سلطان عبد الله

في نظرة لعامة الناس نجد الإقبال على الخير بحمد الله تعالى , والازدياد في صفوف أهل الإسلام , والتوجه إلى شواطئ التائبين , والرغبة في نصرة الدين والتضحية من أجله , ومع كل هذا الخير الذي ملأ الأرض إلا إن هناك بعض الشرور التي تنتشر بين فينة وأخرى في ظل غياب بعض المصلحين عن واجب الإصلاح والبيان , وفي انشغال بعض الصالحين بأنفسهم وتهربهم عن مسؤولية الدفاع عن الدين .

لذلك أحببتُ شحذ الهمم بذكر فضائل الدعوة إلى الله وما للعاملين في مجال الإصلاح والبيان وتعليم الخير من الفوائد في الدنيا والآخرة , لعل النائم أن يستيقظ , ولعل العامل أن يزداد همةً ونشاطاً , سائلاً المولى أن يجعلنا ممن يحمل هم هذا الدين ويسعى إلى نشره في الآفاق على المنهج الصحيح .

الفضائل :

1. أنها مهمة الأنبياء والمرسلين , كما قال تعالى : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ))[الأنبياء:25].

قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى : فكل الرسل زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة.اهـ

قلت : ولاشك أن القيام بهذه المهمة فيها شرف الاتباع لهم والاقتداء بهم .

2. أنها سبب لرحمة الله تعالى , يقول الله تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّه )[التوبة:71]. فانظر كيف جعل الله الرحمة لأولئك الدعاة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , وانظر كيف بدأ الله بذكر الدعوة قبل ذكر الصلاة والزكاة مما يدل على أهميتها.

3. أن الدعوة سبب للفوز بخيرية الأمة كما قال تعالى (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))[آل عمران:110] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها , ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: (( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ))[المائدة:79]

أنها سبب للفلاح في الدنيا والآخرة , يقول الله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))[آل عمران:104] قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى : وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين . أهـ .

ومن لطيف ما قاله معالي الشيخ صالح آل الشيخ غفر الله له : قال العلماء : قدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأن الإيمان بالله قاصر على من آمن، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤمن وإيمانه تعدّى خيراً فنشر ما آمن به، ولذلك قدّم على سائر المؤمنين .

     أنها استجابة لنداء الرب تعالى , يقول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ )[الصف:14].

قال ابن عاشور رحمه الله تعالى : فهذا النصر المأمور به هنا نصر دِين الله الذي آمنوا به بأن يبثّوه ويَثْبُتوا على الأخذ به دون اكتراث بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهللِ الكتاب .

5. أنها سبب للثبات على الدين , يقول الله تعالى : ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )[محمد:7]. فليبشر كل من سار في قافلة الدعوة أن يمنحه الله الثبات على الدين وقوة التمسك بالدين جزاءً لجهوده وبرامجه الدعوية , وهذا شيء نراه في واقعنا للعلماء الكبار والدعاة الذين خدموا الدين , فهم أقوى الناس ثباتاً على مر الزمن , واقرأ في أخبار العلماء كأحمد بن حنبل الذي نصر الدين يوم فتنة خلق القرآن , فكانت الثمرة له أن ثبته الله على الدين ومنحه الصبر على فتنة السجن والجلد , وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي نصر الدين بمؤلفاته في الرد على كافة أصحاب الديانات والمذاهب الباطلة ونصر الدين بنشر العلم لعامة الناس في كافة المجالات , فكانت الثمرة له أن ثبته الله لما سجن وكان من أقوى الناس ثباتا في أشد المواطن , وصدق الله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ))[محمد:7].

6. - أن فيها تهذيب للنفوس وتزكيةٌ لها , كما قال تعالى في الحكمة من إرسال نبيه صلى الله عليه وسلم : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ... )[آل عمران:164] . إذن يجب أن نعلم أن من أعظم واجبات الدعاة تزكية النفوس وتربيتها على المعاني الإيمانية والتربوية التي جاءت في الشريعة الإسلامية .

7. - أنها أفضل الأعمال وأحسن الأقوال، قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا )[فصلت:33].

قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلاما وطريقة، وحالة { ممن دعا إلى الله } بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها، والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

8. – أن الدعوة سبب للنجاة من الخسران الذي ذكره الله تعالى في قوله : ( وَالْعَصْرِ -إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ- إلا الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )[العصر:2].

فتأمل لتجد أن الله نفى الخسران عمن قام بالإيمان والعمل الصالح وقام بنصح الناس وتواصى معهم على القيام بالحق والدعوة إليه , والصبر على ما يكون في طريقه .

9. – أن الدعوة تبقى للعبد بعد موته , كما قال صلى الله عليه وسلم : { من دل على هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه ) [ رواه مسلم 4831 ] ولك أن تتخيل لو أن عشرة انتفعوا بك من محاضرة ألقيتها أو شريط وزعته عليهم أو كتابا أهديتهم إياه , فكم هي الحسنات التي تنتشر لك بين هؤلاء وأقاربهم وغيرهم , وحينما يفجأك الموت تبقى لك هذه الحسنات لتأتيك وأنت في قبرك .

10. - أنها سبب لمحبة الله تعالى , كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أحب الناس إلى الله أنفعهم ) [صحيح الجامع 176].

ولاشك أن أعظم النفع للناس هو نفعهم في تصحيح معتقدهم ودينهم ورفع مستوى الإيمان لديهم وتزكية أخلاقهم وسلوكهم ومحاربة الباطل والشهوات التي تعترضهم.

   أن الدعوة نوعُ إحسان , والله يقول : (( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ))[البقرة:195].

وإذا كان نفع الناس بتوفير الطعام لديهم وأمور حياتهم فيه من الأجور مافيه , فكيف بإطعام قلوبهم وتغذية أرواحهم بزاد الإيمان الذي به حياتهم الحقيقية .

12. أنها سبب لثناء الرب عز وجل واستغفار الملائكة وسائر المخلوقات , كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله و ملائكته حتى النملة في جحرها و حتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ). [‏صحيح الجامع ‏ 1838 ‌).

قال العلماء : الصلاة من الله تعني ( الثناء ) ومن الملائكة وغيرهم من المخلوقات تعني ( الاستغفار ) , وما أعجب هذا الحديث لمن تأمله , أن تفوز بثناء الرب تعالى , واستغفار الملائكة الذين لايعلم عددهم إلا الله تعالى وتفوز أيضا باستغفار المخلوقات كبارها وصغارها , كل هذا بسبب أنك قمت ببرنامج دعوي وتعليمي لعباد الله , يا الله , ما أعظم هذه الفضائل , ولكن أين المتنافسون والباحثون عن المعالي ؟

13. أنها سبب للفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم القائل : ( نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره ) [صحيح الجامع 6763 ].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن .

14. أنها سبب لإنقاذ الناس من النار، قال صلى الله عليه وسلم : ( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش و هذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها و جعل يحجزهن و يغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي و مثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار : هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) . [ رواه مسلم : 4234 ). ‌

وانظر مثلاً: دعوة الجاليات كم أنقذت ناساً من النار ؟ ولعلك سمعت بجهود بعض الدعاة الذين تاب على أيديهم بعض الشباب الذين لم يكونوا يصلون سنوات عديدة , فكم كانت جهود الدعاة حماية من النار , ولكن أين من يتأمل؟.

15. أنها من أكبر أسباب زيادة الحسنات , كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) . [رواه مسلم 4830 . ].

16. أن الدعوة سبب لحفظ الشريعة وبقاءها , وهذا مما يحبه الله ويرضاه , ومما تواترت نصوص الشريعة بالدعوة إليه، ولذلك انظر للبلاد التي تغيب فيها معالم الدعوة , كيف تغيب فيها العقائد الصحيحة والعبادات الشرعية والسنن النبوية .

17. - أنها توقف تيار الفساد أو تقلل منه , لأن الحق قوي وفيه عوامل التأثير ولكن أين من يحمله للناس ؟ وكما أن هناك تيارات وجهود لأهل الفساد كالمنصرين وأصحاب الديانات الأخرى وغيرهم من المفسدين من أصحاب الشهوات الذين ينشرون الشهوات في القنوات والمواقع الإلكترونية والصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإفساد , فيجب أن يقوم الدعاة بالدعوة على كافة المستويات وفي جميع الأبواب المتاحة لإيقاف هذا المدّ الإفسادي المعلن في العالم بأسره .

18. – أن الدعوة تعبيدُ الخلق للخالق, وتقويةً لعلاقتهم به, وهذا من أحسن الأعمال وأشرفها , وهل كانت وظيفة الرسل إلا ذلك ؟ وهنيئا لمن كانت حياته في تحقيق المراد الرباني من خلق الخلق وإيجادهم .

19. – أن الدعوة نوع من الجهاد الذي يحبه الله ، قال معالي الشيخ صالح آل الشيخ غفر الله له : ولهذا في مكة قبل أن يشرع الجهاد بالسنان بالقتال، كان الجهاد جهاد دعوة وجهاد حجة وجهاد بيان، قال الله جل وعلا في سورة الفرقان (( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ))[الفرقان:52] قال ابن عباس رضي الله عنهما : جاهدهم به يعني بالقرآن وهو جهاد الحجة والبيان . أهـ

قلت : ولهذا فإن من الخطأ حصر الجهاد في السلاح فقط ، ولعل من جميل ما يستأنس به هنا ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى : وتبليغ سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس, وأما تبليغ السنن فلا يقوم بها إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم . أهـ

ونقول : كما أن للأمة أعداء في الخارج لابد من جهادهم بالسلاح , فهناك أعداء في الداخل يجب جهادهم بالدعوة والبيان والنصح والإنكار .

20. أنها سبب لانشراح الصدر؛ لأن الله كتب السعادة لكل من سعى في نفع الناس , وهذا شيء مجرب , ورأيناه ورآه غيرنا .

21. أنها سبب لحفظ الناس من عالم الانحراف, كالمخدرات, والسرقات, والشهوات؛ لأن الواقعون في هذه الأمور فقدوا معني إيمانية وبالتالي ينصرفون لما حرم الله , والقيام بواجب الدعوة يقوي الإيمان في قلوبهم ويكون سبباً لحفظهم من الانحراف.

22. أنها سبب لضبط الأمن وإشاعته، فانظر لأصحاب الفكر الضال , لو أنهم اهتدوا للمنهج الحق هل سيقومون بفعلهم ؟ بالطبع لا .

ولهذا أوصي كل من له ولاية على المسلمين ومن له قدم عند أصحاب القرار أن يساهم في فتح الباب لدعاة الحق لبيان المنهج الحق ليكون سبباً في حفظ عقول الناس من الأفكار المخالفة.

ومضة : من الناس من يحمل همّ الإسلام , ومن الناس من يحمل الإسلام همه .

ـــــــــــــــــــــــــــ