صالح عبد الرحمن

الحمد لله الذي أنعم علينا بمواسم البر والإحسان، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وهو التواب الكريم المنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مَنَّ على عباده بدين الإسلام، وجعل من أركانه الصيام ليفوز الموفقون بتكفير الذنوب والآثام.

وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله سيد الأنام، أفضل من صلى وصام، وأتقى من تهجد وقام، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعهم بإحسان.

أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى فهذه مواسم التقوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18].

ملاك الأمر تقوى الله، فاجعل *** تقواه عدة لصلاح أمرك

وبادر نحو طاعته بعزم فما *** تدري متى يمضي بعمرك

عباد الله: ينتظر أهل الإسلام شهر الصيام بالفرح والاستبشار (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58]، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: 185].

شهر الصيام والذكر، وشهر الفتح والنصر، شهر العزة والكرامة، وشهر الجود وأنواع العبادة، فما سر فرح الصالحين بهذا الشهر؟ وما سبب استبشار المؤمنين بهذا الموسم حتى إن من أسلافنا الكرام من كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم إذا دخل سألوه الإعانة فيه على العمل الصالح؟!

والجواب على هذا أن المؤمن يغتبط بمواسم الخيرات؛ لأنها تقرِّبه إلى الرحمات، وتؤهله -بإذن الله- لدخول الجنات، تسبِّب له نزول السكينة وهدوء النفس وطمأنينة القلب ورضا الرب.

نعم أيها المسلمون: كيف لا يفرح عباد الله بشهر رمضان، وفيه ركن الصيام؛ الركن الرابع من أركان الإسلام، كيف لا يفرحون بشهر الصيام، وقد قال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- منوِّهًا بشأن الصوم: "كل عمل ابن آدم له يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله -عز وجل- إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

أي إن ثوابه لا ينحصر بعشر أمثاله، ولا بسبعمائة، بل لا يعلم تضعيف أجره إلا الله "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" (رواه البخاري ومسلم).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، من صامه إيمانًا بالله واعتقادًا أنه فرض، واحتسابًا أي طلبًا للثواب، ورغبةً فيه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه غُفر له ما تقدم من ذنبه.

كيف لا يفرح المؤمن بشهرٍ تُفتح فيه أبواب السماء، وأبواب الجنة والرحمة، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُغلّ فيه مردة الشياطين، قال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وصُفدت الشياطين" (خرجه البخاري ومسلم)، وفي رواية لمسلم "فتحت أبواب الرحمة" ما بين هذا وبينك أيها المسلم إلا غروب شمس هذا اليوم.

روى الإمام أحمد والنسائي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم"، فاستبقوا الخيرات.

كيف لا يستبشر المؤمنون بشهر تعمر فيه المساجد بالقيام ونهاره بالصيام، وأيامه بالجود وتفطير الصوام.

لِمَ لا يرغب أهل الإيمان بشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه".

وعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي منعته الطعام والشراب، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه قال فيشفعان".

فما أحوجنا معاشر المسلمين! ما أحوجنا إلى أن نفرغ أنفسنا في هذا الشهر القادم المبارك إلى كتاب الله -عز وجل-! ما أحوجنا أن نفرغ أنفسنا لكتاب الله، وأن نسعى إلى الخيرات بشفاعة الصيام والقرآن في يوم عظيم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع فيه كل ذات حمل حملها.

يوم لا يجزى إلا بالحسنات والسيئات (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183].

أيام معدودات في الصيام تتجلى عند الصائمين قوة الإيمان وعزيمة التعبد، يدع الصائمون ما يشتهون ويصبرون على ما يرغبون فيقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة:24].

إنه تربية على تقوى الله التي هي شعار المؤمنين ولهم عند الله الثواب العظيم (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:55]، لعلكم تتقون.

في الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان انقيادهم لأوامر الله يهجرون رغبات نفوسهم ومشتهياتهم الحاضرة لموعد غيب لم يروه إنه قيادة للشهوات وليس انقيادًا لها.

في النفوس -أيها المسلمون- نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور دوافع غضب وانتقام، وفي الحياة تقلب في السراء والضراء، وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يدافع ذلك إلا بالصبر والمصابرة، ولا يتحمل العناء إلا بصدق المنهج وحسن المراقبة ودوام التقوى.

وهذه وتلك سر من أسرار الصيام لمن عقل ووعى (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:35].

للشهر الكريم معاشر المسلمين دعوات تُرفَع إلى السماء، روى الإمام أحمد عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان، وللصائم عند فطره دعوة لا تُرَدّ".

وكيف لا يُسَرُّ المسلم ويفرح بالصيام وهو طريق إلى الري يوم يُساق المجرمون إلى جهنم وردًا، في يوم يعرق فيه الناس حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم؟! فما أشد حاجتهم إلى شراب يروي ظمأهم فهنا يسعد الصائمون بذلك.

قال -صلى الله عليه وسلم- "للصائمين باب في الجنة يقال له الريان لا يدخل أحد منه غيرهم، فإذا دخل آخرهم أُغلق، ومن دخل فيه شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد".

فالله الله أيها المسلمون احفظوا صيامكم من النظر المحرم والسماع المحرم، والكلام المحرم لتحوزوا على هذه الفضائل.

روى الإمام أحمد وابن ماجه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر" نعوذ بالله العظيم أن نكون من هؤلاء.

وفي صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

وروى ابن خزيمة وابن حبان والحاكم "ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابّك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم".

وفي الصحيحين: "الصيام جُنَّة فلا يرفث ولا يصخب"، وفي رواية "ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم".

احفظ صيامك -أيها الموفق-، واحذر أشد الحذر أن تفطر يومًا من رمضان بدون عذر شرعي من مرض أو سفر أو نحوهما، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما روى النسائي وابن حبان وابن خزيمة وقد رأى أقوامًا قد عُلقوا بعراقيبهم قد شُققت أشداقهم تسيل دمًا، قال فسأل عنهم فقيل: "هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم".

وتخففوا -أيها المسلمون- في هذا الشهر من كل ما يتعلق بالدنيا ومتابعة أحداثها، وفرغوا أنفسكم لذكر الله، وقراءة القرآن، ولزوم المساجد، وكل خير وعمل صالح.

استغلوا فرصة أيام هذا الشهر ولياليه، وتذكروا بأن هذا الشهر الكريم الذي هذه أول ليلة من لياليه أنها أيام سريعة الزوال فابتدروها تأسيًا بنبيكم -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يكثر فيه من العمل الصالح، قال الحسن -رحمه الله-: "إن الله جعل شهر رمضان وقتًا للمسابقة إلى الخيرات والمنافسة بالأعمال الصالحات فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا".

أيها المسلمون: إن من الأعمال الصالحة والجهاد المستمر في كل وقت، وخاصة في هذا الشهر، قيام رب الأسرة بتشجيع أهل بيته على العمل الصالح من تلاوة وصلاة وصدقة وبر وإحسان وحفظهم من أسباب الفساد والانحراف فإن الأهل والأولاد أمانة ومسئولية يُسأل عنها الوالدان يوم العرض على الله، قال الله -عز وجل-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب:72].

فلا تخونوا أمانتكم بل قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة، شجِّعوا أبناءكم على تلاوة القرآن، وحفظ الصيام، والمحافظة على الصلوات الخمس، احذروا من إهمالهم، عظِّموا في نفوسهم شأن الصلوات فلا صيام لمن تركها، ولا فلاح لمن أضاعها، ولا نجاة لمن أهملها، أيّ خير حصل عليه من نام عن فرائض الله التي أوجبها وفرضها في السماوات العلى على لسان رسوله المجتبى ليلة الإسراء.

كونوا أيها المسلمون عونًا لأهليكم وأولادكم في هذا الشهر على المحافظة على الصلاة والصيام، ولا يخدعنكم أهل الإعلام والترفيه وأجهزة التواصل عن اغتنام فرص هذا الشهر فما هي إلا أيام قلائل فلا تنشغلوا بغير القيام والقرآن فإنها فرصة العمر، ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون.

ــــــــــــــــــ