حمدادوش ناصر

من السّاحات الفكرية الرّحبة التي أفرد لها القرآن الكريم مساحاتٍ تعبيريةً واسعة: فقه السُّنن، إذ كانت هناك حمولاتٌ دلاليةٌ ومعرفية مكثّفة ومتنوّعة عنه، لإرساء القواعد الفلسفية والمنهجية لحركة الإنسان في الحياة، فأصبح من مميّزات الخطاب القرآني أنه خطابٌ سُننيٌّ بامتياز، يعبّر عن القانون الذي يحكم الكون والإنسان والحياة، ويثبت طبيعة الحضور الإلهي في الوجود، ويؤكّد على حجّية هذه السُّنن ومصدريتها ووظيفتها، حتى أصبحت معرفةً سُننيةً أصيلة.

فلقد وردت لفظة “السُّنّة” باشتقاقاتها المختلفة في القرآن الكريم: 16 مرّة، في: 10 سور (5 مكّية، و: 5 مدنية)، ومن اللّطائف اللّغوية لها أنّها وردت في بعض المواضع بالتّاء المفتوحة، مثل قوله تعالى: “فهل ينظرون إلاّ سُنّتَ الأوّلين، ولن تجد لسُنّتِ الله تبديلاً، ولن تجد لسُنّتِ الله تحويلاً”.(فاطر:43)، ومن أسرار ذلك – كما قال بعضُ مفسّرينا – أنّ مقتضاها: فِعْلاً وأثرًا يتعلّق بمسار وطبيعة حركة السُّنّة، وظهور تجلّياتها الفورية في الوجود.

ويكون استجلاءُ هذه السُّنن باستنطاق التاريخ، والتفكّر في قصص الأوّلين، والنّظر في آيات الأنفس، ومشاهدة أسرار الكون، واستقراء خفايا الوقائع، والتأمل في أحوال الظّواهر، والتدبر في مآلات الأحداث، وهي التي ستبيّن قدرة الله تعالى وطريقته في معاملة الخلق.

ومع أنّ هذه السُّننَ هي سُننٌ إلهيةٌ في الكتاب المسطور أو في الكون المنظور إلاّ أنّ استدعاءَها وحضورَها الواقعي هو كسْبٌ إنسانيٌّ وفعلٌ بشريٌّ، وهو ما يرتّب المسؤولية على الإنسان في مدى التعاطي معها والاهتداء إليها والعمل بها.

ومن هذه السُّنن الإلهية: السُّنن النّفسية والاجتماعية والتاريخية، التي لها صفة العموم والشّمول، والثبات والدوام، والإطراد والاستمرار، وهي مرتبطةٌ بفعل الإنسان وأثره في الحياة، ومنها: سُنّة التدافع، التي تمارسُ دورًا مصلحيًّا ورقابيًّا على مكوّنات المعادلة الاجتماعية، وتحمل مضمونًا وغايةً خيريّةً للإنسانية، والتي يُحفظ بها صلاحُ العمران البشري، ويُزال بها الفسادُ عن الأرض، ويُحافَظُ بها على الحيوية في الكون، وتُدْفع بها الطاقاتُ نحو التنافس، وقد قال تعالى عن هذه السُّنّة: “ولولا دفْعُ الله النّاس بعضها ببعضٍ لفسدت الأرض، ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين”.(البقرة:151)، وكما أنّها تحافظ على الدّنيا من الفساد في هذه الآية، فإنّها تحافظ على الدّين والقيم الإنسانية من الانهيار في آيةٍ أخرى، في قوله تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”. (الحج:40).

ومع أنّ لفظة “التدافع” تحمل معنى المفاعلة والحِراك بقوّة، إلاّ أنها أبلغ من لفظة “الصّراع” أو “التصادم”، التي تحمل مضمونًا عنفيًّا استئصاليًّا وعدَميًّا، فهي لفظةٌ عميقةٌ وموحِيةٌ بالتحفيز والتفاعل والتنافس والتنوّع والتعدّدية، بل وحتى بالتعاون والتكامل، وهي لا تحمل – بالضّرورة – معنى التدافع العنفي المادّي بالقتال، بل تحمل كلّ أنواع المقابلة والمعارضة بين مختلف الثنائيات الفكرية أو الثقافية أو السّياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، من أجل الصّلاح والإصلاح، وقد تنقل الخصم من موقع العدوّ الهائج إلى درجة الوليِّ الحميم، كما قال تعالى: “ولا تستوي الحسنة ولا السّيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنّه وليٌّ حميم”. (فُصّلت:33)، فهي تهدف “بالمعنى القرآني” إلى تصحيح الاختلالات بين المختلفين، والوصول بهم إلى التوازن والعدل والصّلاح، بمضمون الحمولة الدلالية للتدافع التفاعلي الإيجابي بينهم، بما يساهم في إعادة بناء فاعلية الإنسان في الاتجاه الصّحيح.

ومع أنّ القرآن الكريم يؤكّد على حقيقةٍ تاريخيةٍ وأزلية، وهي أنّ “الآخر” يلجأ دائما إلى القوّة في محاربة الدّين، ويعتمد على العنف في استئصال الفكرة، ويعطي للتدافع صبغةً دينيةً للتعبئة والحشد والتبرير، كما قال تعالى: “وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ..”(البقرة:217)، إلاّ أنّ الإسلام يعتمد “الإختيار” في مجال الاعتقاد والفكر، فقال تعالى: “لا إكراه في الدّين..” (البقرة:256)، ويعتمد تدافع الحجّةِ بالحجة بالتي هي أحسن، كما تعالى: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن..” (العنكبوت:46)، ويعتمد “العدل والإحسان” مع المخالفين في إطار التعايش السّلمي، كما قال تعالى: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أنْ تبرّوهم وتقسطوا إليهم..” (الممتحنة:08)، ولا يعتمد القوّة إلا في إطار الدّفع والرّدع، كما قال تعالى: “.. وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ”. (البقرة:191).

ولذلك فإنّ هذا التدافع يستوعب كلّ مراحله ويستغرق كلّ أنواعه حسب فقه الواقع وضرورات المرحلة، مثل: الحوار والجدال والمناظرة والمنافسة والمواجهة والمغالبة والصّراع والقتال.

وهو إرادةٌ ربّانيةٌ وسُنّةٌ إلهيةٌ ماضيةٌ في البشرية، ولذلك أضافها الله تعالى إليه بقوله في الآيتين: “دفع الله”، وهي ثابتةٌ ومطردةٌ في العلاقات البينية المتمايزة بين الحضارات أو الثقافات أو المجتمعات أو الجماعات أو الأفراد، من أجل تحقيق الفاعلية الاجتماعية والفعل الحضاري، ولو كانت بمشقّتُها مصادِمةً لإرادة الإنسان، الذي يميل إلى الرّاحة ويطلب العافية، كما قال تعالى: “كُتِب عليكم القتال وهو كرْهٌ لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم..”(البقرة:216).

وهذه السُّنّة هي نتيجةٌ حتميةٌ لاختلاف البشر وتنوّع إراداتهم وتنازع رغباتهم وتصادم طموحاتهم، وهي شرطٌ أساسيٌّ للتجديد والتطوير والتغيير، فيقول “ابن خلدون” في مقدّمته: (التنازع عنصرٌ أساسيٌّ من عناصر الطبيعة البشرية، فكلُّ إنسانٍ يحبّ الرئاسة، وهو لا يتردّد عن التنازع والتنافس إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك..”.

والتدافع – وفق التصوّر الإسلامي – لا يعني الهيمنة المادية والعسكرية لإبادة الآخر، ولا التبعية والذوبان المطلق فيه، بل هي امتلاكُ القوّة الذاتية، وفاعلية المنظومة القيمية، والمقاومة الثقافية والحضارية، والرّدع العسكري والمادي، ليبقى هذا التدافع بين أهل “الخير والشر”، وبين أهل “الحق والباطل”، وبين أهل “الصلاح والفساد” مستمراً ودائماً في مسيرة البشرية، وفق إرادة الله في خلقه، كما قال: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ – إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ – وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ..”(هود:118)، وهو ما يعني أنّ “التعدّدية” تهزم “الآحادية”، وأنّ “الدّورات التاريخية” تهزم مقولة “نهاية التاريخ”، وأنّ التثاقف الحضاري يهزم هيمنة الحضارة الواحدة، وأنّ العالم متعدّد الأقطاب ينهي الآحادية القطبية في النّهاية.

والتدافع يكون بين الحضارات، كما يكون بين الدّول، كما يكون داخل الدّولة الواحدة بين السّلطة والمعارضة، كما يكون داخل الحزب أو الجماعة الواحدة.

والعبقرية ليست في القضاء على الخِلاف – فلن يزيده ذلك إلاّ تأجّجاً، بل في إدارته وفي ترسيخ ثقافة الحوار وفقه الاختلاف، وفي تحويله من تهديدٍ إلى فرصةٍ للاستفادة من التنوّع، في إطار التكامل وتبادل الأدوار، وفي إطار توزيع الطاقات على مجالات الاختصاص المختلفة.

ــــــــــــــــــــــــــــ