عبدالرزاق السيد

الحمد لله الذي جعل شهر رمضان سيد الشهور، ضاعف فيه الحسنات والأجور، أحمده وأشكره أنه غفور شكور، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أرجو بها الفوز بدار القرار والسرور وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أشرف آمر ومأمور صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم النشور.

اهمية رمضان للمسلمين :

أيها الناس: إن المتطلّع في واقع كثير من الناس، وَسْط أجواء المتغيرات المتكاثرة، والركام الهائل من المصائب والبلايا، والنوازل والرزايا، ليلحظ بوضوح أن كثيرًا من النفوس المسلمة توّاقة إلى تحصيل ما يُثبت قلوبها، وإلى النهل مما تطفئ به ظمأها، وتسقي به زرعها، وتجلو به صدأها، فهي أحوج ما تكون إلى احتضان ضيف كريم، يحمل في جنباته مادة النماء، فهي مشرئبّة لحلوله، يقطّعها التلهّف إلى أن تطرح همومها وكدَّها وكدحها عند أول عتبة من أعتابه، بعد أن أنهكت قواها حلقات أحداث مترادفة، بعضها يموج في بعض، حتى غلت مراجلها، واشتدّ لهب أَتُّونها، فما برحت تأكل الأخضر واليابس، تفجع القلوب، وتعكّر الصفو، وتصطفق وسط زوابعها العقول والأفهام، فلأجل هذا كله كان الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية والسعود الروحي، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، وإيقاظ الضمير، والتخلص من النزعات الذاتية، والملذات الآنية، في شهوات البطون والفروج، والعقول والأفئدة، والتي شرع الصيام لأجل تضييق مجاريها في النفوس، وكونه فرصة كل تائب، وعبرة كل آيب .

رمضان في القرآن :

وقد جاء ذكر رمضان و الصيام في القرآن في ايات صريحة يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأن فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، وفيه تنشيط لهذه الأمة، وأنه ينبغي لنا أن ننافس غيرنا من الأمم في تكميل الأعمال، وأن نتنافس فيما بيننا في المسارعة إلى صالح الخصال.

ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فهذه الحكمة العظمى من مشروعية الصيام، فالصيام يا عباد الله من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثالَ أمر الله واجتناب نهيه.

ولما ذَكر سبحانه أنه فَرض علينا الصيام أخبر أن أيامَ شهر الصيام معدودات، فهي قليلة في غاية السهولة. وتمر سريعا، فالواجب اليقظة باغتنامها بما يقرب إلى الله ثم سهَّل تسهيلا آخر، فقال: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ وذلك للمشقة في الغالب على المريض والمسافر، فرخص الله لهما، في الفطر. ولما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن أمرهما أن يقضياه في أيامٍ أُخَر إذا زال المرض، وانقضى السفر، وحصلت الراحة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: على الذين يتكلفونه ويشق عليهم مشقة غير محتملة كالشيخ الكبير فدية بأن يُطعِم عن كل يوم مسكينا.

ثم قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ أي: في هذا الشهر المبارك قد حصل لنا من الله الفضلَ العظيم، بإنزال القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالح الدين والدنيا، والذي فيه بيانٌ للحق أوضح بيان، وفيه الفرقان بين الحق والباطل؛ والهدى والضلال؛ وأهلِ السعادة وأهلِ الشقاوة. فحقيق بشهر هذا فضله؛ وهذا إحسان الله فيه؛ أن يكون موسما للعباد ليتنافسوا في الطاعات، ويسابقوا إلى الخيرات، ومن ذلك زيادة ارتباطهم بهذا القرآن العظيم تلاوة وتدبرا وعملا. ولما قرر سبحانه هذا الشهر؛ وبيّن فضيلته وحكمته تعالى في تخصيصه؛ أمر بصيامه أمرَ وجوب؛ فقال: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ وهذا فيه تأكيد وجوب صيام رمضان على القادر الصحيح الحاضر.

وأكّد سبحانه على بقاء الرخصة للمريض والمسافر، فقال: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله. وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله، سهَّله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه، أو تخفيفه.

ثم قال سبحانه: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وهذا أمر وتأكيد على صيام الشهر كلِّه لا بعضِه، وعلى شكر الله تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيلِهِ وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه؛ ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.

ثم قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾، سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعضُ أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريبٌ ربُّنا فنناجيه؛ أم بعيد فنناديه؟ فنـزل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ فالله تعالى الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، هو قريب أيضا من داعيه بالإجابة، فمن دعا ربه بقلب حاضر؛ ودعاء مشروع؛ ولم يَمنع مانع من إجابة الدعاء؛ كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، بالإيمان بالله والاستجابة له بالانقياد لأوامره ونواهيه، والتي هي طريق الإيمان والرشد، ولهذا قال في ختام الآية: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾.

كان في أول فرض الصيام يحرم على الصائم في الليل بعد أيّ نومٍ الأكلُ والشرب والجماع، فحصلت بذلك مشقةٌ، فخفف الله تعالى عنا، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكلَ والشربَ والجماع، سواء نام الصائم أو لم ينم، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].

كيف يستقبل رمضان :

ومن أراد أن يحسن استقبال هذا الشهر ويكون فيه من الفائزين فعليه:

أولا: بمحاسبة النفس, والتوبة الصادقة, والاستغفار الدائم:

إن شهر رمضان ينادي على كل المعتدين على أمن وحرمة الوطن والمواطنين, ينادي على كل المنفلتين والمنحرفين عن أخلاق المسلمين, ينادي على كل المفسدين الذين يهلكون الحرث والنسل, ينادي على من يحرقون الوطن وقوت المواطنين, ينادي على كل المذنبين والمخطئين, ينادي علينا و عليهم أجمعين أن هلموا إلى رب غفور رحيم, الذي يقبل توبة التائبين ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر 53).

جاء في الحديث (وَيُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ)(مسند أحمد)، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله عزوجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها) (رواه مسلم).

ثانيا: نستقبل رمضان استقبال المودع:

فكم من أناس كانوا معنا في شهر رمضان الماضي فأين هم الآن؟ إنهم الآن إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار. فماذا ننتظر؟ إن الواجب علينا الآن عدم التسويف أو ركوب بحر الأماني, أو الانشغال بما لا ينفع ولا يفيد, بعيدًا عن المهمة التي خلقنا الله تعالى من أجلها وهي العبادة.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر المسلمين بقوله الكريم: (صل صلاتك وأنت مودع). أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الجامع

وهكذا على المسلم أن يصوم رمضان وهو مودع, ويقوم رمضان وهو مودع, ويقوم بما يقوم به من عمل صالح وهو مودع فيخلص العمل, ويحسن في الأداء, ويجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ثالثا: نستقبل رمضان استقبال المتنافس على الخير, والمتسابق على العمل الصالح فشهر رمضان موسم للطاعات, وفيه تضاعف الحسنات, وترفع فيه الدرجات. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (فصلت: 8)

والعمل الصالح شرط لقبول التوبة, قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) (طه: 82).

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل, وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) أي في الإسراع والعموم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: رضي الله عنه: أنا. قال: (فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر رضي الله عنه أنا. قال: (فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر رضي الله عنه أنا. قال (فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: رضي الله عنه أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) (مسلم)

رابعا: نستقبل رمضان بإعمار المساجد:

قال تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: 18)

المساجد بيوت الله, وهي محاضن التربية, ومصانع الرجال, وجامعة العلماء, لذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببناء مسجده الشريف بعد هجرته المباركة إلى المدينة المنورة مباشرة لأداء هذه الرسالة العظيمة في الأمة المحمدية.

واقتداء بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ولبناء ونهضة وطننا ودولتنا, نوصي أنفسنا بلزوم الجماعات, والمحافظة على الصلوات, ولنتعهد من الآن صلاة الفجر, ونعود أنفسنا على أداء سنن الصلوات, ونتقرب إلى الله بكثرة السجدات, خاصة في الليل في وقت السحر, ونوصي أنفسنا ودعاتنا بترتيب دروس العلم, وحلقات القرآن, فهي رياض الجنة في الدنيا, علينا أن نرتع فيها, ونتزود منها بزاد الإيمان والتقوى.

روى الطبراني والبزار بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروْح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله: إلى الجنة).

خامسا: نستقبل رمضان بحفظ الجوارح عما حرم الله:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ وَتَحَفَّظَ مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ كَفَّرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ) (رواه أحمد والبيهقي بسند جيد)، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) (البخاري).

لَحَييه: بفتح اللام وسكون المهملة والتثنية هما العظمان في جانبي الفم, والمراد بما بينهما: اللسان. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه الجماعة إلا مسلما، وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) (رواه النسائي وابن ماجه والحاكم).

سادسا: نستقبل رمضان بإمساك اللسان عن المراء, والكذب, وإشاعة الشائعات:

فرمضان أوقاته غالية, فيه تضاعف الحسنات, فيجب استثمار الأوقات في العبادات, والأعمال الصالحات, وننتهي تماما عن المراء الذي يضيع الأوقات, ويهدر الطاقات, ويفتح منافذ الشيطان, ويجر الويلات, ويذهب الحسنات, ويكثر السيئات, ومن أجل ذلك كانت هديةُ خيرِ الأنامِ لمن ترك المراء, والكذب وإن كان في مزاح, وجاهد نفسه وتخلق بمحاسن الأخلاق عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) (رواه أبو داود). ربض الجنة: قيل أدناها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عزوجل: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ..) (البخاري)، جنة: أي مانع من المعاصي، الرفث: السخف وفاحش الكلام، الصخب: الصياح، لا يجهل: أي لا يسفه، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (إذا صمت فليصم سمعك ، وبصرك ، ولسانك ، عن الكذب ، والمحارم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواء) (شعب الإيمان للبيهقي).

نعمة ادراك رمضان:

أيّها المسلمون، إنَّ جمالَ المناسَبةِ وجلالَها وثيقُ الصّلَةِ بحسنِ استقبالها وكمالِ السّرور وغامِرِ السعادةِ بها، وإنَّ مِن أجمل المناسباتِ وأجلِّها في حياةِ المسلم مناسبةَ استقبال هذا الشهرِ المبارك رمضان الذي أكرَمَ الله الأمّةَ به وجعلَ صيامه وقيامَه واستباقَ الخيراتِ فيه ، أخبَر رسولنا   الصّحابة يومًا وقد حضر رمضان فقال: ((أتاكم رمضانُ شهر بركةٍ يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمَة، ويحطّ الخطيئة، ويستجيب الدّعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فأروا الله من أنفسكم خيرًا)) عزاه المنذري في الترغيب   إلى الطبراني من حديث عبادة رضي الله عنه وقال: "رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل"، وقال الهيثمي في المجمع رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن أبي قيس ولم أجد من ترجمته"، وذكره الألباني في ضعيف الترغيب وقال لهم وقد أظلّهم رمضان: ((أظلّكم شهركم هذا بمحلوفِ محمّد ، ما مرّ بالمؤمنين شهر خيرٌ لهم منه، ولا مرّ بالمنافقين شهرٌ شرّ لهم منه. إنّ الله يكتب أجرَه ونوافله قبل أن يُدخِله، ويكتب وزرَه وشقاءَه قبل أن يُدخِله، فالمؤمن يُعدّ فيه القوتَ من النفقة للتّقويّ على الطاعة، ويعدّ فيه المنافق تتبّعَ غفلاتِ النّاس وعوراتِهم، فهو غنمٌ للمؤمن يغتنِمه الفاجر)) خرجه أحمد   وابن خزيمة   والطبراني في الأوسط ، وأخبرهم عن هذا الشّهر بقولِه: ((أظلّكم شهرٌ عظيم مبارَك))، وأخبرهم أنّ فيه ليلةً هي خير مِن ألف شهر، وأنّ الله افترضَ صيامَه وسنّ نبيّكم قيامَه، وأنّ النافلةَ في هذا الشّهر تعدل فريضة، والفريضة تعدِل سبعين فريضةً فيما سواه، وأنّه شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه، وأنّ من فطّر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنوبه وعتقَ رقبتِه من النّار، وكان له من الأجر مثلُ أجر الصّائم من غير أن ينقصَ من أجر الصائم شيء، وأخبرهم أنّه شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقٌ من النّار، وأخبرهم أنّ مَن خفّف عن مملوكِه غفر الله له وأعتقه من النّار، وأنّ من سقى فيه صائمًا شربةَ ماءٍ سقاه الله من حوضِ نبيّه، وأخبرهم أنّ هذا الثّواب يُعطى لمن فطّر صائمًا على تمرة أو مذقةِ لبَن أو شربة مِاء، وأمرهم أن يستكثِروا فيه مِن أربَع خصال، فخصلتان يرضون بهما ربَّهم: شهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، وخصلتان لا غناءَ بهم عنهما: يسألون اللهَ الجنة ويستعيذون به من النار.

فيا أيّها المسلم، وقد اقتربتَ من رمضان فاحمَد الله على هذه النعمة، واشكره على هذا الفضل، ولا تستثقل الصّيام، ولا تسأم الصّيام، ولا تملّنّ مِن الصيام، بل احمد اللهَ على هذه النّعمة.ِ

سلفكم الصّالح كانوا يقولون: "اللهمّ سلِّمني لرمضان، اللهمّ سلّم لي رمضان، اللهمّ تسلَّم منّي رمضان متقبَّلاً"، يدعون الله نصفَ العام أن يبلِّغهم رمضان، فإذا صاموه دعَوا الله مثلَه أن يتقبّله منهم.

إنّه ميدان التّنافس في الخير وصالحِ العمل، فجِدّ أيّها المسلم، واجتهد في هذا الشّهر، وأحدث عملاً صالحًا، وتقرّب إلى الله بطاعته وما يرضيه.

أسأل الله أن يظلّه عليّ وعليكم وعلى جميع المسلمين بالأمن والإيمان والسّلامة والإسلام، وأن يرزقنا فيه الجدَّ والنّشاط، وأن يوفّقَنا فيه لصالح الأقوال والأعمال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ