عبدالمنعم العلي

أثقل الأعباء في الدعوة: أن يتولى الداعية القيادة، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما وبعض التابعين أن الإمامة كانت إحدى الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم عليه السلام والمشار إليها في قوله تعالى: (( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ))([1]).

وإن سيادة الأقوام –عند الشاعر- فاعلم: لها صعداء مطلعها طويل، كما أن السيادة والرياسة والعلي-عند آخر- أعباؤهن- كما علمت- ثقال.

فليست القيادة بالعمل البسيط أبدًا، وإنما هى تكليف لا تشريف، كما شاع هذا اللفظ بحق، خاصة إذا كان المكلف بها مستشعرا واجباته تمام الاستشعار، جيد التحسس لمسؤوليته أمام الله تعالى إن قصر أو ضيع الأمانة، عارفا بما ينتظره من حساب مضاعف إذا تصدى لما هو أليق بغيره، وتكلف الظهور دونما إتقان عمله، والكلام في هذا عن الراشدين رضي الله عنهم وغيرهم كثير.

إن القيادة لا تنفرد بشرف خاص، بل العمل الإسلامي كله شرف، إن كان الداعية في قمة المسؤولية أو كان تابعًا منفذا، والدعاة –كما شبههم الرافعي- هم في تجمعهم كحب القمح في السنبلة([2])، إذ كل السنبلة المنظومة خير، وكلها نفع، ولست بالمميز حباتها، بعد إذ تنتفع منها. وهكذا العمل الإسلامي: أهمية كل عضو فيه وأجره كأجر القائد، حتى يكاد أن لا يبقى للقائد من قيادته إلا حمله المرهق.

من هنا يكون القائد الحاذق البصير بمصلحة دنياه وآخرته ميالا إلى عدم التفرد، حريصا على إحاطة نفسه بأعوان كثيرون يوزع عليهم الجهد، ويعينونه في حمل الأمانة، وإلا فإنه إن تفرد، أو طلب الأعوان فلم يجدهم: وقع في العجز، وقارب أن يستحيل عليه الإصلاح وإبداء أثر كبير، وأصبح في ظرف كالذي مر به عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإن همته كانت عالية، لكنه كان قد ورث مشاكل كثيرة عن الخلفاء الذين سبقوه، وكانت الفتن قد استعرت، فتن الخوارج وغيرهم، مع هبوط في حمية الجهاد، شاع بسببه بين الناس الحرص على الأموال بجشع ونهم، فلم يستطع عمر أن يستدرك، لبقاء الثقل عليه وحده، حتى قال التابعي إياس بن معاوية بن قرة:

(ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة) ([3]).

إن ظاهرة عدم استمرار الإصلاح الذي أتى به عمر تعطينا موعظة كبيرة في التدليل على أهمية الأعوان، إذ لم يكن فقهاء المدينة الذين زاملهم، وأقرانه في التلمذة لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كثرة، وكأنهم أقل من أن يسدوا جميع الثغرات التي ثلمت صفاء المجتمع الإسلامي آنذاك، وقارب عمر أن ينفرد بحمل كل الثقل، ولهذا لم يستطع بلوغ ما بلغته أمانيه، وفي هذا دليل على أن العمل القيادي ما هو بعمل فردي، بل لا بد من قيادة جماعية تكفي حاجات العمل الواسعة، فكما أن النجار لا يستطيع أن يعمل دون مطرقة ومنشار ومسمار، فكذلك القائد لا يستطيع أن يقود بدون أعوان.

إن هذه القيادة قد يكون فيها من هو بارز، وأبرع من الآخرين، وله همة أبعد، أو له حماسة أشد حرارة، ويمهر في الابتكار والتخطيط، فيحتل مركز الصدارة تلقائيا، ويكون رأس الجماعة، ولكنه إن كان فردًا لا أعوان له فكأنه صاحب مهنة لا أداة له، ولك أن تتصور بطالة حداد لا سندان له ولا نار.

هكذا الدعوة أيضًا، لابد أن تفكر بتكوين جيل قيادي مناسب في سعته لطبيعة ضخامة العمل الذي تتعرض له، ومتكامل من ناحية الاختصاصات المتنوعة.

ومن هنا كان خطأ الحركات الإسلامية التي تربط مصيرها بمصير قائد واحد مهما كان فذا بارعًا، فإنه إن مات أو قتل أو حجب عن العمل لسبب ما فإن العمل سيضمر ويضعف لا محالة.

التفاعل مع الخطأ نصف التربية

ولكن هذه العملية في تكوين هذا الجيل تحتاج إلى صبر ووقت، وتحتاج إلى تفهم ونظرة واقعية وتضحية من جانبين:

جانب القائد نفسه: أن يشرك غيره في الأمور، لا يجمعها بيده، فبعض القادة يصلون إلى درجة الوسوسة في تنفيذ الأمور، فكما يبالغ المتوضئ في وضوئه: يبالغ القائد في التدقيق وطلب إتقان التنفيذ، فيرى الذين من حوله أقل مهارة منه، وأنه لو نفذ بنفسه، لازداد التنفيذ حسنا، فيحجر عليهم، يشعر بذلك أو لا يشعر، ويكون ملتقي طرق كثيرة، فتزدحم القضايا عليه، وتصبح الطرق الأخرى خالية ومجالا للنزهة، ولو أنه أوجد معاير وأنشأ جسورا ووزعها شبكة مرور منتشرة لما صار زحام، ولاعتاد الناس سلوك الطرق الأخرى وتدربوا عليها.

إذن هذا التوزيع حل حيوي من شأنه أن يكون طبقة قيادية متجانسة ذات تدريب وتجريب، مثلما هو تخفيف يمنع انفراد واحد أو قلائل بحمل ثقل العمل كله.

ومن جانب آخر، فإن هذه التضحية والنظرة الواقعية مطلوبة من الأعضاء أيضًا، ليكون القائد جريئا في تكليف غيره، وذلك بأن يعرف الأتباع ضرورة التجاوز عن المتدرب القيادي إذا أخطأ أو قصر، فإن مشاكل العمل ويوميات النشاط وعوامل التغير في المواقف تحتاج إلى اجتهاد متجدد لم يستتم له بعد، فهو في خطأ وصواب متناوبين يستمران مدة حتى يستقيم له الصواب ويطرد، ولا يكاد. كما أن نفسه لم يكمل ترويضها بعد، ولم ترتفع إلى درجة موازاة صفات التجرد الأعلى والتوكل الرفيع المفترض في القادة، ولم تنزل إلى أوطأ القناعة والذوبان الكامل في تيار الدعوة، فيلحقه بعض التقصير بين كل همتين وحميتين وجدين، وما لم يكن إخوانه من جنود الدعوة على نمط أوسط في تقدير جهوده، يرفضون الغلو في محاسبته كأنفتهم من التزلف له ومداهنته، فإن نفسه ستضحر،وسيحجم عن ممارسة قيادة فتح معها صدرة ليتلقي به بدلا عن إخوانه طعنات الأعداء، فإذا بظهره تملؤه نغزات المتزمتين من صحبة الدعاة.

إن المتدرب القيادي يكون جريئا مقداما في تصديه لارتقاء السلم القيادي، أو جبانًا، بحسب ما يكون من تقبل الأعضاء لخطئه أو إفراطهم في الغضب، إذ أن الطبيعة الإنسانية تدعوه للكف، ويجفل، وتعود مسألة تكوين الجيل القيادي صعبة لعدم وجود من يتصدى متطوعًا، ويكثر الجلوس على التل طلبا للسلامة من لسان الأقران، لا السلامة من أذى الأعداء.

إن الاعتدال، والتأول للمخطئ، والاستغفار له عند الكبوة:

أبواب عريضة لتكوين القادة، لكنها لا تعني بالتالي استطابة المتدرب للراحة والكسل، أو الغفلة عما في اللين السياسي والسلوكي من إلقاء الشيطان.

وهكذا، فإن هذين التنازلين المتكاملين، من القائد والأعضاء، هما ثمن هذه الأماني التي يحلم بها من يرهبه ضعف الطبقات القيادية وتعلقا لمستقبل والمصير بفذ رائد مبدع واحد.

يشفيك إن قال: وإن قلت: وعي

ولكن إن كلف القائد والأعضاء بدورهما في التمكين لإيجاد الصنف القيادي فإن التكليف يتجه إلى قدماء الدعاة من باب ثالث ليحسنوا دور التدرب، فإن القيادات المتعاقبة قد وضعت لهم مادة أصيلة من فقه الدعوة ونظريات متكاملة لسياسة الجماعة الخارجية وللشروط التنظيمية وطرائق التربية، وعليهم أن لا يكتفوا بترديدها فقط، بل يجعلونها مرتكزًا لمطالعة فقهية أوسع وأساسا لبناء آرائهم الاجتهادية التي يرجي لها أن تشارك في تطوير هذا الفقه وتصديق أو تخطئة هذه النظريات، فإن ما تختطه القيادات قد يصيب حقيقة الحاجة، أو يكون وهما لا يناسب الواقع، ويفترض في المتدرب أن يتشجع ويناقش، فإذا ثبت خطؤه فيما ذهب إلى كان ذلك له بابا لتعلم الصواب.

إن قرارات الدعوة يجب أن تصدر عن لجنة قيادية تطاع في كل الأحوال، ولكن التنظيم الناجح هو الذي يستطيع الإكثار من جلسات الحوار الملتزم برقة اللفظ بين أوسع مجموعة من أعضائه، فيتاح المجال لنمو العقليات القيادية التي تستطيع أن تدير جمهور الناس الواسع في فلك الدعوة، وكلما كان المتدرب متحليا بقدر أكبر من الأدب كلما كانت القيادات أكثر شجاعة على الثقة به وإشراكه في الحوار.

فإذا ثبت لك أن القيادة جيل ومجموعة، ليست فردًا: لم يعسر عليك إدراك ما يتم محاسنها، بجعلها خلاصة أجيال متعاقبة ليست جيلا واحدًا.

والأصل الذي نستند عليه في تبرير هذه السعة وإيجابها يكمن في مقدار استمرار الداعية على التحمل والمشاركة وبذل الجهد، وفي مدى احتمال تكرار فورة الهمة لديه، فإن للهمة ذروة بلغها في أول مرة قد لا يعود قادرًا على بلوغها ثانية، فيكون التباطؤ من بعد العنفوان الذي كان في سن الشباب، ويفتقد القديم فتوة الصبا، مع ما عنده من حكمة الشيوخ، ويغدو صاحب تجربة وعلم ولكن مشاركته اليومية تميل إلى الضعف، ولكل ظاهر شواذ.

من هذه الظاهرة نشتق وجوب تطعيم القيادة تطعيمًا تدريجيًا متكررًا بعناصر جديدة من شباب الدعاة الذين يمثلون أماني وتطلعات جيلهم.

وقد وجدنا لأبي مسلم الخراساني كلاما لطيفا في ما شاهده من طبائع الهمم، وهو قائد داهية، ومن الأفذاذ، وفي قمة الكفاية القيادية، مع ما فيه من سوء وفجور وشعوبية، فقد توجه له معجب به بعد خوضه معاركه الكثيرة التي أرسى بها دعائم الدولة العباسية فسأله:

(أي الناس وجدتهم أشجع؟)

وقد توقع أن يجيبه بأنه وجد بني فلان أشجع، أو فتيان مدينة كان له على أسوارها نزال، أو جنود معركة معينة، ولكن أبا مسلم قال:

(كل قوم في إقبال دولتهم شجعان).

وهو جواب مجرب ذكي حقا، ذكر فيه الشجاعة، لكنه أوما بها إلى جميع الصفات الإيجابية في الفرد، أنها تكون في أول إقدامه على اقتحام الأمر الذي عزم على خوضه أكثر توفرًا وأظهر، وكان للأديب الثقة أبي حيان التوحيدي استيعاب كامل لهذا الإيماء، وإحساس بميزة الجواب، فقال:

(وقد صدق، وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد، وأشجع وأمجد، وأسخي وأجود، وأخطب وأنطق، وأرأى وأصدق).

وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، وإلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان([4]).

فكل جيل من الدعاة، نشأ في ظروف سياسية وفكرية وتربوية متقاربة، ربما يكون مؤهلا لمعالجة عواقب تلك الظروف، أكثر مما يكون جيل من قادهم، ورباهم، إذا تعبوا. وألهتهم مشاغل الحياة، أو أرهقتهم مداراة البيوت والأولاد، وعلى القدماء أن يتيحوا طريقا لأصحاب الدم الفائر، ويبقون لهم أهل نصح ورواية تجربة ومشاورة، فإن استغلال جودة معدن الصاعد الممتلئ همة في تدريبه على العمليات القيادية خير من الحجر عليه.

وما نظن أن ذلك يعارض ما ندعو إليه دائما من وجوب ثبات الجهاز التنظيمي، وعدم تبدله، حفاظا على التجربة، ذلك لأننا لا نزيد هذا التطعيم بطفرة تعزل العناصر المجربة، ولا استبدالها بعملية انقلابية هي بالفتنة أشبه، ولكن بتدرج ومراعاة القواعد الموازنة بين المصالح.

إن المراقب لا يصعب عليه أن يلحظ تأثير طبائع الظروف في طبائع الدعاة الذين ينشأون في ظلها، فطبيعة مرحلة الدعوة وعلاقتها بالأحزاب، وطبيعة المواقف من الحكومات القائمة، تترك آثارها ولابد على الشباب الدعاة وتجعلهم أكثر تفاعلا معها من تفاعل الكبار، وقد يكون جيل الكبار أجزل فضلا وأوسع علما، لكنهم ربما كانوا أقل تحسسا للمشاكل المصاحبة للظروف المستجدة لأن هذا التحسس يكون نتاج الصلة الكثيفة بالناس، وبأعضاء الأحزاب الأخرى، ووليد التفاعلات اليومية مع حيثيات السياسة والنشريات الصحيفة أكثر مما يكون وليد التأمل، وصلة الشباب وتفاعلهم أكثف ولا شك، وانعكاسات المشاكل هي في نفوسهم أوضح.

إن أفراد الجيل القيادي الأول شأنهم شأن كل البشر إذا تقدموا في العمر، يترهلون، ويمرضون بالمرض السكري، وأمراض الضغط، وتزداد مشاكل عيالهم، فتنثلم مشاركتهم القيادية، ويصعب عليهم أن يستمروا في انغماسهم الأول، وتتطأطأ ظهورهم تحت وطأة الحياة، وطلبات الأولاد، فيكون من اللائق تطعيم القيادة بعناصر الشباب، لإيجاد التعادل، ودفعا لحصول انقطاع ضار في طبيعة التفكير بين الجيل القيادي الأول وأجيال الدعاة الجديدة.

ليس هو التبديل التام للقيادة الأولى، فإن في رجالها البركة كلها، وعلينا أن لا نغالي في تقدير السلبيات التي يتعرضون لها بسبب تفادهم في العمل وتقدمهم في العمر، وقد ينجو منها بعضهم ويظل أعلى همة من الشباب وأكثر صلة وتفاعلات مع الناس والأحداث،.... ونطلب توازنا قياديًا يضم المعدنين، جميعا بين الشيوخ أصحاب الحكمة والتجربة والفقه، وبين الشباب أصحاب الاندفاع والتحرك والهمة الكاملة الجديدة، التي لم تستهلك الأيام منها شيئا بعد.

إننا إن كنا عددنا، للجدية أسبابا وربطناها بالعوامل العشرة، فإن نظرية الأجيال القيادية تعتبر بالتالي روح الجدية الجماعية، إذ لم نجد في قوانين الشرف أن من وصل القيادة يوما ما يجب أن يموت قائدًا، وإنما وجدنا مصالح للدعوة يوجب المنطلق السليم علينا تحريها والحرص عليها، وإذا أراد القياديون حيازة الفخر والشرف كاملين فإن طريقهم إلى ذلك يمر بتدريب الجدد، وإكسابهم ما جمعوا من حكمة، وإلا حصل انفصام بين طبائع الأجيال، وإذا كانت الإضافة إلى القيادة أنفسهم وبانتقائهم، أو بانتخاب يتاح فيه للدعاة الاختيار، فإنها خر من أن تكون شرطًا لإنهاء فتنة، يختلط به الارتجال، ويدلس الضعفاء به أمرهم.

وبمثل هذا المنطق ننقض نظرية استقلال تنظيم الموظفين عن غيرهم من الدعاة، أو عموم التنظيمات الاختصاصية، فإن الاختلاط القيادي في كل منطقة سكنية مطلوبة، ولا بد أن تجمع بين الهمم والقابليات والطبائع ليحصل التعادل التربوي والتحرك التنفيذي، وليس من الصواب أن يحتكر الموظفون الحكمة يتدلونها بينهم بينهم، ولا أن نمنع عنهم نبضات الناسئة التي يمكن أن تهز ساكنهم، وما هي بوصايا معدودة يدونها الحكماء لتشاع الحكمة ويباع ما كان محتكًا، ولكنها خواطر تروى على عدد الساعات، وتعقبيات على الفلتات والأخطاء، وثناء على الصواب، وتوسط عند التطرف وتباين الآراء، وإصلاح عند الغضب واختلاف القلوب، ودلالة على الذوق الجميل والهدي الحسن، وإفتاء عند الحيرة، ولن يكون كل هذا إلا بالامتزاج المسترسل المنساب غير المتكلف بين أجيال الدعاة ومعادنهم المتنوعة، ولا يتجاوز هذا المعنى غير داعية محدود التجربة، ولا تدخل العلل على الخطط إلا من نقص التجريب.

الدعوة المعطاء

وتظل هذه الدعوة معطاء، كثيرة الخير، ذات مقدرة على نجدة القضية الإسلامية بجحافل رجال تترى، ومد الزعيم المسلم الراغب بتطبيق نظرية الأجيال القيادية بأفذاذ يقتحمون.

ولكن الدعوات التي أنهت مرحلة التأسيس ولم تتوغل في الانفتاح بعد، أو الدعوات المتوغلة التي تجبرها الظروف الإرهابية على اختصار النشاط: يلاحظ فيهما المراقب المتسرع، ما يشبه ظاهرة الجزر في تكوين الرجال، ويظن أن هناك تقصيرا في تربية العناصر القيادية ولا يوجد من يخلف ا لرعيل المؤسس المتفاني أو يشابهه في علو الهمة وبذل الجهد.

وليس الأمر كما يصفه هذا الوهم، بل المضاهاة دائبة، ولكن العجول لا يري نشأة من يقتفي آثار الأوائل، والأسباب في ذلك أربعة:

(السبب الأول): أن المجموعة الرائدة من شأنها أن تكون صغيرة، قليلة العدد، كثيرة اللقاء، فيعرف الواحد منهم جميع من يبرع في مرحلة التأسيس، فإذا انتشرت الدعوة وكثر العدد: ضعفت هذه المعرفة، بصورة طبيعية، ويصرف نظر الداعية عن رؤية معادن جيدة، تعمل في غير القطاع الذي يتواجد فيه.

كما أن الدعوة قد تنشأ علنية أول مرة، فيعق ذكر صاحب الخير العامل، وتشهره الصحافة الإسلامية أو الحفلات والنشاطات العامة، ثم تضطر الدعوة إلى التحول إلى السرية والتكتم، حتى ليعمل الداعية بيمينه ما لا تعلمه شماله، وتتعمد القيادة التورية وإخفاء أسماء الصاعدين، خوفا عليهم من بطش الحكومات وإرهاب الأحزاب، فيظن المراقب توقف العطاء.

وخذ لنفسك موعظة في هذا الباب مما يجيش في صدور البعض من وساوس إذا ساررت الجماعة باسم قائدها وحجبت عن الجدد والعامة خبره، تأمينا لسلامته وتجنبا لأذى قد يلحقه، فهم يجفلون من ذلك، وقد يستبد بهم ظن السوء، أو لا يلمسون محاسنه، لعدم تعاملهم المباشر معه، ولربما زلت قلوبهم بنكوص قبل أرجلهم، فيأتي الوعي يحاورهم، يدعوهم إلى رؤية القرينة الواضحة والدليل الأكيد على نزوله منازل الثقات وصعوده مصاعد الأخيار، ويطلب منهم التأمل: كيف أنه:

يقود، وما خبرناه، ولكِن                   طهارة صحبة: الخير الجلي

وهذا منطق سليم قوى يفترض فيمن يعقله إنهاء صدوره والإسراع إلى الاستغفار، فإن حسن ظنه بالقائد المجهول ينبني على حسن معرفته بصدق وإخلاص وجدارة صحبة الظاهرين.

فكذلك ما يكون من خفاء أفراد الجيل القيادي الجديد، فإنك قد لا تلتقي بهم، ولا تقف على خبرهم، ولكن الضبط التنظيمي وتوسع النشاط يشكلان خبرًا جليا يفصح عن وجودهم.

(السبب الثاني): أن لعمل الدعوة شرة وفترة، والإيمان يزيد وينقص، وقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن لهذه القول شهوة وإقبالا، وإن لها فترة وإدبارًا)([5])، وتملك المجموعة قلبا مشتركا واحدا تعتريه فترات من التمهل بعد كل قوة، ولعل الرائي يري مثل هذه الظواهر الطبيعية، من الفترة والنقص، والإدبار، فيتزمت في تقديرها، ويبالغ في الإبتئاس منها، ويصفها بأكثر من حقيقتها، ويدعي أنه العقم في الدعوة، ويخفي عليه أن الإبطاء قد يعتري الجماعة كما يعتري الفرد، لوجود لافتن، أو طول، المسير ونحو ذلك، وغن الإسراع آت.

(السبب الثالث): أن الواجب اليومي الذي كان قد ألقي على عاتق جيل التأسيس في أول نشأة الدعوة يعتبر أصعب وأثقل من الواجب الذي يؤديه الدعاة في مرحلة انتشارها وسعتها، إلا أنه أقل إشغالا، وفيه تربية مستكنة لا تتطلب كثرة تحرك.

بينما نجد أن خطة بعض الحركات حين تقارب الانفتاح أو حين تتوغل فيه تجعل يوم الداعية مليئا بأنواع من النشاط كثيرة، وتكثف الجزئيات التنظيمية والتربوية، ويتعدد الذهاب والمجيء، واللقاء والاجتماع، وتتكرر المحاضرات والحفلات، والرحلات والمهرجانات، والألعاب والمسابقات، زيادة على ما قد يكون من المظاهرات والإثارة الجماهيرية، ونزول الانتخابات النقابية، وهذه السعة تجعل الوقت الحر الذي يصفو لكل داعية ضيقا جدًا، حتى ليشع رأسه على وسادته منتصف الليل مرهقا، فتضمحل مطالعاته المنهجية، ويبدأ يستهلك رصيده الذي كونه بالأمس، وتضطرب عباداته التنفلية، وشؤونه المعاشية والمهنية.

إن هذا النشاط الكثيف قد يجعل معاناة جيل الدعاة الجديد كبيرة وذات آثار تربوية تحريكية جيدة، وقد يزداد تجربة، ويتعمق فهمه لطبائع الناس، ولكن علمه بالمقابل قد يكون أقل، وسكينته الإيمانية مختلطة بتشويش، وشمائله الخلقية يشوبها نقص، ويصعب عليه أن يربي نفسه بنفس ذاتيا، وفي هذا من تعويق نشأة العناصر القيادية الكاملة ما فيه، مع أن استعدادها وافر جيد، ومع حصول نصف التربية اللازمة لهم، المتمثل بالمعاناة والتجريب.

والمظنون أن حل هذا الإشكال كامن في اختصار وجوه النشاط العام، نوعا وكما، بغية توفير أوقات حرة للدعاة، يفيئون فيها إلى أنفسهم وإلى مربيهم من قدماء الدعاة ومستنبطي فقه الدعوة، فيكون هناك تعادل وتكافؤ بين متطلبات المسار المرحلي العام ومتطلبات التربية الفردية، ويتم تخريج رهط كبير من القياديين الجدد بجهد بسيط يكمل لهم نصفهم الناقص.

إن هذه الظاهرة تقنع المراقب المنصف بأن جمهرة واسعة من الجيل القيادي الجديد موجودة فعلا، ولكن حجبها نقصها التربوي القليل ع ن الأنظار، ولا تحتاج غير نقلة يسيرة يكون بها تصديق نظرية الأجيال القيادية وأدائها لدورها فيها.

(السبب الرابع): أن التحدي هو المربي، وربما كان المفتش عن المعادن القايدية غير راء لها إذ فتش عنها في أيام لا يتاح فيها هذا التحدي كاملا، فإنه أنواع، وبواعثه مختلفة، ويفرضه وقت دون وقت.

وأول ظهوره في المسار يكون من أول أيام الدعوة في كل بلد، فإن الرعيل الأول يخوض تجربة تأسيس الدعوة، ويدخل معركة حياة أو موت، وإن كانت صامتة، فإما أن ينجح في التأسيس ويرى مبشرات استمرار الدعوة ، وإما أن يفشل، فيكون التلاوم، واستعار الفتن، و انتباه العدو، ولذلك يندفع الرواد بهمم حامية، أوفياء مشمرين، ويبذلون أقصى جهدهم، ويبدون أكمل تشيل لطاقاتهم، وتنتبه كل حواسهم، تشارك في إرساء قواعد البناء، فإذا نجح التأسيس مالوا طبيعيا لبعض الراحة والهدوء، كمثل طبيب يعالج مريضا في حالة خطيرة، يسهر معه، ويظل ملازما له، فإذا حصلت مؤشرات زوال الخطر، نام واستراح لا لكونه متعبا فقط، بل لأن في علامات الشفاء معنى التطمين.

ويهدأ بهدوء الرعيل الأول من معهم من الجدد أيضًا، فتظن أنهم لا يصلحون لعمل قيادي، بينما النقص ليس فيهم، بل في الظرف والمحيط، لا يوجد فيهما ما يستفز استعدادهم القيادي للظهور ويوقظه من سباته، وهم جيل كالأوائل قد يكون فيهم الضعيف المتراخي، إلا أن أكثر عناصره يمكن تدريبها الأداء أعمال قيادية صغيرة، وبعضهم أصحاب قابلية رفيعة تجذبهم المراكز القيادية العالية لها دونما تطاول منهم.

ثم تتاح فرصة ثانية لحصول التحديات المربيات مع دخول الدعوة في مرحلة الانفتاح، ويكون لعطاء الدعاة مجال نمو سريع، ولكن تتبدل صفات الجدارة والعوامل المحركة لروح التحدي في نفوس الدعاة، ويكون إتقان الداعية للعمل الجماهيري أو المشاركة الصحفية باعثا لإثارة ما في النفس من كوامن التحدي، بينما كان إتقان الاتصال الفردي والتربية التلقينية عنوانا للجدارة في المرحلة الأولى.

إن كثرة من الدعاة الذين نصنفهم مع الخاملين في مرحلة التأسيس يكونون من أهل النشاط في مرحلة الانفتاح، إذ أن الأعمال التي تفجر إبداعهم القيادي غير موجودة أيام النشأة الأولى، ففي البداية تتفجر طاقة من نوع واحد تتمثل في القدرة على التجميع والتربية والعمل الصامت، ولكن البشر تختلف طبائعهم وميولهم، فمنهم الكاتب، والخطيب، والسياسي، والإداري، وليست المقدرة الفردية على الإقناع والتربية غير صفة واحدة من عشرين صفة أخرى يحتاجها عمل الدعوة.

إن بعض الدعاة يغفل عن هذه الحقيقة، فيتطرف، ويشطب بالقلم على بعض من لا يجيد فن الاتصال ويحكم عليه حكما مستمرا بأنه فاشل، وذلك خطأ، فإن الناس معادن، وخدمة الإسلام متعددة المجالات، وطبيعة التأسيس لا تتيح ظهور جميع الكفايات، لعدم تيسر أغلب هذه المجالات، وإنما مثلهم كمثل ثمرة مغلفة بقشر صلب إذا كسرته: انتفعت بها.

وهكذا تنشأ صفات توثيق جديدة، ووصف للكفاية أوسع، ويتبدل مفهوم القيادية، وتصير البراعة الصحفية، أو المقدرة على الانبثاث، أو الوعي السياسي، أو البحث العلمي، أو حسن المحاضرة، أو إدارة الواجهات: أدلة بمفردها على أن صاحبها له مقدرة قيادية.

أما أن مثل هذه المقدرة القيادية هي في حدها الأدنى فنعم، ولكن لا مانع من استخدامها، إذ القيادة درجات، وأهلها طبقات، وفضلها موزع على منازل متصاعدة، ويبقى الحائزون على صفات الشمول وغزارة العلم وعمق الإيمان في القمة، ودونهم أهل الاختصاص والصفات المفردة، يتفاوتون في الفضل، وإن اشتركوا في الانتساب إلى المجموعة القائدة.

وقد يجمع الداعية بين الكفايتين المطلوبتين في المرحلتين، أو يكون صالحا لعمل قيادي تربوي هو طابع المرحلة الأولى، فاشلا في العمل الجماهيري وفي أنواع النشاط العام الذي هو طابع المرحلة الثانية، أو العكس، حيث يمكن أن يبرز لاحقا من كان يمشي الهوينى آنفا، وتحتل عناصر المؤخرة مكانا واضحا في المقدمة، حتى لكأنها هي الطليعة.

لكل مرحلة جيلها وأهلها، وأن لكل حلبة رجالها، وأن هناك تفاعلا متبادلا بين كل ظرف والذين يعيشون يكفل استمرار التوالد القيادي، حتى أن الانتقال إلى مرحلة الصراع الثالثة قد يشهد مرة أخرى فشل بعض العناصر التي برزت في الانفتاح، مع ما كان لها من وعي وذكاء ومشاركة كثيفة في يوميات النشاط المختلف الوجوه، ويبزغ فجر جيل جديد آخر، وتتقدم عناصر كانت مغمورة من قبل تضغط وتناوش، وتتبدل صفات الجدارة مرة أخرى، وتكون صفات الشجاعة والبطولة في المواقف الحاسمة هوية انتساب جديدة لطبقة قيادة طارفة تستثمر ما بدأه الرهط التليد.

ــــــــــــــــــــ

([1]) تفسير الطبري بتحقيق أحمد ومحمود شاكر 3/12.

([2]) وحي القلم 2/60.

([3]) تاريخ الخلفاء للسيوطي/ 239.

([4]) الإمتاع والمؤانسة 1/75.

([5]) كتاب الزهد لابن المبارك/469.