منصور محمد

زمان مرَّ سريعاً, وأيام تُطوَى تباعاً, وذلك من عمرنا وكل يوم يمضي فلن يعود, بالأمس نودِّع الشهر واليوم وبعد عام مر سريعاً نستقبله، وتلك سنة الله في الحياة؛ فـ"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة..".

رمضان أقبل قم بنا يا صاح *** هذا أوانُ تبتُّل وصلاح

صفوٌ أتيح فخذ لنفسك قسطها *** فالصفو ليس على المدى بمتاح

واغنم ثواب صيامه وقيامه *** تسعد بخيرٍ دائم وفلاح

حلّ الغائب المنتظر, وأتى الضيف العزيز, بعد عام كامل مليء بالأحداث والغِيَر, ومشحونٍ بالدروس والعبر, مات فيه أقوام وَوُلد آخرون, وعزّ أقوام وذل آخرون.

والليالي من الزمان حبالى *** مثقلاتٍ يلدن كل عجيبة

أتى الشهر وبالنفوس لهفٌ إليه, وشوقٌ لخيراته, وانتظارٌ لبركاته, هو شهر الغنائم قد أتى, وزمن مضاعفة الحسنات قد دنا, هو الغنيمة للصالحين، والأمنية للعارفين، والفرصة للمستعتبين, هو الزمن الذي تُعمَر فيه المصليات وتُتلى الآيات, تُقبِل فيه القلوب على الخير والإحسان, وتصفَّد فيه مردة الشياطين من الجان, ويضعف سلطان الشيطان وتفتح أبواب الجنان, الناس فيه في تردَّد على المساجد وما بين صيام وقيام وتعبُّد للإله الواحد.

يا من أكرمكم الله بقرب بلوغ الشهر, يا من دفنتم في عامٍ أقواماً أدركوا رمضان الماضي فانتقلوا وبقيتم, يا من رحل فئامٌ وتخلفتم, حُقَّ لكم اليوم أن تفرحوا, أجل فليس أكرمَ من أن يدرك المرء مواسم المضاعفة, وميدان المرابحة, لينهل من معينها, فتلك الغنيمة, وتلكم التجارة.

حُقّ لكم أن تفرحوا, وببلوغ الشهر تستبشروا فأبواب الجنة تفتح وغِلَقُ النار توصد, والمردة تُغلّ, والنفوس تُقبل، والناس تُعين, والأجور مضاعفة, وأبواب الخير مشرعة.

حق لكم أن تفرحوا, ويومٌ تدركونه تُمكّنون فيه من طاعة الله هو أغلى المطالب.

يا أيها المبارك: بينك وبين رمضان سويعات, فبأي نفوس تستقبله؟ وبأي فكر يحل بك؟

في استقبال رمضان تذكر فضل ما أنت فيه, وشرف زمن أنت تتقلب فيه, لتنشط نفسك وتعرف قدر زمانك, فمن ذا الذي يسمع قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "من صام يومًا في سبيل الله زحزَح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفًا".

وقوله لأبي أمامه حين سأله عن عملٍ: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْل له"، وقوله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، وقوله: "لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وقوله: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه"، وقوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، أيُّ نفسٍ تسمع هذا ثم لا تسعد برمضان وبالصوم والطاعة فيه؟!

في استقبال الشهر كن شحيحاً بأوقاتك محافظاً على صيامك من مكدَّراته, فليس الصوم على البطن والفرج فحسب, بل الجوارح تصوم عن الآثام, ومن لم يدع العصيان قولاً وعملاً, فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.

في استقبال الشهر اعزم على الخير تُعَن عليه, وانو الإحسان يكتب لك ولو حيل بينك وبينه.

في استقبال الشهر صحِّح نيتك, فالصيام والقيام تنال ثوابهما إذا كان ذلك العمل إيماناً واحتساباً, وربّ عبدٍ ليس له من صومه إلا الجوعَ والعطش.

في استقبال الشهر تفقَّه في أحكامه, وتعبَّد في ليله ونهاره, ولا تفت عليك أوقاته, فهي أنفس الأوقات, واستغل أزمانه فهي أشرف اللحظات, وسابق ما قدرت في أبواب القربات.

اعقد العزم على أن تجعل المسجدَ في رمضان موطنَك, والقرآنَ أنيسَك, والذكرَ حديثَك, والخير رفيقَك, لتذهب الأيام المعدودات يوم تذهب وأنت ممن ربَح فيها وما خاب, وممن فاز فيها وما خسر.

في استقبال الشهر دع عنك ذنوباً بقيت مقارفاً لها زمناً, تمنيت تركها, فجاء شهرك فتخلّ عنها احتراماً لشهرك, وطاعة لربك, وإذا عجزنا عن ترك العصيان في رمضان وهو زمن تصفيد الشيطان فنحن فيما سواه أضعف وأعجز.

في استقبال الشهر سل الله التوفيق, فالناس موفَّق ومحروم, ورب إنسان على الخير يُعان, وآخر يُوكَلُ لنفسه فَيُحرم.

في استقباله اعزم على العمل والتغيير, فكم رمضانٍ مرَّ بك, مضت بطاعاتها وسيئاتها, وانقضت بلذاتها ومشاقها, وربما لن تدرك غير شهرك, وذاك يحدوك لأن تجعل رمضانك مختلفاً؛ مختلفاً في مسابقتك للخير في تعدد أبوابه.

في استقبال الشهر لا تنسَ الاحتساب في كل أمورك, فيما تحضره لبيتك من طعام وشراب, في صحوك ونومك, وفيما تعمله من أمورٍ تستعد بها لرمضان, ولا تنس في غمرة المطالب أن تسدّ جوعة أسرة يريدون أن يتهيئوا لرمضان.

في استقبال الشهر تذكر من حِيل بينه وبين التمتع برمضان مع أهله, من أسارى المسلمين, ومَن وراءهم من الأسر والمتضررين, ولا تنسهم من دعائك أن يفرج الله عنهم, ويكشف ما أصابهم.

في استقبال الشهر أيها المبارك ليكن لأولادك منك نصيب, كن عوناً لهم على الاستفادة من رمضان, لا يذهب عليهم رمضان بين القنوات والإلكترونيات, لا يسرق منهم لذتَه دهاقنة الإعلام والمسلسلات, أحيي في نفوسهم وبينهم التنافس على الخير والحسنات, وحفِّزهم على الطاعات, وكن لقلوبهم قريباً ولأفعالهم رقيباً, فرمضان مفترق طرق للأبناء, ربما هووا في بحور الغفلة, أو ترقّوا في سُلَّم التميز, والدورُ الأكبر يُنتظر منك, وأعيذك بالله من حال آباءٍ لا يدرون عن أبنائهم في رمضان في أي وادٍ هلكوا.

وجماع الأمر أنه على قدر الضيف في القلب يستقبل, فافرح به -رعاك الله-, ولا تنس استشعار أجره, وأن لك به فرحة تجدها يوم تلقى ربك ويوفيك أجر صومك.

رمضان يزورنا كل عام, ويترحل سريعاً كغيره من الشهور والأيام, يدخل ونحن ننتظره بشوق, وسرعان ما ينتصف ثم ينتهي, ثم نتحسر في ختمه كيف انقضى وما قدمنا فيه ما يروي الغليل, ويرضي الضمير.

لذا: وأنت على مشارفه ليكن عزمك أن تجعله هذه السنة مختلفاً, في أمرين اثنين:

أولهما: أن تجعل لك مسلمات لا تتنازل عنها في كل يوم, المحافظة على الفرائض فيه, من صلاة, وبر وقيام بالواجبات عليك, ثم لزوم مستحبات في كل يوم, صلاة التراويح, والصدقة، وهجر المعاصي، وغيرها.

وثانياً: العيش الحقيقي مع القرآن, القرب منه, تدبره, الإكثار من تلاوته, احفظ بعضه إن قدرت, تفهم معانيه, فلقد كان للقرآن في رمضان قدر في نفس المصطفى -عليه السلام-, وأما أنت يا حافظ القرآن فلا تضع في بالك أن تقرأه لتتقن محفوظك فحسب, فالإتقان خير, لكنه ليس المبتغى فحسب, ولذا: فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- في آخر سنوات حياته عارضه جبريل القرآن مرتين, لم يكن ذلك للضبط فحسب, بل للتدبر والتفهم.

أيها المصلي: تهيئة المساجد شرفٌ ينبغي أن تحرص عليه, وأن تزاحم عليه الإمام والمؤذن, كن باذلاً لأجل تهيئة بيوت الله وقتك, وجهدك, ومالك, ورأيك, فذاك الشرف, وبه تكسب أجر مَن صلى فاطمأن وخشع.

أيها المصلي: ليس بالضرورة أن يكون المسجد على وفق رغبتك, في وقت إقامته, أو درجة تكييفه, أو ما بين الإقامة والأذان, أو إنارته, فآراء الناس تتفاوت, والتوسط مطلب, فتخلص من الأثرة والأنا, ليجتمع لك قلبك في بيوت الله.

وبعدُ أيها الكرام: فها هو الشهر قد هبت نسماته, وسيقال يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر, فمحروم من حرم فيه الغفران, والعتق من النيران, ومسكين من أضاع الغنيمة بالغفلة والعصيان, وموفَّق من جعل من رمضان مركباً موصلاً إلى الجنان وإلى رضا المنان.

ــــــــــــــــــــــــــــ