كان نزول القرآن على سيد البشر محمد عليه السلام، المعجزة الكبرى التي تحدى بها العرب والعجم، ذلك أن القرآن الكريم باعتباره كلام رب ذي العزة، أوتي من البلاغة والبيان، ما عجز عن الإتيان بسورة مثله فصحاء العرب، سواء أوائل صدر الإسلام، عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته، أو بعد ذلك بقرون وأزمان، إلى زماننا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ودون أن ندخل في الأسباب التي جعلت من القرآن معجزة خالدة، الأمر الذي قتله بحثا علماء البلاغة وغيرهم، فإن الواقع الذي أكدته الأيام ومرور القرون والأزمان، أن القرآن بقي معجزة وبقي تحديه قائما، سواء في العصور الإسلامية الأولى، أو في هذه العصور التي نحياها الآن.

   والواقع أن المسلم يأخذه الاعتزاز والاطمئنان لهذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والواقع أنه نور نزل من السماء، لتستضيء به البشرية، وتسير على هديه وتعاليمه إن أرادت أن تسلك إلى النجاح سبيلا (تركت فيكم ما ان اتبعتموه لن تضلوا، كتاب الله) أو كما قال عليه السلام.

       لقد كان نزول القرآن على سيد الأنام ثورة ثقافية، ما عرف العالم مثلها، ثورة ثقافية جعلت أعدى أعداء الإسلام يتسللون في الليالي الظلماء لينصتوا لهذا الكلام الذي ليس بشعر ولا بنثر، ثم يرجعون يعضون بنان الندم، متعاقدين ومتحالفين على مقاومته والطعن فيه وعدم السماح بالإنصات إليه، ولكنهم يجدون أنفسهم مدفوعة مرات ومرات للتملي بالاستماع والإنصات إليه، رغم ما قاله زعيمهم وأفصح فصائحهم من أن هذا: (إلا سحر يؤثر أن هذا إلا قول البشر).

   لقد أنزل الله العظيم، القرآن الكريم ليكون لهذه الأمة الإسلامية نورا تهتدي به في ظلماتها، ولتسير على نهجه في سلوكها ومعاملاتها وجميع تصرفاتها، ولتبني على أساسه مجتمعها وأفرادها ودولتها، حتى يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا قرآنيا، يسير في نهجه حسب تعاليم القرآن، ويربي أفراده ومختلف طبقات أمته وفق ما أمر القرءان.

نزل القرءان الكريم على قلب سيد الأنام، والعالم يسير في بحر من الضلالات والأوهام، تأخذ الحيرة بتلابيب قادته، ويسير الهوى والشيطان كثيرا من زعمائه وقادته، اتخذ الكثير من هؤلاء أصناما يعبدونها من دون الله، واختلطت عليهم الأمور فصاروا يتقربون إلى اللات والعزى ومناة، يتلهون بعبادتها من دون الله، وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.

   ولكن العلي القدير، لا يرتضي لعباده أن يتخذوا لهم إلاها غيره (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) فكانت الآيات القرآنية تتلى وتتابع، داعية إلى عبادة الله والإيمان به وحده لا شريك له، حاثة العباد أن يرموا بعبادة الأصنام والأوثان، وأن يقبلوا بعبادتهم مخلصين للملك العلام.

   وهكذا كان المقصد الأول لتعاليم القرءان هو تطهير العقيدة من دنس الشرك، والإيمان بالله الواحد الأوحد إيمانا لا يشوبه أدنى شك، ولا يخالطه أدنى ريب ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما الهكم اله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه).

   وتوالت الآيات القرآنية تكر على الشرك والمشركين، وتدعو إلى الإيمان الذي يحيي القلوب، ويدفع بالمؤمنين إلى طريق الرشد والسعادة والاطمئنان، فأصبح المستمعون إليه يتأثرون لتوجيهاته، ويتخوفون من تقريعاته وإنذاراته، وهكذا لم تمض إلا بضع سنوات، حتى استطاع الرسول الأعظم، أن يلم حوله نخبة صادقة من المؤمنين الأولين الذين كانوا النواة الأولى لتأسيس المجتمع القرآني السليم، ذلك المجتمع الذي كان ضمن أفراده الخلفاء الراشدون، والصحابة المبشرون، والمؤمنون الصادقون، الذين امتلأت نفوسهم إيمانا ويقينا، فحملوا الأمانة التي عرضت عليهم بصدق ويقين، وأدوها بعزم وتصميم، وهكذا لم يمض على البعثة النبوية بضع عقود من السنين حتى كانت تعاليم الإسلام تضيء أنوارها مشارق الأرض ومغاربها، وأصبحت كلمة (الله أكبر) تشق الفضاء في عنان السماء، شرقا وغربا.

   وما كان ذلك إلا لأن الرعيل الأول من المؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فبلغوا رسالة القرءان، بعد أن كانوا من جنودها، وتخلقوا بأخلاق القرءان، لأنهم كانوا من حماته وصانوا المجتمع القرآني من كيد الكائدين، وزيغ الزائفين، واعتزوا بعقيدة القرءان لأنهم ءامنوا بأنها سبب عزهم وإخراجهم من الضلال إلى الهدى.

   لقد اعتبر المسلمون الأولون القرءان هو المشكاة التي يستضيئون بنورها، والهدي الذي يهتدون به للحياة القويمة (ان هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم) فتخلقوا بأخلاقه، وسنوا تشريعاتهم حسب تخطيطاته، وطبقوا تعاليمهم في مختلف شؤونهم، سواء منها السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية طبق إرشاداته فكان القرءان هو المنار الذي به يهتدون، وكانت حياتهم تسير وفق ما يدعو إليه، ووفق ما نزل من أجله.

   لم يكن سلفنا الصالح يعتبر القرءان نزل على محمد عليه الصلاة والسلام ليتبرك به المسلمون ويتلونه دون أن يعلموا على تطبيق ما تدعو إليه آياته من هدى، وما تحض عليه من طاعة، وما تأمر به من أعمال، تظهر في تصرفاتهم وسلوكهم، ولم يكونوا يعتبرون مرجعا آخر يجب الرجوع إليه والسير حسب المنهاج الذي دعا إليه غير هذا الكتاب العظيم الذي نزل به الرب الكريم.

   فكانت عبادتهم حسب تعاليم القرءان، وكانت معاملاتهم وتصرفاتهم مستمدة من هدي القرءان وكانت تلاوتهم للقرآن تضفي عليهم حلة خاصة تجعلهم يفكرون بأنهم إن لم يسيروا في سلوكهم على نهج القرءان، فإن تلك التلاوة لا تجديهم نفعا لأنهم لم يكونوا يريدون أن يكونوا مثل الحمر تحمل أسفارا، وإنما يريدون أن يكونوا من (المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون) كانوا يقرأون قول ربهم عزت قدرته (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فيعملون جميع الوسائل ليكونوا أعزة في هذه الحياة لأن الدين لا يعتز إلا يعزهم، كانوا يتلون قول الله تعالى (وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم).

   فكانوا يدخلون التشريعات القرآنية في مختلف مجالات حياتهم العملية. كانوا يقرأون قول ذي العزة والجلال: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فكانوا يتخذون من الأسباب والوسائل ما أصبحوا به أعزة في الأرض. كانوا ينصتون لقول ربهم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). فكانوا يشعرون أن رسالتهم تفرض عليهم أن يكونوا في طليعة الأمم الداعية إلى الخير والحق والهدى والعدالة بين الناس، لا يستمدون تعاليمهم من مذاهب مستحدثة، ولا يستوردون مبادئهم من شرق أو غرب، لأنهم هم الأمة الوسط الذين سيكونون شهداء على الناس، ويوضحون لهم تعاليمهم القرآنية التي بها من اليسر والمرونة ما جعلها صالحة في كل الأزمان والأمكنة، لأنها تعاليم خالدة خلود الحق الذي نزلت من عنده.

   كان المسلمون وكانوا.. ولا نحتاج أن نزيد في التعداد لأنهم كانوا يعيشون القرءان وللقرآن، ولا يتصورون أن يعيشوا بمعزل عن هذا الكتاب الذي كان سبب عزهم وخلودهم ولكن المسلمين اليوم يختلفون عن مسلمي الأمس، فلقد أصبح المسلمون اليوم غائبين عن قرآنهم، مبتعدين عن هدي تعاليمه، معتزين به ولكن بالكلام والادعاء، مفتخرين به ولكن بالأقوال دون الأفعال.

لقد أبعدوا القرءان عن تشريعاتهم رغم ادعائهم بأنها أسمى التشريعات، فصاروا يتحاكمون إلى أحكام وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، غير باحثين ولا متقيدين بالأسس التي نزلت من السماء، والتي راعت مصالح العباد في كل زمان ومكان.

   لقد أبعدوا القرءان عن أخلاقهم، فصارت لهم مقاييس خلقية جديدة لا تستمد أنوارها من القرءان، وإنما تتبع أخلاقا غريبة دخيلة تصادم في كثير من الأحوال، الأخلاق التي دعا إليها القرءان.

لقد نظموا حياتهم على أساس يختلف تمام الاختلاف عن الأسس التي خطها القرءان في الحياة، فأصبحوا يتبعون سنن غيرهم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا ضب لدخلوه معهم، كما تنبأ بذلك رسول الله عليه السلام.

   لقد اعتزت طائفة منهم بتعاليم ومذاهب أجنبية دخيلة ليست متوافقة مع تعاليم القرءان فحسب، ولكنها مصادمة لها ومحاربة لأسسها محاربة منكرة ومع ذلك يدعون أنهم ينتسبون للإسلام. لقد تسلطت الشهوة على أنفسهم فأصبحوا مستعمرين لأفكار أجنبية دخيلة، متأثرين بثقافة استعمارية حقودة، فتفرقت كلمتهم، وتعددت نزعاتهم، وكثر التطاحن بين صفوفهم والتنازع بين فئاتهم فضعفوا بعد قوة، وذلوا بعد عزة، وسلط عليهم شرارهم، قصار الخيار منهم يدعون فلا يستجاب لهم.

لقد كثر عددهم ولكنهم أصبحوا غثاء كغثاء السيل وتداعت عليهم الأمم من جميع الجهات، واتحدت عليهم الكلمة من جميع الأجناس، وتكالبت ضدهم صهيونية ماكرة، وصليبية حاقدة، وشيوعية كافرة، ورأسمالية مستعمرة، فما انتبهوا وما ارتدعوا، وما ارعووا وما رجعوا.

هاجمتهم الصهيونية في عقر دارهم، واستولت على أراضيهم وترابهم، وتجرأت على مقدساتهم وأماكن عبادتهم، وهم مع ذلك لازالوا تائهين حائرين، مبتعدين عن الطريق السوي الذي يرجعون به عزهم والذي كان سبب قوتهم وفرض سلطانهم. لقد نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

   لقد أعرضوا عن القرءان وجعلوه وراء ظهرهم منسيا فأصبحت معيشتهم ضنكا، وفرحهم حزنا، ووحدتهم تفرقة، وعزهم ذلا وما ذلك إلا لابتعادهم عن هدى القرءان، وعدم تمسكهم بتعاليم القرءان.

وبعد فإذا ما أراد المسلمون أن يبدلوا ذلهم عزا وانهزامهم نصرا، وبؤسهم سعادة، وتفرقتهم وحدة، وضعفهم قوة، فليرجعوا إلى القرءان منه يغترفون، وعلى هدى تعاليمه يسيرون، وليقفوا في وجه هذه الموجات المادية الطاغية، التي أتت على الأخضر واليابس في شعوبهم، وليجعلوا دائما أمامهم أن الله ما جعلهم خير أمة أخرجت للناس، إلا ليكونوا في طليعة الأمم التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وليبتعد رؤسائهم وزعماؤهم عن أنانيتهم وعبادة شهواتهم، وليعتقدوا أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنه سبحانه لا ينصر إلا من ينصره، ولا يؤيد غلا من يخدمه، وأن العاقبة للمتقين، وأن لا عدوان إلا على الظالمين.

(ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا)، (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار). صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــ

الوعي المغربية