جمال زواري

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:

(في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل ، وتختمر جراثيم التلاشي والفناء ، إذا كان العمل رسالة الأحياء ن فإن العاطلين موتى ، وإذا كانت دنيانا هذه غراس لحياة اكبر تعقبها فإن الفارغين أحرى الناس أن يحشروا مفلسين، لا حصاد لهم إلا البوار والخسران).

هناك أمراض تربوية خطيرة إذا انتشرت في الصف الدعوي ، ووجدت لها القابلية في نفوس أفراده ، فإنها تؤدي لامحالة إلى الانتكاس والتساقط والتملص والتسلل اللواذ، ومن ثم الإفلاس بمعناه الواسع والشامل.

من بين هذه الأمراض وفي مقدمتها البطالة الدعوية والكسل الحركي والفتور والفراغ والقعود عن العمل ،والتقاعس عن أداء الواجب، والتنصل من القيام بالمهام الدعوية المختلفة، واستمراء حالات الراحة والتحرر من تحمل التبعة والمسؤولية .

وكل هذه المعاني هي مظاهر لمرض واحد إذا أصاب العاملين في الميدان الدعوي والحركي أصابهم في مقتل، إلا من تداركته صحوة ضمير أو اعتبار بموعظة أو استفادة من نصيحة ، وقبل ذلك وأثناءه وبعده رحمة الله ومعيته وتوفيقه.

ومن خلال الممارسة والمعايشة ظهر أن هناك جملة من العوامل تساهم في الإصابة بهذا المرض ويكون بذلك نتيجة منطقية لها والتي من أهمها:

* انخفاض منسوب الإخلاص ودخول النية.

* اختلال عناصر الفهم .

* جهل الذات الدعوية والحركية

* الاستجابة للإغراءات الدنيوية ، والتطلع لبهرجها الكاذب.

* نسيان الغاية والانحراف عنها والغفلة عليها .

* اليأس والقنوط والتشاؤم.

* ضبابية وغموض الأهداف .

* عدم التفاعل مع العملية التربوية.

* غياب أخلاق المرحلة كالثبات والصبر والثقة والتجرد والتضحية وغيرها.

* ضعف الشعور بالمسؤولية والتبعة.

* بعد الشقة واستطالة الطريق.

* غياب الحرقة وانطفاء شعلة الرغبة في العمل.

* تشوش سلم الأولويات وتدحرج العمل للدعوة إلى مراتب متأخرة إن بقي.

* التآكل الروحي والتربوي والإيمانية والخلل في الالتزام.

* انسداد شهية العمل ، وعدم التلذذ ببذل الجهد في سبيل الله.

* فقد طعم التعب والاجتهاد في ميادين العمل المختلفة.

* تبلد الحس بحقيقة الانتماء للدعوة وللحركة ، وضمور عناصر الولاء لها.

* غبش في صورة العزة بالمنهج الدعوي وبرودة في الغيرة عليه.

* ضعف المناعة الفكرية والإيمانية والتربوية.

كل هذه العوامل والأسباب وغيرها تدفع إلى القعود والانسحابية والابتعاد عن ساحات العمل ، وصناعة الأعذار لذلك ،ومنه يصبح الواحد من هذا الصنف عبئا ثقيلا على الدعوة وعلى الحركة ، وتصبح تئن من حمله وجرّه ، بدل أن يحملها هو ويرتاد بها الافاق.

فإذا ما انتشرت آفة البطالة في الصف الدعوي والحركي ، فإنها تتولد عنها ومنها آلاف الرذائل على المستوى الفردي والجماعي :(فالصف الذي تنتشر فيه البطالة تكثر فيه المشاغبات)، والبيت الخاوي (الفارغ) يكثر فيه الضجيج ويتضاعف.

فعلى حاملي لواء الدعوة والحركة أن لا يقفوا في منتصف الطريق ، ولا تبرد هممهم وتنطفئ فاعليتهم كلما هبّت عليهم رياح اليأس ،أو تشل حركتهم وينقطع سيرهم وتتغير وجهتهم ، كلما اجتاحتهم أعاصير الفتن ، وهم يعلمون أن:(المكارم منوطة بالمكاره ،والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر من المشقة ،فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجدّ والاجتهاد).

وأن الفراغ للرجالة غفلة، وأن من نواقض العزم طول الآمال وحبّ الراحات ، وأن الأمل لابد أن يصاحبه عمل وإلا كان مجرد أمنية مردودة على صاحبها ، فلقد رأى الحسن البصري رحمه الله شابا يعبث بالحصى وهو يدعو :(اللهم زوجني الحور العين) ، فقال له: بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت تعبث بالحصى).

فنحن كذلك لا يحق لنا ، بل لا يمكن لنا أن نخطب ودّ التمكين والتغيير والإصلاح ، ونحن نلهو بما هو أحطّ من الحصى ، ونحن بطالون كسالى متفرجون وكفى ، إذ لابد للخاطب من مهر يقدمه ،ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر، وكما قال الداعية حسن رحمه الله:

( أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعدَّ عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه، وجوانب قلبه فهو دائم التفكير عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا إن دُعيَ أجاب وإن نُودي لبى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجدُّه ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وأرادته يُجاهد في سبيلها تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزيمة صادقة، وهمة عالية وغاية بعيدة، ذلك شأن المجاهدين من الأفراد والأمم، فأنت ترى ذلك واضحًا جليًا في الأمة التي أعدت نفسها للجهاد تلحظه في مجالسها، وأنديتها وتراه في أسواقها وشوارعها وتستشعره في مدارسها وبيوتها وتستجليه في شبابها وشيبها ونسائها ورجالها، حتى ليخيل إليك أنَّ كل مكان ميدان، وكل حركة جهاد.

أستطيع أن أتصور هذا لأن الجهاد ثمرة الإدراك يولد الشعور، وينفي الغفلة، والشعور يبعث على الاهتمام واليقظة، والاهتمام يؤدي إلى الجهاد والعمل، ولكل ذلك آثاره ومظاهره.

أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب في عداد المجاهدين.

والأمة التي ترى كل حظها من الجهاد كلمات تُقال أو مقالات تُكتب، ثُمَّ إذا فتشت قلوب القوم وجدتها هواء، وإذا خبرت اهتمامهم بالأمر رأيته هباءً، وانغمسوا في غفلة لاهية ونومة عابثة فمحالهم وأنديتهم ومجامعهم وبيوتهم لا ترى فيها إلا لهوًا ومجونًا وعبثًا ودعابةً ولعبًا وتسليةً وقتلاً للوقت في غير فائدة كل هَمّة أحدهم متعة فانية أو لذة زائلة أو ساعة مرحة أو نكتة مستملحة فهذه الأمة الهزل أقرب منها إلى الجد بل لا حظَّ لها في الجد أبدًا).

فالبطالة طريق الإفلاس ، أما الريادة والقيادة والسيادة فلا تنال إلا بالجدّ والاجتهاد ، ولا يتوصل إليها إلا بكم هائل من التضحيات ثبت ذلك عمليا على مدار التاريخ كله ،وابن الدعوة والحركة المفروض فيه أنه حلقة في السلسلة الذهبية من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والعلماء والدعاة العاملين ، فلا يمكنه أن ينال شرف الانتساب ، ويمنح بطاقة الانخراط والانتماء إلا إذا قدم الثمن ، وقد كان العلامة ابن القيم رحمه أكثر صراحة مني لمّا عدّ ادعاء الانتماء إلى هذه السلسلة المباركة دون تقديم الدليل العملي على ذلك من تخنّث العزم فقال:( يا مخنث العزم أين أنت والطريق طريق ، تعب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورمى فى النار الخليل ، وأضجع للذبح اسماعيل ، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث فى السجن بضع سنين ، ونشر بالمنشار زكريا ، وذبح السيد الحصور يحيى ، وقاسى الضر أيوب ، وزاد على المقدار بكاء داوود ، وسار مع الوحش عيسى ، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم ، وتزهو أنت باللهو واللعب).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ