الجنة غاية كل مسلم في هذه الحياة.. نصلي ونصوم، نزكي ونحج، ونفعل الخيرات نأتمر بما أمر الله به وننتهي عما نهى الله عنه، كل ذلك من أجل نيل رضى الله والفوز بالجنة، لذلك ما أكثر الآيات والأحاديث التي تذكر المسلم بغايته في هذه الدنيا؛ حتى لا يغفل عنها ويكون على ذكر دائم لها، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾ (البقرة)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)﴾ (الرعد)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)﴾ (محمد).

عن أبي موسى الأشعري قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من كذا، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" (المصدر: صحيح البخاري).

جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أسامة بن زيد رضي الله عنه يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: "ألا من مشمر للجنة، فإنه الجنة لا خطرَ لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبدٍ في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة في حلة عالية بهية"، قالوا نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها، قال: "قولوا إن شاء الله"، قال القوم إن شاء الله" (المحدث: المنذري- المصدر: الترغيب والترهيب).

أحوال الصحابة مع ذكر الجنة

إننا لو استشعرنا جيدًا معنى الجنة والنار كما كان يفعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لتغير كل شيءٍ في حياتنا تغيرًا شاملاً، وكاملاً، وتغيرت منظومة حياتنا بأكملها.

وها هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاب صغير في السن لا يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، وهو من أهل الصفّة. وتعالى معي لنطالع هذه القصة التي جاءت في صحيح مسلم وعند الإمام أحمد رحمهم الله جميعًا، يحكي ربيعة بن كعب الأسلمي عن نفسه فيقول:

كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَأَجْلِسَ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ. فَقَالَ لِي يَوْمًا لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي لَهُ، وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ: "سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ".. (هكذا يقول، وربيعة رضي الله عنه فقير جدًّا من أهل الصفّة، وفي أمسّ الحاجة إلى أي شيءٍ من الدنيا، فهو لا يجد بيتًا يأويه ولا يجد ما يتزوج به، بل لا يجد ما يأكله، أو يشربه، أو يلبسه، وهو في هذا الحال يجد من يقول له:

(سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ)، فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ. فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي، فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ زَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي، وَيَأْتِينِي، قَالَ: فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لآخِرَتِي، فَإِنَّهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَنْزِلِ الذي هُوَ بِهِ. قَالَ: فَجِئْتُ، فَقَالَ: "مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ؟" قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ، فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّار"، وفي رواية مسلم أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ: فَقَال: "مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ؟"

قَالَ: فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ الذي بَعَثَكِ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ: سَلْنِي أُعْطِكَ، وَكُنْتَ مِنْ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الذي أَنْتَ بِهِ، نَظَرْتُ فِي أَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَزَائِلَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لآخِرَتِي، قَالَ: فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ لِي: "إِنِّي فَاعِلٌ، فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ".

ويروي سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه في أحداث غزوة بدر كما في صحيح مسلم وعند الإمام أحمد يقول:... فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ".

أحبتي في الله.. كم مرة سمعنا ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾ (آل عمران)، لكن عمير بن الحمام الأنصاري- رضي الله عنه وأرضاه- سمع الكلمات، وتدبر فيها جيدًا، جنة عرضها السموات والأرض، هذا شيء ضخم جدًّا، شيء مهول، وكأنه رضي الله عنه يسمع هذا الكلام للمرة الأولى، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ". قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق في وجه عمير قَالَ: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا".

وهذا ما كان يعيش له عمير، وما كان يتمناه، وما كان يرجوه، وقد علم رضي الله عنه بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم له أنه من أهل الجنة، ولا يمنعه من دخولها إلا أن يموت ويفارق الدنيا.

فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ- أي الوعاء الذي يحمل فيه الزاد- فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ- لأن عشت دقيقة أو اثنين أو ثلاثة آكل فيها هذه التمرات فهذه حياة طويلة، إنه بالفعل كان يعيش في الجنة، ولم يكن رضي الله عنه ليتكلف هذا الأمر أو هذا الكلام، إنه بالفعل صادق في كل ما يقوله، وهو يعرف أنه بمجرد موته سيكون قبره روضة من رياض الجنة، ثم يكون النعيم الكبير، والدائم في جنة الخلد، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. ونال رضي الله عنه الأمنية التي كان يتمناها.

الجنة وبيعة العقبة الأولى

في مسند الإمام أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ؛ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِهِ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَأَرْجُلِنَا وَلا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، هذه ستة شروط، يشترطها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهم في بداية إسلامهم، فما هو الثمن إذن، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ".

أما بيعة العقبة الثانية، فكانت أصعب من الأولى، ففي مسند الإمام أحمد عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلامَ نُبَايِعُكَ؟ "قَالَ تُبَايِعُونِي..

أولاً: عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ.

(ربما يكون الإنسان متحمسًا للعمل، والدعوة في أثناء نشاطه، واندفاعه، لكن ينبغي السمع والطاعة أيضًا في حال ما إذا كان الإنسان أيضًا في حالة كسل وخمول، ربما يعود الإنسان من عمله مرهقًا، ومتعبًا، ومع هذا، ومن باب السمع والطاعة لله ورسوله ينبغي أن يصلي في المسجد جماعةً، ربما يكون عندك في بعض الأوقات حميّة للعطاء في سبيل الله، وفي أوقات أخرى ينتابك الفتور والكسل، وهذا ليس مبررًا لعدم الطاعة، فمن استطاع أن يسمع ويطيع في النشاط والكسل، كان جديرًا بحمل الراية، وعلى هذا ربّى النبي صلى الله عليه وسلم الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين)

ثانيًا: وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.

(الإنفاق حال اليسر لا بأس به، أما الإنفاق حال العسر، والحاجة، والفقر، فشيءٌ صعب، لكن النبي صلى الله عليهم وسلم اشترط ذلك عليهم أيضًا)

ثالثًا: وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.

رابعًا: وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا- وفي رواية: وعلى أن تقوموا- فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.

خامسًا: وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ".

فهذه هي الشروط الخمسة، فالإسلام يحتاج إلى من يريد أن يدفع لا إلى من يريد أن يأخذ، يحتاج إلى من يريد أن يأخذ أجره في الآخرة فقط، ولا يريد شيئًا من الدنيا.

بعد كل هذه الشروط والصعوبات الكبيرة، ما هو الأجر؟

وما هو المقابل لكل هذا؟

ما هو الثمن إذا صرفنا حياتنا لله؟

وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة فقط:

"وَلَكُمُ الْجَنَّةُ".

الشروط أكثر من أربعين كلمة، والثمن كلمة واحدة: الْجَنَّةُ.

- وهذا أبو ذر يختلف مع بلال ويحتد الخلاف حتى يبلغ بأن يسب أبو ذر بلال ولأن الجنة تملؤ عقولهم وقلوبهم فكانت المشكلات تحل بينهم بيسر وسهولة بالعفو والصفح فلا يبقى لها أثر في قلوبهم (وكان أبو ذر من أشد الناس تواضعًا، فكان يلبس ثوبًا كثوب خادمه، ويأكل مما يطعمه، فقيل له: يا أبا ذر، لو أخذت ثوبك والثوب الذي على عبدك وجعلتهما ثوبًا واحدًا لك، وكسوت عبدك ثوبًا آخر أقل منه جودة وقيمة، ما لامك أحد على ذلك، فأنت سيده، وهو عبد عندك، فقال أبو ذر: إني كنت ساببت (شتمت) بلالاً، وعيرته بأمه؛ فقلت له: يا ابن السوداء، فشكاني إلى رسول الله، فقال لي النبي: "يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، فوضعت رأسي على الأرض، وقلت لبلال: ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي، فقال لي بلال: إني سامحتك غفر الله لك، وقال: إخوانكم خولكم (عبيدكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (البخاري).

- ولتنظر أخي رحمك الله إلى البون الشاسع بيننا وبينهم حينما تنظر لحالنا حين الخلاف سواء في الرأي أو الخلاف على بعض الأمور الدنيوية!!!

-   روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لما طعن حرام بن ملحام رضي الله عنه وأرضاه يوم بئر معونة، وفي رواية حتى أنفذه بالرمح، أي أن الرمح اخترق الظهر وخرج من الصدر، لنتخيل هذا الموقف، ونعيشه جيدًا، هذا في عرف الناس مُنْتهي تمامًا، فقد كل شيء، ولكننا نجده يقول: الله أكبر، فزت ورب الكعبه).

-   لم يتأوه أو يتألم كما نفعل نحن حينما تخدش جلودنا ونصاب بإصابات بسيطة!!. ولعلى أذكر حادثة لأحد التلاميذ في مدرسة إسلامية يحرص المعلمين فيها على غرس القيم الإسلامية في نفوس التلاميذ وحدثت هذه الحادثة للتلميذ في الطريق العام وكسرت ساقه.

مما أبهر المارة أن التلميذ لم يتأوه أو يتألم ولكنه كان يردد بصوت عالٍ كلما اشتد عليه الألم (لا إله إلا الله) ولا يزيد على ذلك فأبكى الحضور من شدة التأثر!!!

- هذا صحابي آخر يمر على الفاكهة وقد أعدت للبيع ويشتهيها ولا يجد من المال ما يكفي ليشريها فيرفع يده مسلمًا عليها وعلى صاحبها قائلاً (السلام عليكم والموعد الجنة)، وحلت مشكلة ضيق ذات اليد ببساطة ويسر دون حدوث عقد نفسية أو يمتلئ قلبه حقد على المجتمع أو دون أن يشكو ربه أو يمد يده للناس وهو حينئذ يمتلك في نفسه غنى ورضا وقناعة لا يمتلكهم الكثير من أصحاب المليارات.

هذه بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالهم مع الجنة وهم لم يكونوا ملائكة بل بشر يأكلون ويشربون يخطئون ويصيبون ولكن حالهم كانوا يهتفون يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها إلى أن يقول أحدهم: أنا ما حسدت الكافرين وقد غدو في نعمة ومواكب وقصور بل محنتي أن لا أرى في أمتي عملاً تقدمه صداق الحور. فما حالنا نحن من الجنة!!!؟

حالنا مع الجنة

لا بد إذن، ولا بد لنا من وقفة نتساءل فيها:

لماذا لا نتفاعل مع الجنة كما كان يتفاعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟

نعم نحن نحب الجنة ونخاف من النار، ولكن هل تملأ قضية الجنة علينا حياتنا كما كانت تملأ على الصحابة حياتهم؟

وهل نعايشها المعايشة التي كان يعايشها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

- الناظر والمتأمل لحالنا يرى أن حجم الدنيا في قلوبنا أكبر بكثير من الجنة وهذا سبب لما نعاني من مشكلات عبادية وأخلاقية وسلوكية واجتماعية واقتصادية...

كم منا يحزن إذا فاتته صلاة الفجر التي هي أحد الفروض؟

كم تحزن إن وجدت صديقًا أو شابًا أو فتاة بعيدين عن الله، ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي ويتألم حين مرت به جنازة يهودي فقيل له إنه يهودي يا رسول الله فيقول صلى الله عليه وسلم "لقد فر مني إلى النار".

فما أحوجنا لأن نملأ قلوبنا بالجنة.

إذا البداية في المعرفة فماذا نعرف عن الجنة؟ ليسأل كل منا نفسه هذا السؤال ماذا تعرف عن أبواب الجنة عن طعامها وشرابه ولباسها وسوقها وبنائها وحصبائها ماذا تعرف عن سوق الجنة ماذا تعرف عن شجر الجنة ونخيلها وثمارها وفاكهتها وطيرها ماذا تعرف عن تزاور أهل الجنة وتسامرهم؟ ماذا تعرف عن حدائقه وعيونها وأنهارها وبيوتها وعيونها؟ ماذا تعرف عن الحور العين؟ وماذا تعرف عن أكبر نعمة يمن الله على أهل الجنة بها وهي رؤية وجه الله عز وجل؟

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعًا من أهلها بفضله وكرمه وجوده ونسأله تعالى أن يرزقنا الجنة وما يقربنا إليها من قول وعمل ونعوذ به من النار وما يقرب إليها من قول وعمل اللهم آمين.

ـــــــــــــــــــ