يوسف عبدالله

مما لا خلاف عليه أن حياة الإنسان فوق هذا الكوكب تتغير وتتطور من حال إلى حال، يتسع في بعض المجالات هذا التطور، ويضيق في أخرى.

وأوسع مجال للتطور، إنما هو في الأشياء التي يستخدمها الإنسان، من مطعم وملبس، ومركب، ومسكن، وسلاح، وآلة، ونحو ذلك.

ونستطيع أن نضرب مثلاً واضحاً بوسائل النقل والمواصلات:

فقد كان الإنسان يمشي إلى غرضه على قدميه، ثم استطاع أن يستأنس بعض الدواب ليستخدمها في الركوب والحمل كالبعير والحصان والحمار، ثم اهتدى إلى صنع سفينة تجريها الرياح في البحر، وصنع عربة تجرها الدابّة في البر، وظل آلاف السنين حتى هُدِيَ إلى صنع العربة التي تدار بالبخار أو بغيره من القوى المحركة. ثم صنع الطائرة التي قربت العالم بعضه ببعض حتى كأنه قرية واحدة، وأخيراً الصاروخ ومركبة الفضاء التي استطاع بها أن يصعد إلى كوكب القمر.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الوسائل إشارة خاطفة، ولكن لها دلالتها وإيحاؤها حين قال: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (النحل: 8).

وبجوار هذا النوع من التطور يوجد تطور آخر في عالم المعاني والأفكار، وفي العادات والتقاليد وفي المثل والأخلاق. والتطور هنا قد يحمد كما قد يذم، لأنه ليس دائماً في مصلحة الإنسان، فقد يرقى به حتى يدنو من أفق الملائكة، وقد يهبط به حتى ينزل إلى درك الحيوان.

والسؤال الذي يطرح هنا: ما موقف الإسلام من التطور؟ هل يقبله ويرحب به، أم يرفضه ويقاومه؟

مواقف الناس من التطور:

ولكي يتضح لنا موقف الإسلام جلياً من هذا الأمر ينبغي علينا أن نبين أن هناك مواقف ثلاثة وقفها الناس من التطور:

موقف الرفض المطلق:

الأول: موقف الرفض المطلق لكل تغيير أو تجديد، في أي جانب من الحياة - علمياً كان أو عملياً مادياً أو معنوياً - وإبقاء كل قديم على قدمه ومقاومة كل جديد، من أي مصدر جاء، وعلى أي صورة ورد.

وهذا هو موقف الكنيسة الغربية في العصور الوسطى المسيحية، فقد تبنت أفكاراً ونظريات في علوم الجغرافيا والفلك والطب والأحياء وغيرها، وأضفت عليها من القداسة ما جعلها جزءاً من الدين نفسه، ومثل ذلك ما اعتنقته من أفكار وتقاليد صبغتها بصبغة الدين. فلم تعد تسمح لأحد أن يخالفها أو ينتهي به بحث حر إلى مخالفتها. وويل ثم ويل لمن حدثته نفسه بمخالفتها!

وقد ذكر الأستاذ الإمام محمد عبده في كتابه (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) من مواقف الكنيسة ورجالها ما يثير العجب والدهشة.

قال دي رومنيس: إن قوس قزح ليست قوساً حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا شاء، بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء. فجلب إلى روما وحبس حتى مات، ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها وألقيت في النار! وأظهر " بلاج " رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم. أي أن الحيوانات كان يدركها الموت قبل أن يخطئ آدم بالأكل من الشجرة، فقامت لذلك ضوضاء، وارتفعت جلبة، وانتهى الجدال والجلاد إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد ذلك الاعتقاد.

إن القول بكروية الأرض قد أحدث اضطراباً شديداً في عالم المسيحية، مع أن المسلمين قد عرفوه منذ أول الخلافة العباسية، ولم تتحرك له شعرة من بدن، بل صار يذكر في كتب التفسير والتوحيد وغيرها بلا حرج.

اكتشف بعض الأميركان تخدير المرأة عند الولادة، حتى لا تحس بألم الطلق، فقامت قيامة القسس، لأنه يخلص المرأة من اللعنة أو العقوبة الأبدية التي سجلت عليها في التوراة في سفر التكوين. الإصحاح الثالث. ففيه: " وقال - أي الرب - للمرأة: تكثيراً أكثر أتعاب حملك، بالوجع تلدين أولاداً ".

وفى الآستانة اكتشف المسلمون طريقة طبية للحقن تحت الجلد ثم نقلتها إلى أوربة - سنة 1721 م - امرأة تسمى ماري موناجو. فثار رجال الكهنوت وعارضوا في استعمالها. وعادت هذه الشدة في المعارضة عند اكتشاف طريقة التطعيم ضد الجدري.

أُنشئت محكمة التفتيش في أوروبة لمقاومة العلم والفكر الحر، عندما خيف ظهورها بسعي تلامذة ابن رشد وتلامذة تلامذته. وخاصة في جنوب فرنسا وإيطاليا. وكان الذي طلب إنشاءها هو الراهب ( تور كماندا ).

قامت هذه المحكمة الغريبة بأعمالها حق القيام، ففي 18 سنة، من سنة 1481 م إلى سنة 1499 م. حكمت على 10,220 عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخصاً بأن يحرقوا وهم أحياء، فأُحرقوا، وعلى 61860 بالشنق بعد التشهير فشهروا وشنقوا وعلى 97,023 بعقوبات مختلفة فنفذت ثم أحرقت كل توراة بالعبرية.

هذا كان موقف الكنيسة، ولكن التطور كان أقوى منها، فإن الشرارة التي انتقلت من الشرق المسلم إلى الغرب المسيحي، ظلت تتسع وتعلو، حتى أصبحت ناراً هائلة لا يقف دونها شيء. فلا غرو أن ثارت الجماهير الهائجة على الكنيسة التي وقفت مع الجهل ضد العلم، ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الملوك والنبلاء ضد الشعب وقالت الجماهير قولتها: " اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس "!.

موقف الخضوع المطلق للتطور:

والموقف الثاني: على نقيض الموقف السابق، فهو موقف الخضوع المطلق والمسايرة العمياء لكل تغيير وكل جديد. دون تمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي وما لا ينبغي، بناء على فكرة غربية مؤداها أن اللاحق خير من السابق وأن أي جديد خير من أي قديم، وأن مولود اليوم خير من مولود الأمس. وأكثر من ذلك أنهم لا يقنعون بمجاراة التطور بل ينادون بتطوير كل شيء، وتغيير كل القيم والفضائل والتقاليد والشرائع. يجب قلب الحياة رأساً على عقب.

يمثل هذا الموقف في مجتمعاتنا فريقان من الناس: فريق الأذناب المقلدين للمعسكر الغربي الذين هالهم صنم الحضارة الغربية، فبرروا كل ما تجيء به، وتحمسوا له، ودعوا إليه، باسم التطور والتجديد، ولو كان هو العرى والانحلال، والإلحاد والإباحية. على حين بدا الغربيون أنفسهم يراجعون موقفهم ، ويقدون حضارتهم، ويغيرون مفاهيمهم في كثير من الأمور.

وهؤلاء هم الذين سخر منهم أديب العربية والإسلام المرحوم مصطفى صادق الرافعي فقال: إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر؟! وقال فيهم شوقي في قصيدته عن "الأزهر":

لا تحذو حذو عصابة مفتونة   يجدون كل قديم شيء منكراً

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا         من مات من آبائهم أو عُمِّرا

من كل ساع في القديم وهدمه   وإذا تقدم للبناية قصــرا !

والفريق الثاني هم " الماركسيون " الذين يقولون بحتمية التطور، وينادون بأن ما يأتي به التطور أفضل - ولابد - مما كان قبله.

وهم يتحدثون دائماً عن الجانب المتطور من حياة الإنسان، ويغفلون الجانب الثابت فيها.

ولاشك أن الحياة البشرية تتعرض لكثير من التغير والتطور، ولكن جل هذا التطور إنما يتعلق بما حول الإنسان أكثر من تعلقه بالإنسان ذاته، أما جوهر الإنسان فهو هو.

فآدم الذي استدرجه الشيطان بغريزة حب الخلود والبقاء إلى الأكل من الشجرة لا يزال ماثلاً في أبنائه الذين تدفعهم نفس الغريزة إلى مخالفات أُخَر.

وابن آدم الذي حسد أخاه فقتله بحجر أو نحوه. ثم حار في دفنه حتى علمه غراب يبحث في الأرض كيف يواري سوأة أخيه، لا يزال إلى اليوم يحسد ويقتل وإن تطورت أدوات القتل، وتنوعت في يديه، وأصبح قادراً على إذابة الجثة ببعض الحوامض والمحلولات الكيميائية حتى لا يبقى لها أثر؟!

والوازع الأخلاقي الذي جعل آدم بعد خطيته يندم ويتوب ويستغفر قائلا:   "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (الأعراف: 23). وهو الوازع الذي تمثل بأجلى صورة في خير ابني آدم حين قال لأخيه " لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" (المائدة: 28). وتمثل - بصورة ما - في ندم القاتل بعد دفن أخيه. هذا الوازع لا زال قائماً في فطرة البشر وإن وطئت أقدامهم سطح القمر، على تفاوت بينهم.

إن الدوافع الفطرية في الإنسان لم تتغير، وإن تغيرت بعض طرائق إشباعها. كان الإنسان يأكل الطعام نيئاً كالحيوان والطير. ثم تعلم أن يطبخه على نار وقودها الحطب أو الخشب أو الفحم، ثم اخترع موقداً بالزيت ثم بالكهرباء. ولكنه على كل حال بقي إنساناً يأكل ويشرب. ويجوع ويشبع، ويظمأ ويرتوي. ويحس بالتوتر والانفعال إذا جاع أو عطش، وبالراحة واللذة إذا شبع وارتوى.

والقيم الدينية والخلقية الأصيلة من الشعور بالحاجة إلى الله، واللجوء إليه عند الشدة والندم على الخطيئة، وحب الصدق والأمانة والفضيلة، وكراهية الرذيلة والكذب والخيانة، لا يزال لها وزنها وقيمتها في حياة البشر وسلوكهم، وإن غشيتها الغواشي عند بعض الناس، أو أدركها الرين والصدأ.

فليس لنا أن نبالغ في التطور الذي أدركه الإنسان، فإنما هو تطور في محيط الإنسان، لا في جوهر الإنسان، تطور فيما يستخدم الإنسان لا في حقيقة الإنسان.

صحيح أن معرفة الإنسان بظواهر الكون وما فيه من أشياء قد تغيرت واتسعت، ولكن هذا لم يغير جوهر الإنسان.

الموقف الوسط وهو موقف الإسلام:

والموقف الثالث: هو الموقف الوسط، موقف التميز والاعتدال بين المتزمتين والمتحللين. بين الذين يريدون أن يجمّدوا الحياة، ويقفوا في سبيل نموها وتقدمها. والذين يريدون أن يجعلوها فوضى، لا تحكمها قيم ولا عقائد، ولا تضبطها فضائل ولا شرائع. إنه موقف يواجه التطور بالحكمة، بل يوجهه بالحق. بل يدفع إلى التطور النافع، ويخلقه ويغذيه بالوقود.

إنه موقف الإسلام الصحيح، الذي يجمع بين الثبات والمرونة في أحكامه وتعاليمه.

الثبات على الأهداف والغايات، والمرونة في الوسائل والآلات.

الثبات على الأصول والكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات.

الثبات على الأخلاقيات والدينيات، والمرونة في الماديات والدنيويات.

نجد هذا الثبات في النصوص المحكمة، القطعية في ثبوتها، القطعية في دلالتها كما نجد المرونة في النصوص الظنية في ثبوتها، والظنية في دلالتها، وفى منطقة الفراغ التي تركتها النصوص لاجتهاد المجتهدين، رحمة بنا، وتيسيراً علينا.

نجد هذا الثبات في العقائد الرئيسية، والفرائض الأساسية، وأمهات الفضائل وأصول المحرمات، وكليات الشريعة، ونحو ذلك مما لا يختلف باختلاف الأزمان والبيئات والأحوال، كما نجد المرونة في الأحكام الفرعية الجزئية التي تتسع لأكثر من نظرة، وأكثر من اجتهاد، ولم يضيق الله فيها على عباده، فمن اجتهد فيها فأصاب فله أجران. ومن اجتهد فأخطأ فله أجر. وهي التي قال فيها فقهاؤنا: إن الفتوى فيها تتغير بتغير المكان والزمان والعرف والحال.

ونجد مرونة أكثر وأكثر في أمور الدنيا: الأمور التقنية والفنية التي تتعلق بالوسائل والأساليب. فهذه هي التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم).

وهذه الأمور يجب أن يتقنها المسلمون، ويتفوقوا فيها، ولا حرج عليهم أن يقتبسوها من غيرهم إن لم تكن عندهم.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع نخلة في المدينة فلما كثر المسلمون واستقر لهم الأمر، استدعى له نجار رومي، فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فكان يخطب عليه ولم يقل: هذا من صنع رجل رومي فلا أستعمله.

وفي غزوة الأحزاب أشار عليه سلمان بحفر خندق حول المدينة يحميها من الغزاة المشركين، فأعجب برأيه ونفذه، ولم يقل: هذا من أساليب المجوس، لا نأخذ به.

وكذلك جاء أصحابه من بعده، فسنوا أنظمة وأعمالاً لم تكن في عهد الرسول مثل تدوين الدواوين، وتمصير الأمصار، وجمع القرآن في مصاحف، وتوزيعه على الأقاليم، وتخصيص أناس لوظيفة القضاء وحدها، وإدخال نظام البريد، وغير ذلك من الأمور التي لا ريب في فائدتها , وحسن أثرها. والتي لم يضق هذا الدين بها صدراً. كيف وقد سنّها الراشدون المهديون الذين تعد سنتهم جزءاّ من هذا الدين، يهتدى بها، ويعض عليها بالنواجذ؟!

لقد شاء الله أن يتضمن هذا الدين كلمات الله الأخيرة للبشرية، بعد أن بلغت أشدها، واستحقت أن ينزل عليها الرسالة العامة الخالدة. فلا عجب أن أودع فيه من السعة والتيسير والمرونة ما يواجه به التطور، ويصلح لكل بيئة، وكل أمّة، وكل جيل. بل أودع فيه من القيم والأفكار والأصول الفكرية والخلقية والتشريعية ما يدفع إلى النمو والحركة والرقي. وما يكفي لخلق حضارة ربانية إنسانية تلتقي فيها الدنيا والدين، والعلم والإيمان، والتمدن والأخلاق.

إنه لا يرفض كل تطور ولو كان يحمل في ثناياه العلم والحكمة والحق والخير. ولا يقبل كل تطور ولو كان يحمل في تياره الفساد والانحراف والسقوط. وإنما يرد كل أمر إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحق والميزان. فإن الله لم يدع خلقه هملاً ولم يتركهم سدى، بل أعطاهم المعيار الذي به يقوّمون كل شيء في الحياة.

إن الإسلام يرفض الجمود ويدعو إلى الحركة، والحركة الدائبة المستمرة، ولكنه يريدها حركة هادئة عاقلة، لا حركة هوجاء مخربة. يريدها حركة النهر الدافق في مجراه الأمين، لا حركة السيل المتهدر المنطلق بلا مجرى ولا ضوابط ولا حدود. إن النهر والسيل كلاهما يجري ويتحرك بماء عذب، ولكن النهر يشيع الحياة والخضرة والبركة حيثما جرى، والسيل يعقب الدمار والخراب ويهلك الزرع والضرع حيثما سار.

إن الإسلام يريد للإنسان أن يتحرك ويعمل، بشرط أن تكون حركته إلى هدف يليق بإنسانيته الكريمة على الله، وأن تكون في مدار مأمون، يأمن فيه أن يتحطم أو يحطم. إنها كما قال الشهيد سيد قطب بحق: " الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت ".

إن الإسلام يقبل التطور العاقل الصالح. الذي تحكمه قيم الحق والخير والفضيلة، وتضبطه موازين العدل الذي أنزل الله به كتابه وبعث به رسوله، أما الانطلاق العربيد فهو كالجمود البليد، كلاهما مرفوض في نظر الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ