إن لكل إنسان ميلادين: ميلادًا طبيعيًّا، وميلادًا ذاتيًّا.

والميلاد الطبيعي معروف، ولا اختيار للإنسان فيه؛ فخروجه من عالم الذر إلى عالم الشهادة مقدّرٌ له، ولا اختيار له في أبويه، أو عِرْقه، أو لونه، لسانه، بلده.

والميلاد الذاتي هو الذي يكتشف الإنسان من خلاله نفسه ومواهبه وقدراته؛ فيحدد هدفه في الحياة، ويعمل على تغيير الواقع الذي يعيشه ويحياه، وهو ما أسميته بـ”الميلاد الثاني“.

يقول مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله: “ليست دنياك -يا صاحبي- ما تجده من غيرك، بل ما توجده بنفسك؛ فإن لم تزد شيئًا على الدنيا كنت أنت زائدًا على الدنيا؛ وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فقد وجدتها وما وجدتك. وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها.

وقد تكون دنيا بعض الناس حانوتًا صغيرًا، ودنيا الآخر كالقرية الململمة، ودنيا بعضهم كالمدينة الكبيرة، أما دنيا العظيم فقارة بأكملها، وإذا انفرد امتد في الدنيا فكان هو الدنيا”([1]). وهذا الميلاد الذاتي قد يُنتج إنسانًا يعمّر الكون ويصلحه، أو إنسانًا يدمّر الكون ويفسده.

والنوع الأول منه ما يكون اختيارًا واصطفاءً من الله -سبحانه وتعالى، وهذا الاصطفاء لا ينفي مطلقًا المواهب الخاصة التي تمتع بها هؤلاء المصطفون، والتي أهّلتهم لهذا الاصطفاء الربّاني. يقول -تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33].

ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].

ويقول: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ [ص: 45-47].

ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ“([2]).

فإبراهيم -عليه السلام- اضطر لبيع الأصنام، فـ”كان آزر يصنع أصنام قومِه التي يعبدونها، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم، فيما يذكرون، فيقول: (من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعه)، فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه، ذهب بها إلى نهر فصوَّبَ فيه رءوسها، وقال: (اشربي)، استهزاءً بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومه وأهل قريته”([3]). ثم بعد الاصطفاء صار أبًا للأنبياء، وخليل الرحمن، ومن ينتسب إليه كل أصحاب الكتب السماوية.

وهذا داود -عليه السلام- والذي قيل عنه: إنه “كان رجلاً قصيرًا مسقامًا مصفارًا أصغر أزرق”([4])، إذا به يقتل جالوت، والذي كان “من أشد الناس وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده”([5]). ثم بعد الاصطفاء صار ملكًا نبيًّا ألان الله له الحديد، فكان يصنع منه السلاح المحكم.

وهذا موسى -عليه السلام- القوي الذي خرج من مصر خائفًا من بطش فرعون بعد قتله لأحد المصريين، وصفته ابنة الرجل الصالح بقولها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. وبعد الاصطفاء يعود ليواجه فرعون وقومه دون خوف أو تردد، ويخرج ببني إسرائيل رغمًا عن فرعون وجنده، ولما ابتلاه الله -تعالى- باللثغة أكرمه بأن جعله كليمه.

ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- والذي كان راعيًا للأغنام، ثم تاجرًا صادقًا وأمينًا، بعد الرسالة والاصطفاء يرفع ربنا -سبحانه- ذِكْره في العالمين وليس في قومه فحسب، فقال -تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].

وكثير من القادة والعلماء والحكام والأدباء اكتشفوا ذواتهم وقدراتهم فوظفوها التوظيف الأمثل، فأفادوا أنفسهم أولاً، ومن حولهم ثانيًا، وقد يصل نفعهم للبشرية بأسرها على مر العصور والدهور.

وفي المقابل هناك من وظّفوا مواهبهم وقدراتهم في الفساد والإفساد فأضروا أنفسهم ومن حولهم وقد يصل ضررهم للبشرية كلها.

فمثلاً كم تعاقب على حكم مصر من أسرٍ قد بلغت ثلاثين أسرة، إلا أن الله -تعالى- خلّد ذكر فرعون موسى -عليه السلام، هذا الفرعون المثقل بالأوزار والرزايا والخطايا؛ فهو المستعبِد لبني إسرائيل، المقتِّل لأبنائهم، المدعي للألوهية، المحارب لنبي الله موسى، قد أورد جنده المهالك حتى قال -سبحانه وتعالى- عنهم: ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45-46].

أما فرعون فقد جعل الله منه عبرة لمن يعتبر فقال -تعالى- عنه: ﴿فَأَرَاهُ الآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآَخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 20-26].

واعدد مع فرعون هامان وقارون وبرصيصا وأبا جهل وأمية بن خلف وأبا لهب وأبا رغال والأشرم وجنكيز خان وهولاكو وحمدان قرمط بن الأشعث وابن العلقمي والحاكم بأمر الله وميرزا غلام أحمد وتيودور هرتزل وآل روتشيلد وستالين وهتلر وبينوشيه وشارون… إلخ.

هؤلاء وأضرابهم أفسدوا بمالهم أو بسلطانهم أو بمكرهم أو بخيانتهم أو بمحاربيهم للحق وأهله فأضروا البلاد والعباد.

فلو علم هؤلاء المصير المحتوم القادمين عليه لتمنوا ألا يكون لهم شأن في الدنيا، بل ألا يكونوا من جنس البشر أصلاً، فيقول قائلهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40].

فالميلاد الثاني يجعل لصاحبه شأنًا في الدنيا([6])، لكن العبرة بأن تكون الرفعة والشأن في الآخرة؛ حيث رضوان الله -تعالى، ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) وحي القلم، ص(2/68-69).

([2]) أخرجه مسلم في “الفضائل”، باب: “فضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم، وتسليم الحجَر عليه قبل النبوة”، ح(2276) من حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه.

([3]) تفسير الطبري، (11/481).

([4]) تفسير القرطبي، (3/256).

([5]) السابق، نفس الصفحة.

([6]) هناك من البشر من لا يؤبه لهم ولا شأن لهم، لا يعرفهم الناس، ولا يذكرونهم، لكنهم كرام على الله، فقد أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ“.