محمد البيومي

إن من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة أن جعل مواسم الطاعة بالنسبة لها في كل دقة من دقات القلب، وفى كل لحظة من لحظات الحياة. ولعل ذلك يوضح لنا الفارق الجوهرى بين ما يمكن أن نطلق عليه العابد المطلق، والعابد المقيد؛ فالعابد المقيد هو إنسان اختزل دين الله تعالى في مجموعة من الشعائر تَوهم من خلالها أن هذا هو ما أمره الله تعالى به، ومن ثم لم يبرحها إلى غيرها ظناً منه أن هذا هو الدين، وتلك هي حدود الله. بينما نرى العابد المطلق وقد رأى أن دين الله وشريعته تتعلق بكل نبضة من نبضات القلب، وكل لحظة من لحظات الحياة، فهو يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالحالة التي هو عليها سواء تعلقت بأمور الدين أم بأمور الدنيا. فهو إنسان رأى أن لحظات الحياة تفقد معناها إذا خلت مما يقربه إلى الله.

إذا الإيمان ضـاع فلا أمـان   ولا دنيا لمن لم يحيـى دينا

ومن رضي الحياة بغـير دين   فقد رضي الهوان له سبيلا

وعلى هذا فإن العابد المطلق يرى أن مجرد استخدامه نعمة العقل التي ميزه الله تعالى بها عن سائر الكائنات في تحصيل أي منفعة شخصية أو غيره - هذا التفكير العقلي- هو في حد ذاته عبادة، بل إنه في حقيقته يمثل إحياء لفريضة غائبة وهى فريضة التفكر والتأمل، رائده في ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم الذي قام ذات يوم من نومه باكيا فعجبت السيدة عائشة رضوان الله عليها من بكائه وقالت له ما الذي يبكيك يا رسول الله ؟ فقال لها: يا عائشة لقد أنزلت علي آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، ثم قرأ قول الحق سبحانه: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران 190-191)، ومن ثم تكون بدايات العابد المطلق من استخدامه لعقله وإعماله في الكون والحياة تحصيلاً لمنافع الدين والدنيا، وبهذه الإعمال يكون الإحياء لفريضة وعبادة التفكر التي ميز الله بها الإنسان عن سائر الأجناس.

كذلك يظهر أثر العابد المطلق في التعامل مع البيئة ومظاهرها، فمن أجل العبادات والقربات إلى الله إحياء الأرض الميتة كما ورد في الأثر استثماراً وزراعة، وهذا مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية التي حثت الإنسان على التعامل بإيجابية مع أجزاء الكون والحياة، هذا التعامل الذي هو في صميمه وحقيقته عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل حتى ولو كان ذلك هو آخر ما يقوم به الإنسان من أعمال الدنيا ، فكما أشار النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة من نخل فاستطاع أن يغرسها فليغرسها».

ثم يمتد العابد المطلق بعبادته إلى أخيه الإنسان يبدأ ذلك ببسمة تعلو وجهه عند لقياه ومصافحته، فمن العبادة في الإسلام كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم «تبسمك في وجه أخيك صدقة». وما بينه من أمارات المعروف، وعلاماته حينما قال «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». هذا السمو الأخلاقي من العابد المطلق لا يقف به عند حد أخيه المسلم، وإنما يمتد بهذا الرقى ليشمل كافة البشر أجمعين وإن كانوا على غير دينه، لأنه قد تعلم من شمولية مفهوم العبادة في الإسلام أن البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم أخوة في الإنسانية جعلهم الله تعالى شعوباً وقبائل ليتم التعارف بينهم، ومن ثم فمن قتل نفس بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.

وها هو الفاروق عمر مع شدته يعلمنا أن من حسن العبادة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى الإحسان إلى الآخر ولو كان على غير دين الإسلام. فقد مر به رجل يهودي قد بلغ من الكبر عتيا وإذا به يمد يده للناس، فسأله الفاروق عمر عن حاله فقال له : أنا رجل من أهل الكتاب لا مال لى ولا رزق، فما كان من الفاروق عمر إلا أن قال : اعطوا هذا الرجل ولأمثاله من بيت المال راتباً، فلا خير فينا إن استخدمناه في أعمالنا في شبابه وتركناه في هرمه.

وهكذا يعلمنا الفاروق عمر أن من سمات العابد المطلق أن يتقرب إلى الله تعالى بالإحسان إلى الآخرين وإن كانوا على غير ملته.

إن كثيراً من الناس ينظرون إلى العديد من المعاملات على أنها عادات، بيد أنها في حق العابد المطلق هى صميم العبادة، فمثلاً ينزل الضيف بالمنزل فيظن رب المنزل أن بذل الكرم لذلك الضيف هو عادة اجتماعية - وحق له هذا الظن إذ العربي كريم بطبعه - بيد أنه إذا أبصر حقيقة العابد المطلق سيرى أن فرض العبادة حال حضور الضيف هو بذل الكرم لذلك الضيف، هكذا علمنا الإسلام حينما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الكريم قريب من الناس قريب من الله، والبخيل بعيد من الناس بعيد من الله.

ـــــــــــــــــــــ