! قال - تعالى -: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ﴾ [الواقعة: 13 - 14].

انظر مثلاً كيف كان التنافسُ على الصلاة في الصفِّ الأول زمن الصحابةِ والتابعين، لقد كان على من أراد إدراكَه منهم أن يذهبَ قبل الصلاة بقدرٍ كافٍ قبل النداءِ، أما الآن فمن السهل إدراكُه ولو جئتَ وقت إقامة الصلاة في بعض المساجد، أين نحن مِن سعيد بن المسيب الذي قال: ما فاتتني التكبيرةُ الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرتُ في قفا رجلٍ في الصلاة منذ خمسين سنة؟!

وأين نحن من ثابت البُناني الذي قال: كابدتُ الصلاةَ عشرين سنة، وتنعَّمت بها عشرين سنة.

وقال جعفرٌ: كان ثابت يخرج إلينا وقد جلسنا في القِبلة، فيقول يا معشرَ الشباب، حُلتم بيني وبين ربي أن أسجدَ له، وكان قد حبِّبت إليه الصلاة.

أين نحن من الأوائل، المتسابقين الأشدَّاء الذين لا يُشَقُّ لهم غبارٌ في طلب الجنة.

كان الجنيدُ يقرأ وقت خروج رُوحه، فقيل له في هذا الوقت! قال: أبادرُ طيَّ صحيفتي.

وجُمعت براية أقلام ابن الجوزي التي كتَب بها الحديثَ، فحصل منها شيءٌ كثير، وأوصى أن يسخَّنَ بها الماءُ الذي يغسَّلُ به بعد موته، ففُعل ذلك، فكفَتْ وفضَلَ منها.

قال - تعالى -: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]، فنعيمُ الجنَّة مطلبٌ يستحقُّ المنافسة، وهو أُفُقٌ يستحق السِّباق، وغايةٌ تستحق الغلابَ، والذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبُر وجلَّ، وارتفع وعظُم، إنما يتنافسون في حقيرٍ قليل فانٍ قريب.

والدنيا لا تزِنُ عند الله جَناحَ بعوضة، ولكن الآخرةَ ثقيلةٌ في ميزانه، فهي إذًا حقيقة تستحق المنافسةَ فيها والمسابقة.

ومن عجب أن التنافسَ في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعًا، بينما التنافس في أمرِ الدنيا ينحطُّ بهم جميعًا، والسعي لنعيم الآخرة يُصلح الأرض ويَعمُرها ويطهِّرها للجميع، والسعي لعَرَض الدنيا يدَعُ الأرض مستنقَعًا وَبِيئًا تأكل فيه الديدانُ بعضها البعض، أو تنهش فيه الهوامُّ والحشرات جلودَ الأبرار الطيبين!

والتنافس في نعيم الآخرة لا يدَعُ الأرض خرابًا بَلْقعًا كما يتصور بعضُ المنحرفين، إنما يجعل الإسلامُ الدنيا مزرعةَ الآخرة، ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاحِ والتقوى وظيفةَ المؤمن الحقِّ، على أن يتوجَّهَ بهذه الخلافة إلى الله، ويجعلَ منها عبادة له تحقِّقُ غاية وجوده؛ كما قررها اللهُ - سبحانه - وهو يقول: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

وإن قوله - تعالى -: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26] لهو توجيهٌ يمد بأبصارِ أهل الأرض وقلوبهم وراء رقعة الأرض الصغيرة الزهيدة، بينما هم يَعمرون الأرضَ، ويقومون بالخلافة فيها، ويرفعها إلى آفاقٍ أرفع وأطهرَ من المستنقع الآسِنِ، بينما هم يطهِّرون المستنقع وينظفِّونه!

إن عُمر المرء في هذه العاجلة محدود، وعمره في الآجلة لا يعلم نهايتَه إلا اللهُ، وإن متاع هذه الأرض في ذاته محدود، ومتاع الجنة لا تحدُّه تصوراتُ البشر، وإن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروفٌ، ومستوى النعيم هنالك يليق بالخلود! فأين مجالٌ من مجال؟ وأين غاية من غاية؟ حتى بحساب الرِّبح والخسارة فيما يعهَد البشرُ من حساب.

وعن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((التُّؤَدةُ في كل شيءٍ خيرٌ إلا في عمل الآخرة))، يقول المناوي: (التؤدة): التأنِّي، (في كلِّ شيءٍ خيرٌ)؛ أي: مستحسَنٌ محمود، (إلا في عمل الآخرة)؛ فإنه غيرُ محمود، بل الحزم بذلُ الجهد فيه؛ لتكثير القرباتِ، ورفع الدرجاتِ؛ ذكره القاضي، وقال الطيبي: معناه أن الأمورَ الدنيوية لا يُعلَم أنها محمودةُ العواقب حتى يُتَعجَّلَ فيها، أو مذمومة حتى يُتأخَّر عنها بخلاف الأمور الأُخروية؛ لقوله - سبحانه -: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الحديد: 21].

فهلمَّ إلى الدخول على الله ومجاورتِه في دار السلام، بلا نصَبٍ ولا تعَبٍ ولا عناء، بل مِن أقربِ الطُّرق وأسهلها؛ وذلك أنك في وقت بين وقتين، هو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر، بين ما مضى وما يستقبل، فالذي مضى تُصلحه بالتوبة والندم، وهو عملُ قلبٍ، وما يستقبل تُصلحه بالعزم والتوبة، وإياك أن تكونَ ممن قال فيهم يحيى بن معاذ الرازي: "عمَلٌ كالسراب، وقلبٌ من التقوى خراب، وذنوبٌ بعَدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات أنت سكران بغير شراب.

ما أكملك لو بادرتَ أملَك! ما أجلَّك لو بادرتَ أجلك! ما أقواك لو خالفت هواك!".

قالت أمُّ البنيين أخت عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه -: "البخيلُ من بخِل عن نفسِه بالجنَّة".

وقال رجلٌ لابن السماك: عِظْني، فقال: "احذَرْ أن تقدَمَ على جنة عرضُها السمواتُ والأرض وليس لك فيها موضعُ قَدَم".

وقال عطاء بن ميسرة: "إني لا أوصيكم بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حرَّاص، وإنما أوصيكم بآخرتكم، فجِدُّوا في دار الفناء لدار البقاء".

وقال يحيى بن معاذ: "تركُ الدنيا شديد، وفوتُ الجنة أشد، وترك الدنيا مهرُ الآخرة".

وقال أيضًا: "في طلب الدنيا ذلُّ النفوس، وفي طلب الآخرة عزُّ النفوس، فيا عجبًا لمن يختار المذلَّة في طلب ما يفنى، ويترك العزَّ في طلب ما يبقى!".

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه أبو داود، (صحيح)، انظر: حديث رقم: 3009 في صحيح الجامع.