فتحي يكن

الملل والسأم والضجر، من الظواهر المرضيَّة التي يمكن أن تصيب العمل الإسلامي والعاملين للإسلام، وقد تدفع بهم في النتيجة الى قعر الإحباط واليأس!

و إنَّ أيَّ حالة ركودٍ وعدم تحرُّكٍ، وجمودٍ وعدم تطوُّرٍ، وقعودٍ وعدم تجدُّدٍ، ستنتهي حتمًا بالتوقُّف، وهي ستموت، ولن يُكتَب لها الحياة بحالٍ من الأحوال!

سبب ذلك أنَّ التجديد والتجدُّد، والتطوير والتطوُّر، سنَّةٌ إلهيَّةٌ لاستمرار الحياة.. وبدونها لا تكون حياةٌ ولا استمرار لهذه الحياة.. حتى الإسلام - وهو منهج الله تعالى ورسالته الخاتمة - تجري عليه هذه السنَّة، التي هي سبب استمراره وحفظه، والتي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنةٍ مَن يُجدِّد لها دينها" رواه أبو داود، ورجاله ثقات.

الفصول الأربعة، هي حالة من حالات التجدُّد المناخيِّ اللازم لاستمرار الإنسان والحياة.

تعاقب الليل والنهار هو حالة تجدُّدٍ عضويٍّ ومعنويٍّ للإنسان والحياة.

الحياة الأسريَّة، والعلاقة الزوجيَّة، لابدَّ لها من تجدُّدٍ حتى تستمرَّ متألِّقةً متجانسةً وسعيدة، وعدم حصول ذلك يمكن أن يفسخها ويدمِّرها.

إنَّ كلَّ ما في الكون من مخلوقاتٍ لا يمكن إلا وأن يخضع لهذا القانون الإلهيِّ ليتمكَّن من المحافظة على ديمومته واستمراره.

الإيمان نفسه - الذي يمثِّل حالة العافية العقديَّة لدى الإنسان - هو يخضع أيضًا لنفس المعادلة، والحديث النبويُّ يؤكِّد ذلك على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فسلوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم" رواه الطبراني بسندٍ حسن، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنادون لتجديد الإيمان.

والصلاة ما لم تتجدَّد من خلال تنوُّع القراءة، وتحسُّن التلاوة، وتنامي الحضور، يمكن أن تفقد طعمها وأثرها وبالتالي يُعطَّل دورها كأداة للتربيةٍ ووسيلة للتزكية، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر).

وإذا عدنا الى المشكلة المطروحة، والمتعلِّقة بالملل الذي يشعر به أحدنا إن كان مسئولاً عن إدارة مجموعةٍ وتعهُّدها بالتوعية والتوجيه، لطالعتنا نفس العلَّة، ومَثُلت أمامنا الأسباب.

فالشخص الذي لا يتغيَّر، ويبقى هو نفسه الذي يعطي ويتابع ويدير، بالرغم من تغيُّر المراحل والظروف، سيكون مدعاةً لملل الآخرين منه وملله منهم.

والموجِّه والخطيب والداعية والمرشد الذي لا يقدِّم جديدًا سيكون مملاً في توجيهه وخطبته وإرشاده، ومثل هؤلاء كمثل الطبيب الذي إن لم يسعَ دائمًا وباستمرارٍ إلى زيادة ثقافته الطبيَّة، ومتابعة مستجدَّات المهنة سيصبح تقليديًّا بالتالى، ويعيش على هامش الحياة الطبيَّة، وشأنه كذلك كشأن المهندس والمحامي والصناعي والتاجر والمعلِّم وغيرهم إذا هم رضوا بواقعهم ولم يعملوا على التجديد والتطوير في إمكاناتهم.

إنَّه لابدَّ من إعادة النظر في المربِّي، ومنهج التربية، وآلية ووسائل التربية، وفي تغيُّر المكان والزمان، فليست كلُّها سواء.

وفوق هذا وذاك فمطلوبٌ من المربِّي، أن تكون تربيته بلسان حاله قبل لسان مقاله، ذلك أنَّ لسان الحال أوقع من لسان المقال، وصدق عليُّ بن أبي طالبٍ حيث يقول: "من نصَّب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلم نفسه ومهذبها أحقُّ بالإجلال من معلِّم الناس ومهذبهم".

وهذه المشكلة تعكس حالة الجمود وعدم التجدُّد في واقع العمل الإسلامي المعاصر، فضلاً عن التخلُّف عن واقع العصر وعدم الأخذ بالأسباب والإمكانات المتوافرة فيه.

إنَّ السبب الرئيسي لهذه المشكلة يكمن في سوء فهم المقاصد التربويَّة والدعويَّة، وبذلك تبقى "التربية" استفادةً بدون إفادة، كما تبقى "الدعوة" أخذًا بدون عطاء.

أمَّا المنهج الإسلامي - قرآنًا وسنَّةً وسيرةً وتاريخًا - فيَعتبر العطاء ثمرة الأخذ والتلقِّي، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "بلِّغوا عنِّي ولو آية" رواه البخاري والترمذي.

وهل أدلّ على هذا المعنى من قوله تعالى: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ)؟.

وفي ضوء هذا التصوُّر تصبح "التربية" كما "الدعوة" مفرداتٍ في إطار "المشروع الإسلاميِّ" الذي يهدف إلى إصلاح وتغيير الواقع الاجتماعيِّ، كما يصبح لكلِّ فردٍ دوره في هذا المشروع.

النظريَّة التربويَّة:

إنَّ هذه الاعتبارات الموضوعيَّة وغيرها تفرض على الحركة الإسلاميَّة أن تعمل على إعادة النظر في نظريَّتها التربويَّة، وتعمد إلى تطويرها بما يتكافأ والدور الموكول إليها.

إنَّ النظريَّة التربويَّة للمشروع الإسلاميِّ يجب أن ترتقي من إطار تربية الشريحة إلى مساحة تربية الأمَّة، وإلى نظريَّةٍ تصلح لأن تُبنى عليها السياسات التربويَّة في المؤسَّسات الأهليَّة والرسميَّة على حدٍّ سواء.

النظريَّة الدعويَّة:

وما يُقال عن ضرورة إعادة النظر في النظريَّة التربويَّة يجب أن يُقال كذلك في النظريَّة الدعويَّة، تربيةً وخطابًا وأداءً ونهجًا ووسائل وآليات.

لم يعد جائزًا بقاء الدور الدعوي محصورًا في خطبة الجمعة والمناسبات التاريخيَّة - على كبير أهمِّيتها وقيمتها - فالمجتمع من حيث المساحة يتعدَّى مساحة المسجد والقاعة أو المنتدى، والدعوة يجب أن تصل إلى كلِّ موقعٍ وتبلغ كلَّ قطاع، ليتحقَّق الشهود العام على الناس، أفرادًا ومؤسَّسات، (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).

والنظريَّة الدعويَّة - منهجيَّة ومادَّة - غير محصورةٍ بطبقةٍ معيَّنةٍ من الناس، فهي ليست وظيفة علماء الشريعة وحدهم - على سبيل المثال - وإنَّما هي وظيفة الجميع في كلِّ مواقعهم واختصاصاتهم ومنابرهم.

من خلال هذا التصوُّر يبقى المسجد منبرًا دعويًّا رئيسيًّا، مضافًا إليه المنبر التعليميُّ "المدرسيُّ والجامعيُّ"، والمنبر الإعلاميُّ، والمنبر الاجتماعيُّ الخيريُّ، والمنبر النيابيُّ والسياسيُّ، وسائر المنابر الأخرى.

إنَّ النظريَّة التربويَّة والدور الدعويَّ يجب أن يتجاوزا حدود الشريحة الإسلاميَّة الواحدة ليبلغا آفاق الأمَّة الإسلاميَّة، فضلاً عن آفاق العالم أجمع، تحقيقًا لعالميَّة الخطاب القرآني الدعوي: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

ــــــــــــــــــــــــــ