فهد الحارثي

الحمد لله الواحد القهار، مقدر الأقدار، ومكور الليل على النهار، تبصرةً لأُولى القلوب والأبصار. أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفق من اختار من عباده فجعله من الأبرار، وبصر من أحبه للحقائق فزهد في هذه الدار، وشمر عن ساعد الجد طلباً للفوز بدار القرار.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ العزيزُ الغفار، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.

يا مَن يُجيب دُعا المُضطرَ في الظُلَمِ     يا كاشِفَ الضَرّ و البلوَى مَع السَقَمِ

قَد نامَ وفدُكَ حَولَ البَيتِ و انتَبَهُوا       وأنتَ يا حيُ يا قَيُومُ لَم تَنَمِ

أدعوكَ رَبي حَزيناً هائِماً قَلِقاٌ       فارحَم بُكائيَ عند البَيتِ و الحَرَمِ

إن كانَ عَفْوُكَ لا يُدْرِكُهُ ذُو سَرَفٍ   فمَن يَجُود على العَاصِينَ بِالكَرَمِ

وأشهد أن محمداً رسول الله ونبيه، وخليله وصفيه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فإنها وصية الله لنا ولمن كانوا قبلنا ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

أما بعد:

بدأ الحبيب يجهز نفسه للرحيل، وها هي أيامه ولياليه في انصرام وانقضى، راحلاً بما استودعناه من أعمال وآمال..

يا راحلاً وجميل الصبر يتبعهُ

هل من سبيل إلى لقياك يتفقُ

ما أنصفتك دموعي وهي داميةٌ

ولا وفى لك قلبي وهو يحترقُ

عباد الله:

ها هو شهر الخير يرتحل، وصفحاته تطوى، ولحظاته تسعى..

سينقضي رمضان وفي قلوب الصالحين لوعة، وفي نفوس الأبرار حرقة، وكيف لا يكون ذلك؛ وأبواب الجنان ستغلق، وأبواب النيران ستفتح، و مردة الجن ستطلق..

أي شهر قد تولى       يا عباد الله عنا

حق أن نبكي عليه     بدماء لو عقلنا

كيف لا نبكي لشهرٍ   مر بالغفلة عنا

ثم لا ندري بأنا       قد قُبلنا أم حرمنا

ليت شعري من هو المحـ ـروم والمرحوم منا

عباد الله إن الرحيلَ مرٌّ على الجميع، من اجتهد ومن قصر..

رحيلُه مُرٌّ على الجميع لأنَّنا سنفقد أيامه الطيبة، ولياليه المباركة، نهارُه صدقةٌ وصيام، وليلُه قراءةٌ وقيام، نسيمُه الذِّكر والدُّعاء، وطيبُه الدموعُ والبكاء..

شهرُ الرَّحمَات وتكفيرِ السِّيئاتِ وإقالةُ العَثَرَات، كيفَ لا والدعاءُ فيه مسموعٌ والضُرُّ مدفوعٌ والخيرُ مجموع؟!

حق لنا يا عباد الله أن نبكي على رحيلِهِ، ونحنُ لا نعلمُ أَمِنِ المقبولينَ نحنُ أم مِّن المطرودين؟!

كيفَ لا نبكي على رحيلِهِ ونحنُ لا ندري أيعودُ ونحنُ في الوجودِ أم في اللِّحود؟!

ترحَّلَ الشَّهرُ -وا لهفاهُ- وانصَرَمَا     واختُصَّ بالفوزِ في الجنَّاتِ من خَدَمَا

وأصبحَ الغَافِلُ المسكينُ منكسراً       مثلي! فيَا وَيحَهُ يا عُظمَ مَا حُرِمَا!

من فاتَهُ الزَّرعُ في وقتِ البَذَارِ فَمَا     تراهُ يحصُدُ إلاَّ الهمَّ والنَّدَمَا

طُوبى لِمَن كانتِ التَّقوى بضاعتَه     في شهرِهِ وبحبلِ اللهِ مُعتَصِمَا

ها هو ذا رمضان يمضي، وقد شهدت لياليه أنين المذنبين، وقصص التائبين، وعبرات الخاشعين، وأخبار المنقطعين. وشهدت أسحاره استغفار المستغفرين، وشهد نهاره صوم الصائمين وتلاوة القارئين، وكرم المنفقين. إنهم يرجون عفو الله، علموا أنه عفو كريم يحب العفو فسألوه أن يعفو عنهم.

وسترحل يا رمضان..

سترحل أيها الشهر الحبيب، لتسطّر حرقة دمعة، ونشيج بكاء، سترحل وتتركنا، وسترحل لياليكَ العطرة..

شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تُدفق،

قلوبهم من ألم الفراق تشقق،

عسى وقفة للوداع، تطفئ من نار الشوق ما أحرق،

عسى ساعةُ توبة وإقلاع، ترفو من الصيام ما تخرق،

عسى منقطع عن ركب المقبولين، يلحق،

عسى أسير الأوزار، يطلق، عسى من استوجب النار يعتق.

فيا شهر الصيام فدتك نفسي        تمهل بالرحيل والانتقال

فلا أدري إذا ما الحول ولى     وجئت بقابل في خير حال

أتلقاني مع الأحياء حيا           أم انك تلقني في اللحد بالي

أيا رمضان: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا رمضان لمحزنون ولا نقول إلا ما يرضي الرب.

سَلامٌ مِنَ الرَّحمنِ كُلَّ أَوَانِ         عَلَى خَيرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وَزَمَانِ

سَلامٌ عَلَى شَهْرِ الصِّيامِ فَإنَّهُ         أَمَانٌ مِنَ الرَّحمنِ أيُّ أَمَانِ

تَرَحَّلْتَ يَا شَهْرَ الصِّيَامِ بِصَومِنَا     وَقَد كُنتَ أَنوَارَاً بِكُلِّ مَكانِ

لَئِنْ فَنِيَتْ أَيَّامُكَ الزُّهْرُ بَغْتَةً       فَمَا الحُزْنُ مِن قَلْبِي عَلَيكَ بِفَانِ

عَلَيكَ سَلامُ اللهِ كُن شَاهِدَاً لَنَا       بِخَيرٍ رَعَاكَ اللهُ مِن رَمَضَانِ

يا طلاب الجنة: بقي على الشهر أيام أو بعض أيام؛ فاحرصوا على ما بقي يغفر لكم ما قد مضى، فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، ومن أراد الخاتمة المشرقة فليحرص على الجهود المحرقة؛ قال أبو الدرداء: (لو أن أحدكم أراد سفرا، أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه؟ قالوا: بلى. قال: سفر يوم القيامة أبعد، فخذوا ما يصلحكم؛ حجوا لعظائم الأمور. صوموا يوما شديد حره لحر يوم النشور. صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور. تصدقوا بالسر، ليوم عسير).

فالبدار البدار واستثمار ما بقي من نفحات هذا الشهر المبارك فاجتهدوا لأنفسكم وأعدوا لغدكم وازرعوا لتحصدوا غدا ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾ [الأعراف: 58] اللهم اختم لنا رمضان برضوانك والعتق من نيرانك.

اتَّقُوا اللهَ - تَعَالى- وَأَطِيعُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ، اِستَدرِكُوا بَقِيَّةَ شَهرِكُم بِكَثرَةِ الطَّاعَاتِ، وَاعمُرُوا سَاعَاتِهِ بِالذِّكرِ وَتِلاوَةِ الآيَاتِ، وَأَخرِجُوا الزَّكَاةَ وَأَكثِرُوا الصَّدَقَاتِ، وَتُوبُوا إِلى اللهِ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الزَّلاتِ؛ وَاعلَمُوا أَنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّ عَمَلَ المُؤمِنِ لا يَنقَضِي بِانقِضَاءِ رَمَضَانَ، بَل هُوَ مُستَمِرٌّ في كُلِّ وَقتٍ وَأَوَانٍ، قَالَ - تَعَالى -: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]، وَقَالَ عَن عِيسَى -عَلَيهِ السَّلامُ-: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حيا ﴾ [مريم: 31].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ لَكُم في خِتَامِ شَهرِكُم عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، تَعمَلُونَ بهَا شُكرًا لِرَبِّكُم، فَتَزدَادُونَ مِنهُ قُربًا، وَيَمنَحُكُم وُدًّا وَحُبًّا؛ مِن ذَلِكَ التَّكبِيرُ لَيلَةَ العِيدِ إِلى صَلاةِ العِيدِ، قَالَ -تَعَالى-: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

وَالتَّكبِيرُ شَعِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَسُنَّةٌ كَرِيمَةٌ، يَنبَغِي إِعلانُهُ إِذَا ثَبَتَ العِيدُ، وَرَفعُهُ في المَسَاجِدِ وَالأَسوَاقِ وَالبُيُوتِ، يَجهَرُ بِهِ الرِّجَالُ، وَتُسِرُّ بِهِ النِّسَاءُ؛ إِعلانًا لِلشَّعِيرَة،ِ وَشُكرًا لِلنِّعمَةِ.

وَمِمَّا شُرِعَ لَكُم في خِتَامِ الشَّهرِ زَكَاةُ الفِطرِ، وَهِيَ صَاعٌ مِن قُوتِكُم، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالذِّكرِ وَالأُنثَى وَالغَنيِّ وَالفَقِيرِ، شَرَعَهَا اللهُ -تَعَالى- تَكمِيلاً لِلصِّيَامِ، وَشُكرًا لَهُ عَلَى إِكمَالِ العِدَّةِ، وَطُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَمُوَاسَاةً لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَإِغنَاءً لَهُم عَن ذُلِّ الحَاجَةِ وَالسُّؤَالِ يَومَ العِيدِ، وَوَقتُ إِخرَاجِهَا مِن ثُبُوتِ خَبَرِ العِيدِ إِلى صَلاةِ العِيدِ، وَيَجُوزُ إِخرَاجُهَا قَبلَ العِيدِ بِيَومٍ أَو يَومَينِ، فَأَخرِجُوهَا مِن طَيِّبِ قُوتِكُم، وابذُلُوهَا طَيِّبَةً بها نُفُوسُكُم، فَإِنَّكُم ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92].

وَمِمَّا شُرِعَ لَكُم في خِتَامِ شَهرِكُم صَلاةُ العِيدِ، أَمَرَ بها رَسُولُ اللهِ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، بَلْ حَتَّى العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ وَالحُيَّضُ، أُمِرنَ بِشُهُودِهَا لِيَشهَدْنَ الخَيرَ وَدَعوَةَ المُسلِمِينَ.

فَهَنِيئًا لِمَنِ احتَسَبَ صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ، وَعَمَّرَ بِالطَّاعَاتِ لَيَالِيَهُ وَأَيَّامَهُ، وَتَابَ تَوبَةً نَصُوحًا يُكَفِّرُ اللهُ بها ذُنُوبَهُ وَآثَامَهُ، ذَاكَ - وَاللهِ! - هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ الفَرَحُ بِالعِيدِ، وَالسُّرُورُ بِلِبسِ الجَدِيدِ.

فَاللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقتَ إِلَيهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ.

اللهم أعد علينا رمضان أعوام عديدة وأزمنة مديدة ونحن والمسلمين في صحة وعافية.

اللهم اجبر كسر قلوبنا على فراق شهرنا..

الَّلهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا رَمَضَانَ، الَّلهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا رَمَضَانَ، الَّلهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا رَمَضَانَ، واعفُ عَنَّا مَا كَانَ فيهِ مِنَ تَقصِيرٍ وَغَفْلَةٍ. الَّلهُمَّ اجعلْنَا فِيهِ مِنَ الفَائِزِينَ، الَّلهُمَّ ارحَمْ ضَعْفَنَا وتَقْصِيرَنَا وَأَعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنَ عِبَادَتِكَ، لا حَوْلَ لَنَا وَلا قُوةَ لَنَا إلاَّ بِكَ فَلا تَكُلْنَا إِلى أَنفُسِنَا طَرْفَةَ عَينْ. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين...

اللهم يا كاشفَ كلَ ضرٍ وبلية، ويا عالمَ كلَ سرٍ وخفية، نسألُك فرجا قريبا للمسلمين، وصبرا جميلا للمستضعفين، الَّلهُمَّ ارحَمِ المُستَضْعَفينَ المُسلِمِينَ في كُلِّ مَكَان، الَّلهُمَّ كُنْ نَاصِرَاً لَهُمْ يَوْمَ تَخَلَّى عَنْهُمُ النَّاصِرُ، وكُنْ مُعِينَاً لَهُم يَومَ تَخَلَّى عَنْهُمُ المُعينُ، الَّلهم ارحمِ الأطفالَ اليَتَامى والنِّساءَ الثَّكَالَى، وذِي الشَّيبَةِ الكَبِير.

ـــــــــــــــــــــــــــــ