عبدالحليم عويس

من قيمنا الحضارية - التي أسدَيْنا بها للإنسانية خدماتٍ كثيرةً - قيمةُ النظرة إلى العلم النافع على أنه عبادة، بل عبادة تَفضُل نوافل العبادات، وقد تفضل حلقاتِ الذِّكر؛ لأنها - أي العبادة العلمية - عبادةٌ بالعقل والفكر والقلب معًا.

وبينما كانت أديان أخرى وحضارات أخرى يتباهى أبناؤها بعدم إعمال العقل في فقه الكتب المقدسة وأمور الدين، كان علماؤنا يطبِّقون أوامر القرآن - فكرًا أو سلوكًا - فيقرؤون؛ تلبيةً لنداء: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، ويتعبَّدون بتحصيل العلوم؛ تحقيقًا لقول الله في القرآن الكريم: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].

ولهذا كانت النظرة إلى العلم النافع على أنه عبادة دافعًا كبيرًا لإبداع حضارة علمية إسلامية!

ومن هنا، تنوَّعتْ فروع الحركة العلمية في ظل الحضارة الإسلامية عبر القرون، كما تعدَّد أقطابها؛ فمن فقهاءَ على المذاهب الأربعة، إلى نُحَاةٍ، ولُغَويِّين، وعَرُوضِيين، ومحدِّثين، ومفسِّرين، ومُقْرِئين، ومُتكلِّمين، ورجالِ أدبٍ وبلاغة، ومؤرِّخين، وجغرافيين، وفَلَكِيين...، إلى غيرهم من العلماء والدعاة.

وكانت الجوامع هي المراكز العلمية الأولى بطبيعة الحال، وكان جزء من كل مسجد يخصَّص لطلب العلم وللتثقيف العام، ومن أهم الجوامع التي عُرِفت في مصر في ذلك العصر، جامع عمرو بن العاص الذي قام الولاة بإصلاحه أكثر من مرة، وكَثُرتْ فيه حلقات العلم، فزادت عن أربعين حلقة، وكان فيه زوايا يدرَّس فيها الفقه بمذاهبه المختلفة؛ منها: زاوية الإمام الشافعي، ومنها زاوية المَجْدِية (نسبة إلى مجد الدين البهنسي)، ومنها الزاوية الصاحبية (نسبة إلى الصاحب تاج الدين محمد)، وكان العلم (الجوامعي) من أكبر الأدلة على العبادة العلمية!

وقد انتشرت المدارس الفكرية والعلمية بكثرة في هذا العصر، وتنوَّعت بين مدارس شاملة، تدرس المذاهب الأربعة؛ مثل: المدرسة الصالحية، والمدرسة المنصورية، والقبة، ومدارس أخرى متخصصة في المذاهب، فللشافعية مدارسهم؛ مثل: المدرسة الناصرية، والمدرسة الصلاحية، وللمالكية مدارسهم؛ مثل: المدرسة القمحية، والصاحبية، وللحنفية مدارسهم؛ مثل: المدرسة السيوفية، والظاهرية، ولأهل الحديث والحنابلة مدارسهم؛ مثل: دار الحديث الكاملية، والمدرسة السلفية، ومدرسة الطب بالقاهرة، ومدرسة الطب بالإسكندرية، وهناك المدرسة الفائزية بأسيوط، وكانت إسنا وأسوان من المراكز الثقافية الكبرى بمصر، وكذلك الفيوم والمنيا وقوص.

وما كان بمصر من حركة ثقافية وتعلُّمية، كان مثله بالشام، ففي دمشق وُجِدت مدارس فقهية؛ مثل: المدرسة الصادرية، والمدرسة الغورية الكبرى، والمدرسة العزيزية، والمدرسة الأمينية، والمدرسة التقوية، والمدرسة العادلية الكبرى، والمدرسة الشامية البرانية، والمدرسة العذراوية، والمدرسة الشريفية، والمدرسة العمرية، كما وُجِدت مدارس للحديث؛ كـ: دار الحديث النورية، ودار الحديث الأشرفية، ومن مدارس القرآن التي وُجِدت: المدرسة الوجيهية، كما وجدت مدارس للطب؛ كـ: المدرسة الدخورية.

وكانت هناك مدارس شاملة بالقدس، وبحَمَاة، وبحرَّان، وبحِمْص، وبحَلَب، وببَعْلَبك، والرُّها، والمَعَرَّة، وغيرها من المدن والقرى.

وفي مدينة القدس - التي تمثِّل قطب الحضارة - انتشرتْ حركة علمية شاملة؛ ففي هذه المدينة المقدَّسة عُنِي عدد من العلماء بالرياضيات؛ ومنهم: شهاب الدين بن الهائم - شيخ المدرسة الصلاحية - وكان متقدمًا في الفرائض والحساب، والجبر والمقابلة، متفوقًا على أقرانه فيها، وقد انتهتْ إليه الرياسة فيها، ورحل إليه الناس للأخذ عنه، ومنهم تلميذه ابن شرف المقدسي، واشتغل علماء آخرون بالعلوم الرياضية في بيت المقدس، ومنهم: شرف الدين أبو عبدالله محمد الصفوي، وعلاء الدين أبو الحسن علي بن عثمان الحواري الخليلي المقدسي الشافعي، وأبو العباس المقدسي، وبرهان الدين بن أبي شريف، وغيرهم.

لقد نظرنا في حضارتنا الإسلامية لكل العلوم بمقياس (العلم النافع)، الذي يقود إلى العمل الصالح وتعمير الحياة باسم الله وفي سبيل الله، وليس لمجرد المجد الدنيوي، واستغلال الآخرين بالقوة العلمية كما تفعل الحضارات المعاصرة.

وتلك قيمة أخلاقية كبيرة، قدَّمناها للإنسانية، ويجب أن نعمل على استئنافها وتوجيه الإنسانية إليها؛ خروجًا من مستنقعِ استخدام العلم في تحقيق القوة لقهر الآخرين، وتخريب الحياة!

ـــــــــــــــــــ