محمد أنس

التجديد في الدين وفي الكون والحياة، هو سنة الله القائمة في مخلوقاته، مَن حاد عنها نبذته الحياة وحيداً منعزلاً، ومن غالبها غلبته، ومن تصوَّر أن في إمكانه إيقاف حركة التاريخ عن الجريان، وأن في مُكْنَته الجمود في نقطة معينة، فهو مخطئ مسيء في حق نفسه أولاً، وفي حق معتقداته ذاتها أيضًا.

وإن هذا لأشد وضوحًا وأهمية في مجالات الدين منها في مجالات الدنيا؛ لأن عواقب الجمود في شؤون العلم الكوني والتقدم الحضاري ملموسة للعيان، لا تقبل إنكارًا أو جدالاً، فهي من بدهيات الحياة وأسسها، بخلاف الحاجة إلى التجديد في الدين، فإنها من الضروريات التي قد لا يتنبه إليها إلا الخاصة، فإنه قد تنحرف الأنظار عن أهميتها بسبب الانغماس في التقليد الفقهي، والتشرذم العقدي، والتنطع الجدلي، وقد أوضح ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بصريح العبارة، فقال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدّد لها دينها))؛ رواه أبو داود، وصححه السخاوي والألباني.

فأكد بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - الحاجة إلى التجديد، وضمن لنا وجوده، واستمراره، وتجدر الإشارة إلى أنه يَفصِل بين التجديد الطيب في الدين، وما يحمله من تقوية الصلة بين الواقع ومستجدات الحياة ونوازلها، وأصول الدين ومبادئه، وبين التخريب والتشويه والتحريف في الدين من الداخل فاصلٌ دقيق، تميزه أمور كثيرة على رأسها الإخلاص والنية السليمة وبذل أقصى الجهد والطاقة في هذا، ثم يأتي بعدها ملامح عدة، نقف عند ما نراه مهمًّا من هذه الملامح.

أولاً: منطلق التجديد ومرتكزه يكون من أصول الإسلام وثوابته، وهدفه إحياء الأمة والسعي في نهضتها، فالتجديد ليس تبديدًا ولا تغييرًا ولا إعادةً لاختراع العجلة كما يقولون، بل هو عمل إصلاحي تراكمي متواصل، يربط الحاضر بالماضي، وينتقي من فقه السلف ما يفي بحاجات المجتمع المسلم المعاصر، ثم يضيف إليه من اجتهاداته وفكره ورؤاه ما يكمل الوفاء بالحاجات، ويجيب على الإشكاليات، على أن الانطلاقة من هذه الأصول المتفق عليها، لا تعني بالضرورة موافقة السلف في سائر الفروع التي وصلوا إليها، بل إن آثار تغير الأزمان والأعراف والعلوم والمعارف، لا بد أن تأتي بنتائج وأحكام جديدة تناسب العصر، وهو في الحقيقة منهج جميع المجتهدين والمجدِّدين؛ كالشافعي الذي نقح مذهبه كاملاً عندما انتقل من العراق إلى مصر، وكسائر تلامذة الأئمة الأربعة الذين استمروا في تنقيح مذاهبهم المعتمدة.

ثانيًا: إحياء روح الاجتهاد في الأمة ونبذ التقليد المذموم، الذي يؤدي إلى التفرقة والعصبية، وهو ملمح متصل ومكمل للأول، وكلاهما يجمعان بين طرفي معادلة مهمة، وهي القدرة على التوازن بين أمرين اثنين، هما التمسك بثوابت الأمة وأصولها، وكذلك القدرة على الاجتهاد وإنتاج الأحكام وتجديدها، ولقد أخلت بعض الفئات بهذا التوازن، فتمسَّك بعضها بأقوال السلف وجمدت على ما بين أيديها من ميراث، بما قطعها عن الواقع، وضيع آخرون الثوابت والأصول، وقطعوا صلتهم بما شيده الأئمة المخلصون، تحت مسميات الاجتهاد والقراءات العصرية، وأساس الخلل هو في اختلال الرؤية بين تقديس النص الديني الإلهي، وبين تقديس نصوص الرجال، فلا عصمة ولا قداسة في الإسلام لكلام سوى الوحيين، والصواب في ذلك هو الوسطية بالنقد العلمي الرزين.

ثالثًا: التمسك بالوسطية وبالرصانة العلمية منهجًا ثابتًا، والوسطية هي فضيلة بين مذمومين، هما الإفراط والتفريط، وهي في سياق الكلام عن التجديد تعني الاعتدال في فَهم الدين، وفي تطبيق أحكامه، وفي الارتقاء بسلوك معارجه، وأما الغلو فهو سمة الجهلاء ممن علا صوتهم وقلّ علمهم، ومن لوازم هذا المبدأ تقبل جميع المذاهب والآراء ما دامت منسجمةً مع الحجة والدليل، وتقديم العذر لمن خالف الأصح من العلماء، على قاعدة: "قولنا صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب".

ومن لوازمه أيضًا الدعوة إلى الإسلام بتوازن بين جميع جوانبه، الروحية منها والعقلية والبدنية، الفردية والاجتماعية والدولية، الاقتصادية والمدنية والسياسية، دون تغليب لجانب على حساب آخر، وكذلك أيضًا التوسط في خطاب العامة في مواجهتهم فيما يعتقدون، بتأليف قلوبهم واللين في مخاطبتهم، بما يحفظ عليهم أمر دينهم ووحدة كلمتهم.

رابعًا: الحرص على وحدة الأمة، وتجميع كلمتها، وتوحيد مواقفها في القضايا الكبرى، واجتناب أدوات الشقاق وأسباب الخلاف والتنافر، وأهمها الهوى والعصبيات والمناصب والنفوذ، فالأصل في الدين أنه دعوى للتوحد لا للفرقة؛ لأن الدين قائم على قاعدة جلب المصالح المعتبرة للعباد ودرء المفاسد عنهم، ولا أعلى من مصلحة وحدة المسلمين ونزع بذور التفرق بينهم. والمرتكز في هذا بعد تجنب الهوى والشهوات، هو الدندنة على الأصول المتفق عليها بين الجميع، ونشر فكر التسامح والإعذار، وتقبل المخالف في الفروع والظنيات، والتنبه كثيرًا قبل التسرع في نقد المخالف، فيما إذا كان يروم من ذلك إرضاء شهوة التميز، أو يريد بذلك إحقاق الحق ونصرته، فالأولى في النصيحة أن تكون سرًّا، بخلاف النصيحة الجهرية والانتقاد العلني الذي قد يصل بالمخالف إلى النفور ثم التشدد في المخالفة.

خامسًا: إثبات مناسبة الدين الإسلامي لجميع الأزمنة والأمكنة، ولجميع توجهات وأفكار الناس، فإنه بالأدوات السابقة يقدم الحلول لجميع الإشكالات والنوازل الطارئة، ويلبي مصالح الناس العامة، ويتبنى من نتاج الحضارات الإنسانية الحديثة كل ما يصب في خدمة مشروعه ونشر دعوته، وهنا لا بد من الدعوة إلى التركيز في المسائل الحديثة والحساسة؛ كالقوانين المدنية وأحكام الشريعة، ومنزلة المرأة وحقوقها وواجباتها في الإسلام، ومعالم المجتمع المسلم المنشود، وغيرها من المسائل المهمة.

أخيرًا:

فإن هذا أهم ما يتوارد على الفكر والخاطر، مما رأيت فيه هدفًا مهمًّا لا بد أن يكون حاضرًا عند بناء أي خطاب إسلامي تجديدي، وباب التوسع في ذلك مفتوح ومطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــ