إن الله -تعالى- أقام هذا العالم على نظام محكم لا ينخرم، وأودع فيه قوانين بها حركته تنتظم، ومن رام أن يعيش في هذا العالم على غير هذا النظام ضاربًا الصفح عن تلك القوانين فإن معاشه لن ينصلح، وحياته سوف تفسد.

ومن هذه القوانين المودعة في الكون والإنسان، والتي تدخل في كل جزئية من جزئيات الحياة قانون السببية.

هذا القانون ينفي الصدفة عن خلق الكون والإنسان، ويدفع القول بالعبثية، ومن أكبر الأدلة على وجود الخالق -سبحانه وتعالى؛ فـ”قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجد قديم غني عما سواه؛ إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كـ: الحيوان والمعدن والنبات.

والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع.

وقد عُلِم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لابد له من موجد، كما قال -تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]، فإذا لم يكونوا خُلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم، تعين أن لهم خالقًا خلقهم”([1]).

وهذا يعني أن هذا القانون يجري على الخلق دون الخالق، فالصانع والمسبب لا تجري عليه قوانين المصنوعات ولا الأسباب.

وهذا القانون مطّرد في كل الأعمال الدنيوية منها والدينية؛ إذ نتوسل به للمعاش والمعاد؛ ففي تفسير قوله -تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: 60] يقول القرطبي: “وقد كان -تعالى- قادرًا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب، لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد، وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد”([2]).

قال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.

وقالت رابعة البصرية:

تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا … إنّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ([3]).

وعدم اطّراد القانون يعني وقوع المعجزة، التي هي خرق لنواميس الكون، والتي تقع على يد الأنبياء أثناء دعوة أقوامهم للإيمان بالله الواحد القدير.

فقد توقف قانون السببية مع إبراهيم -عليه السلام- فلم تقم النار بالإحراق.

وتوقف مع موسى -عليه السلام- فتحول الجماد إلى كائن حي.

وتوقف مع مريم -عليها السلام- فكانت تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

وتوقف مع عيسى -عليه السلام- فجاء من أم بلا أب.

وهذا القانون إذا انخرم بالمعجزة فإنما ذلك يكون في لحظات خاطفة، ولا يستمر، ويبقى أن الأصل هو استمرارية هذا القانون وحاكميته.

وقد مدح الله -تعالى- ذا القرنين فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 83-85]، “فأخبر أنه أعطاه من كل شيء سببًا يحصّل به: قوة الملك، وعلم السياسة، وحسن التدبير، والسلاح الْمُخْضِع للأمم، وكثرة الجنود، وتسهيل المواصلات، وجميع ما يحتاجه، ومع ذلك فقد عمل بالأسباب التي أعطيها، فما كل أحد يعطَى الأسباب النافعة، ولا كل من أُعطيها يتبعها ويعمل بها.

أما ذو القرنين فإنه تَمَّ له الأمران: أُعطي سببًا، فأتبع سببًا”([4]).

وقد أجرى الله -تعالى- قانون السببية على أنبيائه وصفوة خلقه؛ ليكونوا قدوة لأتباعهم ولسائر الخلائق من بعدهم.

فهذا نوح -عليه السلام- يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم لما حقّ عليهم العذاب أمره الله بصنع سفينة تحمله ومن معه.

وهذا موسى -عليه السلام- أسرع بالخروج ليلاً ببني إسرائيل لما علم أن فرعون وجنده سيحولون بينه وبين الخروج من أرض مصر.

وهذا نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- قد هاجر من مكة إلى المدينة، ولو شاء الله لنقله في لمح البصر كما فعل معه في رحلة الإسراء والمعراج، لكنه -سبحانه وتعالى- لم يفعل، وتركه يأخذ بالأسباب للهجرة، كل ذلك ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصطحب معه معية الله.

وقاتل -صلى الله عليه وسلم- قومه الذين كذّبوه وأخرجوه وحاربوه، وكذلك قاتل اليهود والرومان وبطونًا كثيرة من العرب، ولو شاء الله لأهلك أعداءه، لكنه -سبحانه- لم يفعل، بل قال في ذلك: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 4].

وقد أرسل السفراء والدعاة والرسائل إلى الأقوام المختلفة لدعوتهم إلى الإسلام. فحياته كلها -منذ نزل عليه الوحي وحتى وفاته- جهاد وعمل وبذل وعرق، أوذي في نفسه وعِرضه، وفقد أحبابه وأصحابه قتلاً وغدرًا وصلبًا. قد اتخذ العُدة في يوم بدر وجأر إلى الله بالدعاء طلبًا للنصر.

فقد تلازم الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله ودعائه وطلب المعونة منه -سبحانه، يقول ابن قيم الجوزية عن هذا التوازن: “يأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها، ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصّل له فلاحًا ولا توصّله إلى المقصود، فيجرد عزمه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدًا للتوكل واعتمادًا على الله وحده، وقد جمع النبي بين هذين الأصلين”([5]).

لكن الأمة لم تسر على هذا النهج النبوي. وقد هلك في قانون السببية صنفان: صنف مغالٍ فيه حتى وصل به الأمر إلى الإلحاد. وصنف فرّط فيه حتى تخلّف عن ركب الحضارة وبناء الإمبراطوريات.

يقول الشيخ محمد الغزالي: “يحزننى أن الفكر الديني عند العامة وأشباههم من أنصاف المتعلمين كاد يجن بالكرامات المادية، وأولع بإحصاء المئات منها لمعارف ونكرات حتى سقط قانون السببية أو كاد، وكان لذلك أوخم الآثار على الحضارة الإسلامية، بل إن ذلك أفسد القيم الخلقية عند الكثيرين”([6]).

ويقول -أيضًا: “هذه القوانين لابد أن تأخذ مكانها الصحيح من عقلنا، ولابد أن نحترمها.

للأسف وُجِد في الأمة الإسلامية خطأ قديم -ولا تزال بعض آثاره باقية إلى اليوم- وهو شيوع فلسفة الجبر، وهي فلسفة عطّلت قانون السببية تعطيلاً كاملاً.

لقد عطّلته في السنن الكونية، فتخلفنا في عمارة الأرض. وعطّلته في السنن النفسية، فسادنا التواكل وانطفاء الفاعلية. هذا من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية”([7]).

إن تركنا للأخذ بالأسباب جعلنا نظن أن:

الجنة ندخلها بلا عمل ، والرزق ينزل بلا سعي ، والنصر يأتي بلا استعداد.

ولو كان الله مبطلاً لقانون السببية لكان أولى الناس بإبطاله له هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم، لكنه -سبحانه- لم يفعل، ولم يجعل لسنته تبديلاً أو تحويلاً. والأمة لو أرادت أن تتناغم مع الكون عليها أن تفهم تلك القوانين، وألا تهملها، أو تفرّط فيها.

ـــــــــــــــــــ

([1]) مجموع فتاوى ابن تيمية، (3/9).

([2]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، (1/419).

([3]) الكشاف، (1/417) بتصرف.

([4]) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي، (1/260).

([5]) مدارج السالكين، (3/501).

([6]) دستور الوحدة الثقافية، ص(118).

([7]) كيف نتعامل مع القرآن، ص(51).