الأيديولوجيا -عندي- هي: الفكرة المنظمة، أي: تلك الفكرة التي تؤمن بها جماعة بشرية، ويصبح بينها تنساق وتواؤم في الرؤى والأهداف والغايات. ومن خلال هذه الفكرة يتم الحكم على الآخر فردًا كان أو مجتمعًا. فتصبح هذه الفكرة حاكمة ومعيارية عند أصحابها، فيزنون أفكار الآخرين بأفكارهم، وتكون الصداقة والعداوة مبنية على مدى قُرب أو بُعد تلك الأفكار من فكرة صاحبها ورؤيته للآخر.

الفكرة لا تسمى أيديولوجيا ما لم تكن لها جماعة مؤمنة بها، وتعمل على تحقيقها ونشرها، وتجادل لصحتها، بل وفي بعض الأحيان تقاتل من أجلها، وقد تموت في سبيلها.

يقول د. ناصيف نصّار: الأيديولوجية ظاهرة جماعية جماهيرية؛ فالأيديولوجيا تنشأ وتعمل في المجتمع، وهي على صلة وثيقة بالنزعات والرغبات والمصالح الجماعية، وبالرموز والقيم والتطلعات التي تجعل الجماعات معنى حياتها التاريخي متعلقًا بها([1]).

وفي العلاقة بين الأيديولوجيات والعقل من ناحية وبينها وبين العاطفة من ناحية أخرى إشكالٌ يحتاج منّا لتسليط الضوء عليه.

فهي في مراحل تكون في تصالح مع العقل، وفي أخرى في تصادم معه.

وفي مراحل النشأة يكون العقل هو الزند الذي تنقدح منه الأيديولوجية، ثم في مراحل أخرى يحرِّج القائمون على هذه الأيديولوجية العقل من العمل إلا في إطار أيديولوجيتهم، والعقل الذي يتمرد على هذه الأيديولوجية فهو غير مرحب به، «فالأيديولوجية تتعاطى مع العقل بمرونة ودهاء»([2]) تمتطيه وقت حاجتها له، وتعطيه ظهرها عندما يُظهر التبرم بها، بل وتستخدم معه العنف على كافة الأشكال والمستويات.

والأيديولوجيات بعد أن تستوي على سوقها وتسري في اللاوعي الجمعي للجماهير، وتنزل منهم منزلاً حسنًا وتؤخذ كمسلّمة، ويكون لها بريق تعشو به عقول الجماهير، يكون العقل أسيرًا للأطر التي أطّرتها تلك الأيديولوجيات، وهنا تكون «حرية نشاط العقل مرتبطة بما تسمح به الأيديولوجية بوصفها منظومة فكرية اعتقادية سائدة، وأداة رئيسية من أدوات السلطة الحاكمة، وموجهًا من موجِّهات العلاقات بين الدول»([3]).

ويرى د. ناصيف أن وظيفة العقل بالنسبة إلى «قيم الأيديولوجية ليست تكوينية وإبداعية، بل تأويلية وتسويغية, وعندما يقوم العقل بهذه الوظيفة فإنه لا يؤكد صفته الإنسانية الشمولية، بل صفة الخصوصية الجماعية بكل ما فيها من إمكانات نزاعية.

إن حرب القيم هي الحرب الأيديولوجية بامتياز.

وهكذا لا يهتم العقل الأيديولوجي مباشرة بقضية إبداع القيم العليا الصالحة للجماعة التي يخدمها، بل يهتم بقضايا الدفاع عن هذه القيم باعتبارها صحيحة وصالحة. وإذا تجرأ وحاول الإبداع في مجالها، فإنه يتوجب عليه أن يخضع لجملة شروط وقواعد، منها: الانطلاق من داخل منظومتها، وليس من خارجها، والحصول على تجاوب الجماعة واستحسانها.

وعلى أي حال فنادرًا ما يجد العقل الأيديولوجي نفسه أمام امتحان من هذا النوع؛ فالعمل الذي يقوم به طبيعيًّا داخل منظومة القيم، والمقاصد المشتقة من النواة العقدية للأيديولوجية يكفي لكي يندمج في جملة القوى التي تنتج الأيديولوجية، ويرتاح إلى كونه يشارك إلى حدٍّ ما في تشييد صرح قيمها»([4]).

أما الإيمان -وهو بمعنى التصديق، وليس الإيمان الديني- فتحتاجه الأيديولوجيات، بل إن الدكتور ناصيف يرى أن الإيمان يأتي في مرتبة سابقة للعقل فيقول:

«من البديهي القول بأن العقل إذا حظي باعتراف لدوره في الأيديولوجية فإنه يأتي في المرتبة الثانية في أحسن تقدير؛ ذلك لأن الأيديولوجية -كمنظومة اعتقادية- ترتكز على الإيمان، وتنحدر من الإيمان، وتتحرك بالإيمان، بحقيقة معينة من حقائق الحياة الاجتماعية التي تتوسط بين الإنسان كفرد والإنسان كنوع.

فالإيمان موقف روحي يخترق نشاطات الإنسان في العالم، وليس محصورًا في الدين وحده.

والإيمان الأيديولوجي ينزع -دون شك- إلى اتباع منطق الإيمان الديني، لكنه مهما فعل يبقى مختلفًا عنه؛ لأن التجربة الأيديولوجية تجربة نسبية مع النسبية الاجتماعية التاريخية، بينما التجربة الدينية تجربة نسبية مع المطلق الغيبي.

ومن الطبيعي أن تختلف الأيديولوجيات في تصورها للعقل ووظائفه، وفي مدى إدراكها وإعلانها لأسبقية الإيمان فيها على العقل، إلا أن هذا الاختلاف لا ينفي الحقيقة القائلة بأن الأيديولوجية تسعى -على الدوام- إلى تعزيز أوّلية الإيمان فيها، سواء في توكيد نفسها كمنظومة فكرية، أم في علاقتها بسلوك الناس أفرادًا وجماعات، وبالطبع يشتد هذا التعزيز أو يضعف، يتسع أو يضيق، يتوتر أو يتراخى، بحسب الوضع النضالي الذي تكون الأيديولوجية فيه، وبحسب حاجة المقاصد التي تطرحها للعمل إلى الالتزام الذاتي.

وعلى العموم يظهر استنفار الإيمان بقوة حتى التعصب العدواني في الأيديولوجيات الكلية أو ذات النزعة الكلية، كما في الأيديولوجيات الجزئية أو الصغيرة -في أزمنة التحولات والأزمات- أكثر مما يظهر في أزمنة الهدوء والاستقرار»([5]).

ويؤكد لابيير على عمق احتياج الأيديولوجية لإيمان الجماعات بها فيقول:

«إن الأيديولوجيا تقدم للمرء أسباب الحياة، كما تقدم له الأسباب التي تجعله يضحي بحياته من أجلها، وتقدِّم في نفس الوقت الأسباب التي تدفع المرء لأن يضطهد ويقتل.

إن الأيديولوجيا قاتلة، خاصّة عندما تكون مهددة من طرف أيديولوجيات مضادة، والناس يتصارعون أكثر حول المصالح كلما كانت هذه المصالح مبررة بواسطة أفكار.

والأيديولوجيات غازية؛ فهي تدفع إلى الحرب الدينية، وخاصة عندما تكون القوى الاجتماعية التي تعبّر الأيديولوجيا عن إرادة قوتها قوى جديدة.

إن كل الأيديولوجيات حمراء بدون استثناء، لا فقط بدم هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم من أجلها، بل كذلك الدم الوفير للضحايا الذين أدوا ثمن انتصارها»([6]).

ــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الأيديولوجية على المحك – فصول جديدة في تحليل الأيديولوجية ونقدها، ص(22، 39).

([2]) السابق، ص(39).

([3]) نفسه، ص(38).

([4]) نفسه، ص(52-53).

([5]) نفسه، ص(42-43).

([6]) الأيديولوجيا، إعداد وترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، ص(26).