عمر أبو خليل

جاءني الرجل حزينا متأثرا حيث أن أولاده مصابون بمرض وراثي نادر جعله في حالة قلق مستمر على مستقبلهم ودائم التساؤل عن سبب إصابة أولاده بهذا المرض رغم أنه وزوجته ليسوا أقارب ولا يوجد تاريخ مرضي في عائلتهم ولماذا هذا الاختبار بالتحديد..

لماذا لم يكن في ثروته أو حتى في صحته هو شخصيا..

أما أن يكون الاختبار في أولاده فهو أمر صعب لأنه لا يستطيع أن يستمتع بأولاده مثل كل الآباء.

قلت له إن أسئلتك تنبع من أمر خطير وهو عدم فهمنا للحكمة من وراء ما يمر بنا من أحداث جسام.. أن عقولنا لا تستطيع أن تستوعب الإجابة بمعنى أننا نتساءل عن إجابة لا تدركها عقولنا.

استعجب الرجل وقال كيف ذلك.. قلت له حتى تفهم ما أقول تعالى نستعرض قصة موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف، إنها قصة رمزية رائعة تستوعب كل حياتنا لأن بها مفاتيح الإجابات على كل الأسئلة الصعبة التي نطرحها وتبدو بدون إجابة.

إن موسى في القصة يرمز إلى الإنسان بحيرته وعجزه وعلمه المحدود رغم ادعائه الرغبة في التعلم وقدرته على الصبر على ما لا يفهمه ويرمز الخضر في القصة إلى إرادة الله وحكمته التي لا تظهر للبشر إلا بعد مدة من وقوع الحدث.

إن الرجل الصالح يحذر موسى الإنسان من عدم صبره ويقول له: "وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا"..

يعني أنك أيها الإنسان لا تصبر على الحوادث لأنك لا تفهم حكمتها وإرادة الله فيها وقت حدوثها ولو صبرت ورضيت لظهرت لك الحكمة وفهمت مراد الله.

فيعلن موسى الإنسان أنه سيصبر حتى يتعلم ويفهم لتأتي المواقف الثلاثة معبرة عن كل اختبارات الحياة..

1- الاختبار الاول هو اختبار الخسارة المادية، لقد خرقت السفينة لتهلك أهلها لقد جئت شيئا إدا.. لقد خسرت التجارة.. لقد ضاعت الوظيفة.. لقد احترق البيت.. لقد فقدت الودائع.. كل الخيارات التي تبدو مهلكة.

2- والاختبار الثاني فقدان الولد.. فقدان الحبيب.. فقدان العزيز.. إنه الابن الذي يفقده أبواه.. إنه الأب الذي يفتقده أولاده.. إنه الزوج الذي يترك زوجته وأولاده.. إنه الموت الذي يبدو شرا.. إنه الحادث الأليم الذي يقبض أرواح من نحب.

3- ليكون الاختبار الثالث هو اختبار الخوف على المستقبل.. على الذرية بعد غيابنا.. على من يرعى من نرعاهم إذا اختفينا من المشهد..

لتجمع المشاهد الثلاثة فعلا كل ما يراه الإنسان سببا للخوف والقلق سواء فقدان ثروة أو عزيز أو مستقبل لتأتي إجابات وشروح الرجل الصالح لموسى كاشفة عن حكمة الله فيما اعتبرناه شرا أو تساءلنا عن سببه ولم نستوعبه في وقته لنفاجأ بالخير الذي لا نراه ولا نفهمه

* "أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ"

* "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ"

* "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ"

ليبدو الأمر يدعو للرضا والاطمئنان أكثر مما يدعو إلى السخط أو الغضب أو القلق، أن الله قد رفع الحجب عن إرادته في هذه المواقف الثلاثة ليطمئننا تماما أن حكمة الله وإرادته دائما خير وليس مطلوبا منا إلا أن نوقن بذلك لأنه مثلما لم يفهم موسى حكمة الله في وقت وقوع المواقف ولم يصبر حتى تتضح له فنحن أيضا إذا لم نستوعب الدرس من القصة فسنظل حائرين.

إنه اختبار العبودية الحقة لله وهو أن تطمئن لحكمة الله ومشيئته فنهتف كلما صعبت علينا الأسئلة "وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

فقال الرجل فهمت مقصودك وقد أهدأ قليلا بعد سماعي لكلامك ولكن ما أن تخلو بنفسي حتى تغلبني أحزاني ولا أرى أي قيمة لكل ما حولي ولا أرى إلا مشكلتي، فقلت له يبدو أننا سنحتاج إلى أن نعود إلى قصة الخلق الأول ربما نفهم أكثر ونرضى أفضل، قال كيف...وأي قصة خلق؟

قلت قصة خلق أدم وحواء ومكوثهما في الجنة.. الجنة التي نسعى إليها جميعا بعد أن نزلنا على الأرض والتي عاش فيها أدم وحواء وفيها كل النعيم فلا تعب ولا ملل ولا جوع ولا عطش ولكن كانت هناك شجرة واحدة محرمة.

ليكون الرمز معبرا عن حياة الإنسان المليئة بكل النعم والخيرات ولكن ينقصها شيء واحد يختلف من إنسان إلى إنسان فهناك من ينقصه المال وهناك من تنقصه الزوجة وهناك من ينقصه الأولاد وهكذا لا تكتمل الحياة كجزء من طبيعتها فيترك الإنسان كل ما في يده من نعم ولا يرى إلا ما ينقصه.. لا يرى إلا الشجرة المحرمة فيسعى إليها لأنه يتصور أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى يتصور أن سعادته ستكتمل إذا حصل على ما ينقصه فيسعى ليأكل منها فتضيع كل النعم ويخرج من الجنة.

كم من أناس سعوا إلى الثروة فلما حصلوها فقدوا راحة البال فقدوا جمال الحياة البسيطة والتي ربما افتدوها بكل ثروتهم ليحصلوا عليها ثانية ولكن هيهات هيهات،

ليكون التساؤل المطروح هل كرر الله قصة آدم وخروجه من الجنة سبع مرات في القران حتى يتنبه أبناء أدم فلا يفعلوا ما فعله أبوهم فيرضون بما قسمه الله لهم ولا تمتد أعينهم إلى القليل الذي ينقصهم أم أنها طبيعة في أبناء أ

دم لن تنفك عنهم فيظلون يلهثون ويتحسرون وراء ما ينقصهم ولا يرضون فلا يسعدون بما في أيديهم.

إنه الاختيار في التعامل حسب كل ما يرضى كل لنفسه فقد يفهم البعض الدرس وقد لا يفهمه البعض فيتعس نفسه،

إننا لا نرضى نفسيا فنتوتر ونقلق لأننا لا نستشرف حكمة الله فيما يقع لنا كما أننا لا نرضى بما في أيدينا ونسعى إلى ما ينقصنا.

إن الحياة عادلة لان خالقها هو العدل سبحانه وتعالى وإدراك ذلك والاطمئنان إليه أمر ارتبط بالإنسان حتى في الثقافات القديمة ففي أساطير اليونان برز هذا المعنى ووضح

ففي أحد الأساطير اشتكى أهل أثينا أحوالهم وتمنى كل واحد منهم أن تكون مصيبته في أمر أخر غير ما يعانيه وأنه سيكون أهون عليه وأكثر صبرا عليه وتحملا له، فطلبت الآلهة من أهل أثينا أن يطرحوا كل همومهم وآلامهم على جبل الأولمب ثم يعودون في اليوم التالي ليختار كل منهم ما يناسبه من ألم أو هم بدلا من همه الذي ثقل عليه وأعطوهم مهلة حتى غروب الشمس ليتم الاختيار.. لينطلق أهل أثينا بحثا عما يناسبهم ويرضيهم حتى قاربت الشمس على المغيبة أسرع كل واحد منهم ليختار همه الذي يعرفه لأنه الأقدر على احتماله.

إن الله لا يختبرنا بما لا نطيق ولا يختبرنا ليهلكنا بل يختبرنا لنزداد قوة ولترقى مرتبتنا عنده فندخل جنة الرضا في الدنيا فنكون أهلا لدخول جنته في الأخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ