خالد فهمى

عن ابن عباس رضى الله عنهما قال :"فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ،من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ،ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" سنن أبى داود 2/263.

هذا حديث من أحاديث تفتح الباب أمام مبحث لم ينتبه إليه أحد من الدارسين يمكن أن يسمى باسم التربية اللغوية للصحابة ؛ ذلك أننا نملك يقينا يقود إلى تأثير جبار تركه لسان النبي صلى الله عليه وسلم في ألسنة الصحابة ،ولاسيما أولئك الذين أكثروا من صحبته في المنازل والمواقع والمراحل المختلفة ،كعائشة وابن عباس رضى الله عنهم.

والحديث يدخل إلى قضيته التشريعية متسلحا بعدد من التقنيات البلاغية كما يلى:

يستعمل الحديث جملة فعلية مثالية مكتملة العناصر النحوية ؛ فعلا(فرض)وفاعلا(رسول الله صلى الله عليه وسلم)ومفعولا به (زكاة الفطر)،وهذا التكوين المثالي من خصائص أحاديث الأحكام النحوية؛ ذلك أن الحرص على التشريع مانع من الحذف، لأن الحذف مفض إلى التقدير وتأويل، والأحكام تريد صراحة لا تلتبس على المكلفين.

والحديث في جملته الأولى حفى بالتعريف ، حيث جاء رسول الله ،وزكاة الفطر، معرفتين بالإضافة ،والمتضايفان كالكلمة الواحدة، وهو أمر مقصود من ورائه أيضا التعيين المفضي إلى الظهور وعدم اللبس.

ويطيل الحديث الجملة الفعلية بما يورده من مكملات :طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ،وهذه الإطالة عللت للفرض المأمور به ، وبينت الحكمة منه، بما يحفز على الالتزام بآدابها.

وتقديم طهرة للصائم ، يظهر حرص النبي صلى الله عليه وسلم على نجاة المسلم ابتداء ، بما يشرعه من مطهرات تغسله من بعض ما يمكن أن ينال من نقاء صومه ،وهو تقديم دال على شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته.

ثم يستعمل الحديث الوصل الناشئ من العطف بالواو، ليجعل الطهرة والطعمة هدفين متلازمين ،متحققين معا.

و” من” في “من اللغو والرفث” بيانية، والتعريف فى الاسمين للجنس والاستغراق وهو ما يعنى أن زكاة الفطر مطهرة من جنس ما يدخل تحت اللغو، وهو كل ما لا نفع من ورائه ،ومن الرفث وهو كالفحش من القول.

و الطهرة: كلمة واسعة المعنى تعنى الطعام، وعموم الرزق، الطهرة :مثلها، في السعة ،تعنى التطهير ،تعنى المطهر، وهو بعض دليل على كونه حاز جوامع الكلم.

و في الجزء الثاني من الحديث جملة معقدة ناشئة من استعمال الشرط، المتوافر الأركان،(من) اسمه (أداها) فعله و(فهي زكاة مقبولة) جملة جوابه ، ثم جملة شرط أخرى هي (من)+(أداها بعد الصلاة)+(فهي صدقة من الصدقات)

وهذا التفصيل مفهوم في ضوء أن الحديث يشرع ،ويبين حكما ، وعبادة والحديث حريص على علامات تأبيد الحكم، حيث جاءت جملة الجواب اسميتين من غير علامة زمنية ، والحديث حريص على طمأنة نفس المتصدق بها، بيان درجة الفعل ووزنه في ميزان الشرع ،وهو ما قام به استعمال النعت (مقبولة)، و( من الصدقات)،وهو ما يعنى أن الله سبحانه يثبت المتصدق بالطعمة ،إن وافقت الشرط، أو خالفته ،وهو ما يظهره دورانها بين الزكاة أو الصدقة.

والإطناب في هذا الجزء صنعه تزايد القيود فيه ، باستعمال التركيب الإضافي من الظرفين والمضافين إليهما(قبل +الصلاة)و(بعد الصلاة)ومن استعمال النعوت(مقبولة)و( من الصدقات )وهو أمر مقصود منه إيثار التفهيم الذى تتأسس عليه أحكام الشريعة في الغالب.

وقد جاء التعريف بالألف وللام في الصلاة في المرتين ،للعهد، أي الصلاة المعهودة المرتبطة بزكاة الفطر ،وهى صلاة عيد الفطر.

إن هذا الحديث نموذج لبناء النصوص القانونية أو الفقهية بما توافر فيها من :

-الخلوص إلى المراد بلغة واضحة ،لا غرابة في معجمها.

ومن تصميمها على النمط المثالي الذى يحرص على ذكر العناصر النحوية جميعا ،وعلى التفصيل ،والتعريف ،منعا لأى نوع من أنواع التقدير والتأويل الذى ربما يضر بالمكلفين صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ