"الحياة مأساة لأولئك الذين يحيون بأحاسيسهم، ولكنها أشبه بالكوميديا للأشخاص المفكرين"، قد يبدو هذا الاقتباس لجان دي لا بروبير راديكاليًا بعض الشيء، فوفقًا لفرضيات علم النفس المعرفي، آراؤنا هي انعكاس لمشاعرنا.

وفي حين يعتقد قسط كبير من الناس أن مشاعرنا مستقلة عن أفكارنا وسابقة لها، فإن الحقيقة تكمن في كونها نتاج أفكارنا.

وهذا الأمر يكلف الإنسان مشقة كبيرة لأنه يجعله مسؤولًا عن جميع سلوكياته وتصرفاته، ولكنه في الوقت ذاته يحرره ويمنحه القدرة على اختيار أفكاره ووجهات نظره.

وعندما نعي مدى قدرتنا على اختيار أفكارنا وتوجيهها، سندرك حينها أننا نملك القدرة على التحكم في ظروف حياتنا، وتحسين عمليات اتخاذ القرار لدينا، وبالتالي سنعيش حياة أكثر إنتاجية عمومًا. يغدو الإنسان صاحب تفكير نقدي وعقلية قادرة على معالجة المشكلات حين يعتمد على العقل أكثر من العاطفة، ويمتلك القدرة على تقويم مجموعة واسعة من الأفكار ووجهات النظر، ويكون منفتحًا على جميع التفسيرات البديلة، وعلى استعداد لقبول أي نتائج جديدة.

كذلك، يكون صاحب التفكير النقدي مستعدًا لإعادة تقييم معلوماته، وقادرًا على تجنب الأحكام المتسرعة، ومبتعدًا عن جميع التحيّزات الشخصية، وجاهزًا للنظر في كل الاحتمالات المعقولة.

ولا يعني هذا الأمر بأي شكل من الأشكال أن نقلل من أهمية المشاعر التي نحس بها، وإنما هو مجرد وسيلة بسيطة تمكننا من الموازنة بينها وبين قدراتنا المعرفية.

خطوات التفكير النقدي وحل المشكلات:

على غرار المهارات الأخرى، تستغرق عملية تعلم التفكير النقدي أو حل المشكلة وقتًا طويلًا، ويحتاج إلى المثابرة والممارسة.

ولكن أولًا لا بد للإنسان من معرفة خطوات التفكير النقدي وكيفية تطبيقها.

1- تحديد المشكلة هو الخطوة الأولى على طريق التفكير النقدي؛ ففي بعض الأحيان، يبلغ المرء مرحلة معينة يخلُص فيها إلى نتيجة مفادها عدم وجود أي مشكلة، وإنما الأمر مجرد سوء فهم لا أكثر.

ولكن في حال وجود المشكلة لا بد حينها من تحديدها بدقة، والنظر في جميع النواحي الإيجابية والسلبية التي تنطوي عليها.

2- تحليل المشكلة وتأملها من زوايا مختلفة، فبمجرد تحديد المشكلة، وتحليلها عبر مجموعة مختلفة من وجهات النظر، سنعرف ما إذا كانت قابلة للحل أم لا، وهل نحن قادرون على معالجتها بمفردنا، أم نحتاج إلى مساعدة الآخرين.

وفي بعض الأحيان، نصل إلى قرار فوري بشأن المشكلة بمجرد تأملها من زوايا عديدة، وقد نكتشف في أحيان أخرى أننا كنا نمتلك وجهة نظر متحيزة، أو أفقًا ضيقًا في النظر إليها.

3- العصف الذهني والتوصل إلى حلول ممكنة. ففي هذه الخطوة، يتأمل المرء في عدة أفكار محتملة لحل المشكلة، وبعدها يدونها جميعًا كي يختار أفضلها فيما بعد.

وطبعًا كلما ازداد عدد الخيارات المتاحة، ازدادت فرصة المرء في بلوغ النتائج التي يطمح إليها.

4- اختيار الحل الأكثر ملاءمة لوضعنا وظروفنا، ففي حالات معينة، قد تستدعي الظروف التي نمر بها حلًا معينًا دون سواه.

ولذا لا بد من قضاء بعض الوقت في اختيار الحل المناسب، إذ لا يوجد حل سحري ملائم لجميع الظروف المحتملة.

5- التصرف هو الخطوة الخامسة والأخيرة على طريق التفكير النقدي. ففي هذه المرحلة، يسعى الإنسان إلى تنفيذ الحل الذي ارتآه، حتى لو كان ذلك ينطوي على قبول حالته الراهنة والمضي قدمًا في حياته.

وهكذا عوضًا عن النظر إلى المشاكل والتحديات التي تواجهنا بصفتها عقبات نعجز عن تجاوزها، بوسعنا دائمًا اعتبارها فرصًا لصقل تفكيرنا النقدي ومهارات حل المشاكل لدينا. تزداد ثقتنا بنفسنا وقدراتنا مع كل مشكلة نتمكن من التغلب عليها.

فالتفكير النقدي لا يساعدنا فقط في التعامل مع التحديات القادمة بمزيد من المهارة والإتقان، وإنما أيضًا يوسع مدارك تفكيرنا، ويمنحنا منظورًا مختلفًا لتأمل الأمور..

ــــــــــــــــــــــــ