محمد سراج الدين

التربية هي صناعة الإنسان النبيل, والإنسان النبيل هو إنسان قوي أخلاقياً!.

إنّه يفعل الشيء الصحيح للسبب الصحيح, إنّه يعرف الفرق بين ما هو صواب وما هو خطأ, ويحاول دائماً فعل ما هو صحيح, حتى وإن لم يكن يراه أحد!.

والواقع أنّ الحديث عن تربية الإنسان النبيل هو ببساطة حديث عن المعرفة, والحب, والعمل ( معرفة الحق, وحب العدل, وعمل الخير ).

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان النبيل هو باختصار: مجموعة أخلاق متحركة! وشعاره: ( السعي للنجاح بشرف في الحياة, والأمل في الجنة برحمة الله ).

وإنّ أروع أنموذج في الوجود، وأحسن أسوة للإنسان النبيل هو رسولنا صلى الله عليه وسلم, حيث يقول الله عز وجل في وصفه: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) سورة القلم، الآية: 4.

ويبشّرنا الله سبحانه وتعالى بقوله: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) سورة التوبة، الآية: 128.

وعندما سُئِلَتْ السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجابت سائلها قائلة: " كان خُلُقُهُ القرآن. أما تقرأ القرآن؛ قول الله عزّ وجل: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ). سورة القلم، الآية: 4. ". رواه أحمد في عدة مواضع، وورد بهذا اللفظ برقم (24080).

والواقع أنّ القارئ للسيرة النبويّة المطهرة يستطيع أن يكتشف بسهولة أنّ نبي الرحمة كان انعكاساً أصيلاً للنُبْلِ في أسمى معانيه, هذا بالإضافة إلى أنّ أحد المثقفين الغربيين قد أصدر كتاباً عن أعظم مائة إنسان في تاريخ البشرية! وذكر فيه بإنصاف أنّ رسول الإسلام؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، هو بالفعل الإنسان الكامل! فاختاره ليكون ترتيبه الأول على رأس قائمة هؤلاء العظماء, حيث أنّه كان - وبكل المقاييس - أنبل من سار على وجه الأرض, ولذلك فقد جعله الله المثل الأعلى للإنسانية، والذي يجب أن يحتذى به في العمليّة التربويّة لصناعة الإنسان النبيل حيث يقول الله عز وجل ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ). سورة الأحزاب، الآية: 21.

ومن هنا فإن أفضل استثمار في مستقبل وطننا الغالي هو: ( صناعة الإنسان النبيل! ) وذلك من أجل الحفاظ على ثروتنا الإنسانيّة الحقيقيّة؛ وهي أطفالنا وشبابنا, الذين يشكّلون أهم موارد التنمية الشاملة لبناء المستقبل المشرق، ونشر ثقافة السّلام في الإسلام, وبالتالي فإن هناك حاجة مُلِحّة لمشروع تربويّ للتعليم، وتطبيق قيم الإنسان النبيل، وتنمية قدرته على اتخاذ قرارات أخلاقية راقية ومفيدة, وأن يستفيد من هذا المشروع الملايين من أطفالنا وشبابنا.

وكما نعلم فإنّ كل شيء نقوله أو نفعله يعكس اختياراً وقراراً, ومن ثَمَّ فإنّ شكل حياتنا يتوقف على كيفية اتخاذنا لقراراتنا، وخاصة القرارات الأخلاقيّة التي تتطلب القدرة على التمييز بين الاختيارات والبدائل المتاحة لخدمة الوطن والمواطنين، وتحقيق الأمن والأمان والاستقرار.

وهذه الرؤية التربوية تتطلب التدريب على تطبيق مجموعة من القيم الجوهرية والتي أسميها: ( القيم الخمس لتزكية النفس ) وهي: الأمانة, والعدل, والمسؤولية, والاحترام، والرحمة.

وكما يبدو لي فإنّ هذه القيم الخمس هي أساس اتخاذ القرارات الصائبة لبناء الحياة الطيّبة, وهي محور المشاركة الجادّة في تحقيق التقدّم الحضاري للوطن, كما أنّها وسيلة تربويّة إيجابيّة للإسهام في صناعة الإنسان النّبيل, وهذه القيم تركّز على ثلاثة عوامل حيويّة في اتخاذ القرارات وهي: التمييز, والانضباط، والفاعليّة.

ومن الجدير بالذّكر أنّ نجاح مشروع غرس وتطبيق قيم صناعة الإنسان النبيل ليس عملية سهلة, ولكنّها تستحق المحاولة المستمرة, كما أنّ النجاح لا يتوقّف على المعرفة وحدها, بل على إحياء ثقافة الفعل والعمل بروح الفريق.

ولنتذكر دائماً أنّ الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح لنهضة الأمة هي تنمية السلوك الأنيق، وإطلاق طاقة الخير الكامنة في داخلنا، نحو مستقبل أكثر إشراقاً وتفاؤلاً؛ يحقق لنا النجاح والسعادة وفقاً لمراد الخالق من المخلوق.

ــــــــــــــ