فَطْر الله جلا وعلا بني الإنسان على التساؤل وحُب الاستكشاف فأتاح لهم أن يندفعوا دائمًا نحوَ معرفة المزيد، دون أن يجدوا أي حدود للتشبُّع أو الارتواء.

وهناك الكثير من الدواعي التي تفرض على الواحد منا أن يتعلم، ويقرأ، ويكتسب الخبرات مدي الحياة؛ منها:

1- أنَّ الذي يدعو الإنسان إلى مزيد من التعلم هو العلمُ نفسه، فكلما زادت المعرفة، اتسعت منطقة الجهل.

فالمثقفُ الذي يرغب في الحفاظ على قيمة ثقافته وكرامتها، مُطالَب بأن يعيد تكوينَ ثقافته على نحو مستمر ومتجدد، فجهلُنا ينبسط مع تقدم المعرفة، وهذا يمثل تحدِّيًا متزايدًا لكل قارئ.

2- لم يكن لدى الناس قديمًا إحساسٌ قوي بارتباط كسب الرزق بمدى ما يحصلونه من علم، لكن الوضع تغير اليوم، إذ تضاءلت المهنُ والوظائف التي يمكن للأميين ومحدودي الثقافة الاضطلاعُ بها.

3- إن ما نمتلكه اليوم من معارف وخبرات، لا يتمتع بقيمة مطلقة، وشيوع الأمية الأبجدية والحضارية، قد يجلب على أمة الإسلام مشكلات، فالإسلام بما أنه بنية حضارية راقية، لا يتجلى على نحو كامل إلا عبر تجربة معرفية وحضارية رائدة.

4- إن العقل البشري، يميل دائمًا إلى تكوين عادات، ورسم أطر لعمله، وهي مع مرور الوقت تشكل نوعًا من البرمجة له. وكلما كانت ثقافة الإنسان ضحلة، ضاقت مساحة تصوراته، وأصبح شديد المحلية في نماذجه ورؤاه.

5- التدفق الهائل للمعلومات، وتراكم منتجات البحث العلمي في اتساع مستمر، والنتيجة المباشرة لذلك: هي تقادم ما بحوزتنا من معارف ومعلومات، والعلاج لذلك: دوام الاطلاع والمتابعة، حتى لا يتدهور ما لدينا من معرفة.

القراءة ومصادر المعلومات الأخرى:

عصرنا عصر انفجار المعرفة؛ فالأعداد الهائلة من العلماء الذين يشتغلون بالبحث العلمي، والوسائل المتطورة في حفظ المعلومات ونقلها وبثها؛ جعلت الناس مغمورين بالأخبار والمعلومات التي ترد إليهم.

هذه الوضعية حملت الناس على طرح سؤال حول وظيفة القراءة والكتاب؛ والحقيقة أن لتلك الشكوى ما يُسوِّغها؛ ويكفي أن نعلم أن متوسط ما يُطبع من معظم الكتب في البلاد العربية، لا يتجاوز ثلاثة آلاف للكتاب الواحد.

إن وسائل الإعلام تقدم برامج على درجة عالية من الإتقان، مع معلومات قليلة قلما تتصل بالحاجة المعرفية الحقيقية للمتابع لها، بالإضافة إلى ما سببته من أضرار بالغة للشعور بالحاجة إلى التفكير، فمعدو برامجها قاموا بذلك نيابة عن المتلقِّين.

فمُشاهِد تلك الوسائل يتلقى مركبًا كاملا من البيانات والإحصاءات بأسلوب بارع، مما يدفع إلى الاستسلام لها، والانقياد إلى توجهاتها، وهذا كله مغاير لمتطلبات التطور العلمي والاجتماعي الحديث.

وهذا كله لا يجعلنا ننكر أن الدفق الإعلامي قد أوجد نوعًا من الاستنارة العامة، ورفع درجة الوعي لدى الناس.

وأعتقد أن الكتاب ما زال هو الوسيلة الأساسية للتثقيف الجيد، حيث نستطيع أن نمارس حريتنا كاملة في اختيار ما نحتاج إليه، ومع هذا فلست أميل إلى التقليل من شأن مصادر المعلومات الأخرى، فالمهم دائمًا أن تكون أهدافنا في التثقيف والارتقاء المعرفي واضحة.

من أجل القراءة:

إذا كانت القراءة أهم وسيلة لاكتساب المعرفة، وإذا كان اكتساب المعرفة أحد أهم شروط التقدم الحضاري، فإن علينا ألا نبخل بأي جهد يتطلبه توطينُ القراءة في حياتنا الشخصية، وفي حياة الأمة عامة.

وإليك أهمَّ ما أظن أن علينا أن نقوم به من أجل إشاعة ثقافة (اقرأ)، وذلك على النحو التالي:

1- الدافع:

زود البارئ جل وعلا الإنسان بعدد من القوى الفطرية (الغرائز) التي تدفعه إلى سلوك معين، وترسم له أهدافَه وغاياتِه، من أجل تحقيق توازنه الداخلي، وإعداده للتكيف مع البيئة الخارجية.

وهناك إلى جانب هذه حاجات ودوافع، يتوقف عليها تحسين نوعية الحياة والارتقاء بالإنسان وتوفير الهناء له، ولم يصادف الإنسان مشكلة في التعامل مع دوافعه الأساسية، لكن مشكلته في الاستجابة لدوافعه الثانوية، وهذا هو السبب الجوهري في انعدام الدافع نحو القراءة لدى كثير من المسلمين.

وحين يقطع المجتمع شوطًا في طريق الحضارة، فإنه يمارس على أفراده ضغوطًا من أجل الرفعة، وهذا ما نجده واضحًا في المجتمعات الإسلامية الأولى، حيث نظرت إلى العلم على أنه من أفضل القربات إلى الله تعالى، وهذا ما نجده اليوم في المجتمعات المتقدمة.

فالخطوة الأولى تكمن في إيجاد الدافع نحو القراءة، وسوف ننجح إذا أَولَيْناه ما يستحقه من الجدية والاهتمام.

2- تكوين عادة القراءة:

البدايات دائمًا شاقة، وأشق مراحل الطريق هي المرحلة الأولى، وكثير منا يجد صعوبة بالغة عند البدء في أي عمل، وذلك لأن نتائج جهده في البداية تكون ضعيفة.

البدايات التربوية الجيدة تبدأ دائمًا في المنزل، والآباء هم المربون الطبيعيون، ولذا كان اهتمامهم بالعلم عاملًا حاسمًا في تطور الموقف النفسي لأطفالهم تجاه قضية التعليم، فسردُ حكاية أو قراءة قصة مما يتمتعُ به الطفل، وينمي خيالَه المبدع، وسيكون لشراء الكتب المصورة، أو وجود مكتبة في المنزل أثرٌ كبيرٌ في توجيه الطفل نحو القراءة.

وتأتي بعد ذلك وظيفة المؤسسات التعليمية في رعاية ما بدأه الأهل في البيت، ولن يكون هذا إلا بتكليف الطلاب بالرجوع إلى المراجع والموسوعات وتلخيص الكتب، والمناقشات حول الكتب الجديدة.

إن قابليتنا للتعلم، تتحول بفضل ممارسة القراءة إلى براعة، كما أن التكرار والتمرين يجعل عادة القراءة نوعا من الاكتشاف وتنمية العقل، وفيه الكثير من المتعة واللذة.

3- توفير الكتاب:

لأن القراءة لا تتمتع بأي أهمية لدى السواد الأعظم من أبناء الأمة، فإننا نسمع شكوى مستمرة من غلاء الكتب، وعدم توفير المال المطلوب لشرائها.

وقضية كبرى كقضية القراءة، يحتاج تعميمُها إلى عدد من (الحلول المركبة) وليس إلى حل واحد، ومن تلك الحلول:

• إيجاد تنظيمات تُلزم الهيئاتِ والجهات المختلفة بإيجاد مكتبات مناسبة لتثقيف منسوبيها؛ مثل النوادي، والنقابات، ومجالس الأحياء، والبلديات.

• من المهم أن يكون هناك رابطةٌ لأصدقاء الكتاب، يكون همها العمل على توفير الكتاب، وتسهيل الوصول إليه، وذلك من خلال المعارض، وتنشيطِ سوق الكتاب المستعمل، وتأسيسِ صندوق لدعم بعض الكتب القيمة، لتوفيرها للناس.

• إيجاد نظام وطني لإعارة الكتاب وتبادله بين الهيئات والمؤسسات العلمية، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة، ومن أجل ذلك لا بد من تعزيز أداء الخدمات البريدية.

• قيام الجامعات والهيئات العلمية بتبسيط العلوم، عن طريق إصدار عدد من سلاسل (كتب الجيب) في التخصصات المختلفة، من أجل مساعدة الناس على التثقيف والاطلاع.

• إن تخصيص 2% من مصروف الأسرة، كافٍ لتأمين عدد من الكتب متوسطة الحجم شهريًّا.

4- توفير الوقت للقراءة:

إن أكثر من 80% ممن لا يقرؤون كتابًا في الشهر، يعتذرون بأنه ليس لديهم وقت للقراءة... أعذار كثيرة يبديها كثير من الناس، والإحساس بالزمن منتج حضاري، فالوقت هو المادة التي صُنعت منها الحياة، وسيكون لكل الذين يبذرون في إنفاقه أن يوجدوا الكثير والكثير من البراهين على حسن تعاملهم معه.

ولو أن واحدًا منا وضع سجلًا كاملًا، يوضح فيه كيفية قضائه لأوقاته لوجد أن نحوًا من 20% من نشاطاته لا يخدم أي هدف، ولا يعود عليه بالنفع، وإني واثق أن تنظيم هذا الجانب وحده من حياتنا، كفيل بأن يوفِّر لنا يوميًّا نصفَ ساعة على الأقل، يمكن أن نستفيد منها في القراءة.

إن المشكلة الأساسية للذين لا يقرؤون أنهم لا يملكون أية أهداف أو أولويات، وسيكون مفيدًا أن نحاول تغيير سلوكنا في التعامل مع الوقت، وهذا يحتاج إلى وقت، وعلينا أن نثابر ولا نيأس.

5- تهيئة جو القراءة:

إن هناك ارتباطًا وثيقًا بين إمكانية الفهم والاستيعاب وبين الأجواء والأوضاع التي تجري فيها القراءة، وهناك شروط عدة ينبغي توفيرها من أجل تهيئة الجو المناسب للقراءة؛ منها:

• يجب أن يكون مكان الدراسة منظمًا وجميلًا، يبعث على الارتياح والانشراح، وهذا يتوفر بوجود حجرة خاصة بالدارسة، ومن الملائم أن يستغرق القارئ الدقائق الأخيرة من الدراسة في ترتيب المكان والاستعداد للجلسة التالية.

• ينبغي أن تكون حجرة الدراسة صحيحة حسنة التهوية، جيدة الإضاءة، وينبغي أن تكون درجة الحرارة فيها بين 15 و21م، حتى يحتفظ القارئ بنشاطه.

• بعض الناس لا يهتم بهدوء المكان وانعزاله عن الناس، مما يفقدهم صفاء الذهن والقدرة على التركيز، لذا فإن مكان الدراسة ينبغي أن يكون بعيدًا عن الضوضاء داخل المنزل وخارجه.

• ينبغي أن يكون الكرسي مريحًا، وأن يكون مناسبًا لمكتب الدراسة، ويضع بجواره ما يحتاجه من مراجع وكتب، حتى لا يضيع الوقت في القيام والقعود.

• إن العبرة ليست بكثرة الكتب التي تُقرأ، وإنما بالإنتاجية والثمرة التي نقطفها، وهذا يوجب علينا أن نحرص على الاحتفاظ بدرجة من الحيوية والارتياح في أثناء القراءة، فالقراءة المثمرة تستحق منا التخطيط والتفكير والمثابرة والعناء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ