عبدالرزاق السيد

الحمد لله رب العالمين الذي هدانا للإيمان، وأكرمنا بالإسلام، ووفقنا للطاعات، وجعلنا من المسارعين إلى الخيرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، حرَّم اليأس وندَّد بالقنوط، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أمرنا بالتيسير والتبشير  فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحْبه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أهمية الحديث عن اليأس

أيها المؤمنون: وصفٌ موبِـق، جاءت الشريعة بذمِّه والتحذير منه وبيان خطورته، إذا سيطر على القلوب أهلكها، وإذا ولج إلى النفوس أعطبها، معدودٌ في كبائر الذنوب وعظائم الآثام؛انه خُلقٌ رديءٌ إذا دخل إلى نفس البشرية وعشش وسكن بها فإنه مؤذنٌ بالهلاك إنه خُلق الظالمين، إنه خُلق الكافرين، هذا الخُلق يجب أن يكون أبعد شيءٍ عن حياة المؤمن، إنه اليأس، "اليأس القنوط العجز التشاؤم" كلها صورٌ لمعنى واحد؛ ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى أن يتسلل اليأس لقلوب العباد المؤمنة، فإن اليأس إذا تسلل إلى قلب العبد المؤمن أقعده.

تحذير القرآن لنا من اليأس:

لقد جاء التحذير من اليأس في القران: سواء على الصعيد الفردي، أو على الصعيد الجماعي:فعلى الصعيد الفردي يقول تعالى:﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

وعلى الصعيد الجماعي يقول تعالى:﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين ﴾ [آل عمران: 139-141 كما يرد التحذير من اليأس، ببيان أنه من صفات غير المؤمنين بالله تعالى المقرين بكمال علمه وكمال حكمته وقدرته يقول تعالى حكاية لقول يعقوب – عليه الصلاة والسلام-:﴿ يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِن روح الله ) ولقد نهى الله تعالى وحذر من القنوط الذي هو من معاني اليأس فقال:﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ﴾[الحجر:56{فلا يقنط إلا هؤلاء الذين لا علم لهم بربهم وكمال اقتداره، وأما من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه؛ لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئاً كثيراً  ذلك أن الإيمان يدفع بالمؤمن إلى العلم بقرب الفرج من الله وأن رحمته بعباده آتية فهو الولي الحميد المسيطر على الأقدار كلها ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى:28].

واليأس يعد من الطبائع البشرية التي ابتلي بها الناس يقول تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: 9-11{ويقول سبحانه ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[الروم: 36-37)يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرخاء والشدة، أنهم إذا أذاقهم الله منه رحمة من صحة وغنى ونصر ونحو ذلك فرحوا بذلك، فرح بطر لا فرح شكر .

أسباب الوقوع في اليأس:

السبب الأول: قلة الأتباع وكثرة الأعداء:

فرؤية الناس وقد أعرضوا عن طريق الحق الذي يعتقده الإنسان، والوحشة التي يجدها لانفراده مع قلة الناس، والغربة التي يعاني منها في مجتمعه مع كثرة المخالفين له المناهضين لمنهجه قد تسمح لليأس بأن يتغلغل في داخله.

وهذا السبب إنما ينتج عن أمور منها:

 1-الجهل بحقيقة أن الهادي هو الله تعالى وحده، الذي لو شاء لهدى الناس جميعاً، إذ الكافرون لا يزالون على غيهم وإعراضهم مع نوالي الآيات، قال تعالى:﴿ أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ الرعد:31].

2-عدم التصور الواضح لطبيعة السير إلى الله تعالى، وهو أن شأن طريق الحق قلة أهله، وأن شأن طريق الباطل كثرة أهله، وشواهد ذلك من القرآن والسنة وسير الرسل غير منحصرة ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام:116].

السبب الثاني: استمرار المحنة، وتأخر النصر:

حيث يرى المسلم المسلمين وقد اشتدت بهم المحن والأرزاء، فلا يكادون يخرجون من محنة إلا ويدخلون محنة أعظم وأخطر، بل ربما كان المرء نفسه يعاني من محنة خاصة في نفسه وأهله وخاصته، يقول الله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف:110].يخبر تعالى أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل، حتى إن الرسل – على كمال يقينهم وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده – إن الرسل قد استأخر عنهم النصر، ولكنه جاءهم بعد جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة من قبلهم﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام:34] فلم يستسلموا لليأس والقنوط لعلمهم بأن والامتحان والابتلاء سنة من سنن هذا الدين .

السبب الثالث: التوهم:

إن التوهم لحجم قوة الأعداء وأنهم يملكون من القوة والقدرة ما لا يملكها أهل الإسلام، وما قبل لهم به، وأن سطوتهم تصل إلى كل أحد، كل هذا يكون سبباً في بث روح اليأس والوهن والقنوط لدى كثير من الناس.

إنه عند وقوع هذا التوهم في النفوس، يجب أن نستحضر الحقائق الآتية:

الأولى: أن القوة والعزة بيد لله جميعاً، قال تعالى:﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾[فاطر:10].﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ [النساء:139].﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون:8].

الثانية: أن النصر منه سبحانه وبيده وحده، ولكن النصر من الله تعالى موقوف على عمل العباد، قال تعالى:﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران:126].﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج:40].﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران:160].﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾[محمد: 7

خطر اليأس في حياتنا :

أيها المسلمون:إن اليأس والقنوط يفعل فعله في النفوس، فيحطم حيويتها ونشاطها، ويدخل الوهن والخوف، فيصاب الإنسان بالشلل والعجز وقد يصل الأمر إلى عجز تام، وقل ذلك أيضاً في حال الأمة.

أو قد يدفع البعض وقد اعتراه يأس من حاله أو حال أمته - فهو مشتت الذهن مضطرب الفكر والسلوك - إلى فعلٍ لا يقره شرع ولا عقل، فيعيث فساداً في الأرض، فيقتل النفس التي حرمها الله ، فيجترئ على نفسه فيقتلها، فكان حكمه حكم المنتحر، أو على الأنفس المعصومة قتلاً فيكون حكمه حكم الباغي أو المحارب أو الخارجي كل بحسب حاله وصفه.

لكن ومهما تلاحقت الخطوب, وتتابعت الكروب, فإن نصر الله قريب ليس ببعيد, وكيد الشيطان ضعيف ليس بشديد, والعاقبة لجند الله؛ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأرْضِ) [الرعد:17]، وقد كتب الله: (لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة:21].

كيف نتغلب على اليأس في حياتنا؟

إن اليأس مرض من الأمراض التي تصيب النفوس فتقف عاجزة عن إدراك المعالي ومن هنا فإننا نضع خطوطًا عريضة ونقترح بعض الوسائل التي نرجو أن تكون نافعة في علاج هذه الآفة، ومنها:

1 - تعميق الإيمان بالقضاء والقدر بمفهومه الصحيح، وتربية النفس على التوكل على الله، ونعني بذلك أن يعتمد القلب في تحقيق النتائج على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وبذل الجهد الممكن للوصول إلى الأهداف المنشودة.

2 - تنمية الثقة بالنفس، والاعتماد على الذات في القيام بالأعمال، وتحمل المسؤولية عن نتائجها بغير تردد ولا وجل.

3 - اليقين بالقدرة على التغيير إلى الأفضل في كل جوانب الحياة ومطالعة تجارب الناجحين في شتى الميادين.

4 -  قراءة قصص الأنبياء والصالحين الذين غير الله بهم وجه الحياة والتعرف على الصعاب والمشاق التي واجهوها بعزم صادق وقلب ثابت، حتى أدركوا مناهم بحول الله وقوته.

5 -  اليقين بأن الاستسلام لحالة اليأس لن يجني صاحبها من ورائها إلا مزيدًا من الفشل والتعب والمرض، وأن البديل هو السعي والجد وتلمُّحُ الأمل.

إذا اشتملت على اليأس القلوب** وضاق لما به الصدر الرحيبُ

وأوطأت المكاره واطمأنت **وأرست في أمكانها الخطوبُ

ولم تر لانكشاف الضر وجهًا **ولا أغنى بحيلته الأريبُ

أتاك على قنوط منك غوثٌ **يمن به اللطيف المستجيبُ

وكل الحادثات إذا تناهت **فموصول بها الفرج القريب

ــــــــــــــــــــ