واقع الدعاة

حينما غفلت الكيانات السياسية التي تحكم أمة الإسلام عن واجبها في الدعوة إلى دين الله ، هيأ الله رجالاً من هذه الأمة حملوا على عواتقهم هذا الأمر وسعوا في إقامة هذا الواجب ، فأسسوا الجماعات والمؤسسات والجامعات والمراكز والروابط والجمعيات المختلفة والتي تساهم كلها في الدعوة إلى الله وفق اجتهاد القائمين عليها ، وكانت نتائج هذه الأعمال عظيمة فمن ذلك :

1- تواجد المصلحين في كل المجتمعات الإسلامية يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فبهم يدفع الله الهلاك عن المجتمع ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ هود : 117 ].

2- إقامة الحجة على الناس بوصول الدعوة إليهم.

3- وجدت البدائل الإسلامية في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.

4- توسعت المكتبة الإسلامية وملئت الساحة فكراً وعلماً وأدباً وفقهاً .

5- تعدد الجماعات كان سبباً في تنوع الاهتمامات ، مما أدى إلى ظهور معاني الدين وشموله ومعرفة الناس لجوانبه المختلفة.

6- فرض الإسلاميون إسلامهم في العالم فأصبح رقماً لا يمكن تجاوزه .

إلا أن هناك جوانب سلبية في واقع الدعاة ، وهي التي يجب أن نركز عليها في هذه الورقة من أجل تجاوزها ، ولعل من أهمها :

1- أزمة حوار وتفاهم بين الدعاة وظهور الاختلافات والنزعات بينهم مما يسهم في صرف الناس عن الدعوة.

2- محاولة البعض تحويل التنوع الإيجابي القائم بين الدعاة إلى تنوع تضاد وتناقض ، من خلال النقد اللاذع ورمي الاجتهادات الأخرى بأوصاف غير لائقة.

3- انشغال بعض الدعاة بتتبع أخطاء الآخرين من الدعاة في القضايا الاجتهادية ، وصب اهتمامه وجهده نحوها .

4- غياب النصيحة الشرعية بين الدعاة ، واستبدالها بالفضيحة.

5- فقدان التعاون في القضايا المتفق عليها وعدم التفهم الإعذار في القضايا الاجتهادية المختلف فيها.

6- التعصب المذموم للرأي والجماعة والشيخ .

7- قصور في فهم أحكام الدين ومقاصده وعجز عن إدراك الواقع عند البعض .

8- الهزيمة النفسية التي يعيشها البعض مما تجعله يتجاوز الثوابت ويساوم عليها.

9- الغلو في التعامل مع العصاة والمخالفين .

10- ضعف قدرات كثير من الدعاة في استخدام الوسائل الحديثة والتدرب على مهارات التأثير في الآخرين .

11- ابتعاد كثير من الدعاة الصادقين عن مصدر القرار وعن وسائل الإعلام مما يفتح فرصة لغيرهم أن يتصدر .

12- إيثار بعض العلماء الراحة والدعة عن العمل والحركة.

13- انشغال الكثير من الدعاة بلقمة العيش عن التفرغ للدعوة والإبداع في العمل من اجلها.

واقع المدعوين

يزيد عدد المسلمين في العالم الإسلامي عن مليار مسلم ، أغلبية هذا العدد يجهل كثيراً من أحكام دينه وخاصة العجم منهم وكذلك الذين يعيشون صراعاً مع الفقر والتنصير والاحتلال الأجنبي ، ويمكن تحديد أهم القضايا التي تصور لنا حال المدعوين - بالنسبة للمسلمين - في الأمور التالية :

1- غياب كثير من معالم الدين بفعل ثقافة الاستعمار التي لا زالت تحكم كثيراً من بلاد الإسلام ، كإخلاص التوحيد والحاكمية لله ، وكحرمة الربا والزنا ووجوب الحجاب.

2- ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر في قلوب كثير من المسلمين .

3- قصور فهم كثير من المسلمين للدين ، وحصر الدين في بعض العبادات وعزله عن حياتهم ومعاملاتهم اليومية .

4- لا زال بعض المسلمين يمارس أنواعاً من الشرك تناقض التوحيد .

5- التبعية العمياء لأخلاق الغرب وأساليب حياتهم وسيطرة ذلك على كثير من شباب المسلمين ونسائهم.

6- عدم وضوح معاني الولاء والبراء في واقع كثير من المسلمين .

وفي المقابل فإن عموم المسلمين اليوم في إقبال من الدين وليسوا في إدبار، فهناك إقبال واضح على العبادات ، وعلى تعلم الدين ، وفهم أحكامه ، والعمل من أجله ، وكلما وجد الداعية القدوة المؤثر ، الذي يستطيع أن يصل إلى الناس وإلى عقولهم وقلوبهم ويحسن الإلقاء واستخدام وسائل الدعوة المختلفة ؛ فإنه يجد استجابة طيبة ، وجمهوراً كبيراً من الناس يقبلون عليه .

وهكذا الحال بالنسبة لغير المسلمين ، فإن هناك إقبالاً واضحاً على الإسلام ، بعد أن سقطت وأفلست كل النظريات البشرية في إشباع حاجات الناس الروحية والنفسية ، حتى يكاد المتابع لذلك أن يقول : إن الدعوة الإسلامية اليوم لا تكاد تلبي كامل احتياجات الناس ولا تواكب إقبالهم على الدين ، فعلى سبيل المثال ، هناك توسع ملحوظ في بناء المساجد في أوربا ، ويعاني المسلمون هناك من قلة الدعم المادي وقلة الدعاة المتمكنين والمتفرغين.

موضوع الدعوة

الدعاة يعلمون أن موضوع دعوتهم هو الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً وسلوكاً ، وهم في دائرته يعملون ، إلا أن هناك بعض السلبيات في الواقع التطبيقي لموضوع الدعوة:

1- فهناك من يحصر الدعوة في جزئيات من الدين ، ويمتنع عن الأجزاء الأخرى ، وربما منع الناس أيضاً عن فهم الأجزاء الأخرى والعمل بها .

2- هناك ضعف في ترتيب بالأولويات ، واختيار الموضوع المناسب لحال الناس وواقعهم ، كالاهتمام الزائد مثلاً بالسنن والحث عليها واستفراغ الجهد في إقامتها في مجتمع يغلب عليه تضيع الفروض والواجبات والوقوع في الكبائر والمنكرات.

3- اختلال التوازن في اهتمامات الدعوة كانشغال الدعاة بقضايا سياسية تستفرغ جهودهم وإمكانياتهم وإهمال قضايا الإيمان والأخلاق .

4- تركيز بعض الدعاة في دعوتهم على جانب الوعيد والهلاك واليأس والإحباط وإهمال الوعد والأجر وبعث روح الأمل والتفاؤل .

5- إهمال المواضيع التي تظهر تقدم الإسلام في الاهتمام بها ، والتي تثبت عند الناس ربانية هذا الدين ، كالإعجاز العلمي في الأنفس والآفاق ، وكذلك المواضيع التي تهتم بالمرأة والشباب والطفل والصحة وحقوق اليتيم وحقوق الإنسان والحيوان ، التي يتغنى بها الغرب ويزايد بها وهم أبعد الناس عنها.

6- ومن المواضيع الهامة والتي جاءت في سلم بالأولويات في استبيان لمجموعة من الدعاة هي بالترتيب :

1- القرآن والتعامل الحي معه، وربطه بواقع الحياة.

2- الحوار وآدابه وآلياته .

3- الكليات والمجملات من الدين ،باعتبارها من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن إغفالها من جهة، كما أنها واضحة، يمكن أن يتم جمع كلمة المسلمين حولها .

4- التعامل مع المخالف، وضوابطه وأساليبه الشرعية.

5- العقيدة الصادقة (كمحرك للطاقة الفردية) .

الإمكانيات والاحتياجات

تحتاج الدعوة إلى إمكانيات هائلة حتى تحقق أهدافها وتقيم أنشطتها وتنوع وسائلها ، وتؤهل أفرادها ، وتكفل القائمين عليها ، ونحن في زمن التسابق على القدرات والإمكانيات ، والتكاليف في الإسلام مناطة بالقدرات .

وإذا أعطينا نظرة لواقع الدعوة في هذا المجال ، فإننا سنجد أن في الأمة قدرات وإمكانيات وثروات عظيمة ؛ ولكنها ـ للأسف الشديد ـ تذهب في غير صالح الدعوة ؛ بل نكاد نجزم بأن جزءاً كبيراً منها يصرف ضد الدعوة .

وسنجد في المقابل أن الأموال التي تبذل لصالح الدعوة إنما هي من الجهود الذاتية لأفراد الأمة ومؤسساتها الخيرية الطوعية ، وهي لا تفي بحاجات الدعوة الأساسية ، وهذا يفرض على الدعاة إعادة النظر في حسن استخراج ثروات الأمة ومواردها وأموالها وصرفها على الدعوة إلى الله ، والسعي الحثيث في إقناع القائمين على أموال الزكاة أن الدعوة إلى الله مصرف من مصارف الزكاة ، وأن من واجبات الدول الإسلامية أن تخصص جزءاً من ميزانيتها للدعوة إلى الله .

والدعوة في حاجة إلى موارد لتغطية حاجاتها الأساسية : فهي تحتاج مثلاً إلى قنوات فضائية، وإذاعات ، ودعاة متفرغين ، ودور للنشر والتوزيع وإلى غير ذلك من الأمور الأساسية التي تستطيع بها أن تواجه الشرك والانحراف والمعاصي .

المخططات والتآمرات ضد الدعوة

يقول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الفرقان:31] وسنة الله تعالى لا تتغير ، فلا بد أن يوجد في كل زمان من يواجه الدعوة ويعادي أهلها ، وهذا يوجب على الدعاة الانتباه والحذر وإعداد العدة لمواجهة كل المخططات والمؤامرات ومنها:

1- تشويه صورة الدعاة والصالحين ومحاولة إلصاق التهم بهم .

2- السعي لتجفيف منابع الدعوة والتضييق على مؤسساتها وأعمالها والقائمين عليها.

3- فرض الاتفاقات والقوانين التي تخالف الدين على بلاد المسلمين .

ويكمن أن نقول أن هناك خمس سياسات تفرض على واقع المسلمين وتحتاج من الدعاة أن يقفوا لمواجهتها ، وهي تتمثل في :

1- سياسة التجويع : وتتمثل في السياسات الاقتصادية التي تمارس على المسلمين ، ليصبح المجتمع المسلم عالة على غيره في غذائه ودوائه وحاجاته الأساسية ، وهذا يؤثر سلباً على الدعوة وانتشارها ، وإشغال الدعاة والمدعوين بلقمة العيش والصراع مع تكاليف الحياة ، والأعداء يمارسون ذلك وفق قاعدة ( جوع كلبك يتبعك).

2- سياسة التجهيل : تجهيل المسلمين بعلوم دينهم ودنياهم من خلال ضعف الاهتمام بالتعليم والمعلمين ، ليبقى الغرب دائماً هو مصدر العلم والحضارة ، وتبقى أمة الإسلام أمة متلقية ، وكلما كانت الأمة جاهلة كانت أكثر تبعية .

3- سياسة التفريق : الأمة الإسلامية الواحدة أصبحت اليوم أكثر من خمسين دولة في عصر التكتلات والتجمعات الدولية , وأمست الكيانات العربية والإسلامية ضعيفة وهزيلة لا تكاد تقوى على شيء ، رغم الأخطار التي تواجه الأمة وهويتها وسيادتها ، والعدو يعمل على تفريق الأمة بقاعدة ( فرق تسد) ، مع أن الله يقول : ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم ﴾ [ الأنفال: 46].

4- سياسة التغريب: يعمل الأعداء ليل نهار ، من خلال وسائلهم المختلفة على تغريب المسلمين في ثقافتهم وأخلاقهم وسلوكهم ، ومسخ الهوية لدى الشباب المسلم ، والضغط على الحكومات لتقليد الغرب وخاصة في قضايا الأسرة و المرأة والحريات الهابطة .

5- سياسة التخويف : ويستخدم العدو أسلوب تخويف المسلمين من خلال الاحتلال أو المقاطعة أو فرض العقوبات أو إلصاق التهم ، لتستجيب الدول لمطالبه ، وتخويف الناس من المواجهة والصدع بكلمة الحق ، والله يقول: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175 ] فلا بد للدعاة أن يعملوا لمواجهة هذه السياسات الخطيرة والتي قد قطع فيها العدو شوطاً طويلاً ومن الاقتراحات في هذا الباب :

أولاً: أن نواجه سياسة التجويع بالأمور التالية :

1- دعوة الناس إلى العمل والحركة والاعتماد على الذات وأدلة القرآن والسنة واضحة في ذلك.

2- إقامة الجمعيات الخيرية في كل مدينة التي تهتم بالمحتاجين وتدرب العاطلين وتكسبهم مهارات العمل .

ثانياً: أن نواجه سياسة التجهيل بما يلي :

1- تعليم الناس ما ينفعهم من خلال إقامة الدروس المسجدية والاهتمام بها ورعايتها.

2- بث روح التعلم في الأمة وفتح المعاهد والأربطة والجامعات ودعم القائمين عليها.

3- كفالة طلاب العلم وتسهيل دراستهم وتوفير المنح لهم ليتمكنوا من العلوم المختلفة فينفعوا أنفسهم وأمتهم .

ونواجه سياسة التفريق بـما يلي :

1- بيان أهمية الوحدة ووجوبها وخطر التفرق على أمتنا وديننا وتحريض الشعوب للمطالبة بها.

2- السعي لتوحيد العاملين للإسلام من خلال تأسيس النقطة الأولى وهو تشكيل مجلس للتنسيق والحوار .

3- قيام العلماء والدعاة في جميع بلدان العالم الإسلامي بدعوة الحكومات للوحدة الإسلامية والتدرج في تحقيقها .

ثالثاً: أن نواجه سياسة التغريب بـما يلي :

1- تعليم الناس مكامن الفساد والضلال في كل ما يأتينا من الغرب وكشف حقائقها وأضرارها .

2- غرس القناعات في عقول أبناء المسلمين وبناتهم بأهمية الأخلاق الفاضلة ودورها في تحقيق السعادة .

3- إيجاد البدائل السليمة والمباحة والتي تشبع رغبات الشباب في التسلية والترويح عن النفس .

رابعاً: أن نواجه سياسة التخويف بـما يلي :

1- تثبيت عقيدة الخوف من الله لا من البشر ، وأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله .

2- الوقوف الحازم مع كل مسلم توجه إليه أصابع الاتهام أو الحرب من قبل العدو ، ووجوب نصرته وحرمة خذلانه .

3- تشجيع الحكومات على التمسك بثوابتها وحماية سيادتها ، والاهتمام بشريحة الجيش وتربيته التربية الجهادية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ