داود الحدابي

مفهوم النفع: اللذة في تنفيذه أو التسبب في تحقيقه.

مفهوم النفع كلمة تدل على التعدي خارج نطاق الذات، أي أنه نشاط ينقل الفعل من الشخص إلى الآخرين.

ومن الملفت للنظر أن كلمة نفع ومشتقاتها قد تكررت في القرآن خمسون مرة للدلالة على أهميتها في الحياة. والأكثر عجباً أن هذه الكلمة ومشتقاتها تحمل دلالة واحدة فقط فلا أشباه ولا نظائر لها. فهي تعكس تقديم النفع للآخرين وتلبية حاجاتهم وتحقيق مصالحهم. وقد أكد العلماء أن تعريف النفع هو الشعور باللذة في تقديم المنافع للآخرين أو التسبب في تلبيتها، وهو عكس الشعور بالألم أو تحقيق الضرر. وكأن فعل النفع يجب أن يسبقه مشاعر إيجابية ومتعة ورغبة في خدمة ونفع الآخرين.

وكلمة نفع كلمة تشمل كل أنواع المنافع العقلية والنفسية والوجدانية والجسمية بل حتى ما تعلق بالشكل الخارجي ومظهر الإنسان.

فكل ما لبى مصالح الناس ويسعدهم يكون أمراً نافعاً. فباب النفع باب مفتوح وواسع وليس مقصور على جانب دون آخر.

ومن المعلوم والمسلم به أن الأعمال المتعدية لتحقيق منافع الناس بغض النظر عن لونهم وثقافتهم ولغتهم ودينهم هي الأكثر أجراً ونفعاً.

ولهذا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ربط صفة الخيرية للناس بنفع غيرهم من الناس (خير الناس أنفعهم للناس).

كما أن تحقيق اللذة والمتعة في تقديم الخدمات والمنافع للآخرين تمثل قمة الأخلاق الإنسانية ومصدراً للسعادة لمقدمي المنافع.

وعلينا أن نسأل أنفسنا:

كم من الناس اليوم يشعرون بالمتعة أو اللذة في خدمة الآخرين والتي فعلا تعكس معنى المنفعة كما عرفها العلماء؟

كم من الناس اليوم عززوا وحققوا سعادة الآخرين؟

كم من الناس اليوم بحثوا عن حاجات ومصالح ومنافع الناس وسعوا في تلبيتها؟

إن عملية التطبيع الاجتماعي اليوم وأنظمتنا التعليمية ومؤسساتنا الإعلامية كلها تعمل عكس هذا التوجه فأصبح الناس أكثر حرصاً على المنفعة الشخصية بل والإضرار بمصالح الناس من خلال مواقعهم التي يحتلونها.

إننا في حاجة ماسة إلى تربية أولادنا على قيمة وخلق النفع ومدلوله العظيم الذي يسعد يسعد الآخرين ويسعد الذات في آن واحد.

لقد فقدنا الكثير من القيم وتخلينا عن العديد من الأخلاق وسبل تعزيزها في أولادنا رغم أنها أصل من اصول ثقافتنا العربية والإسلامية.

إن حياتنا أصبحت بعيدة عن الروح الإجتماعية والمواطنة الحقة. فتعززت الذاتية وزادت الأنانية واختفت مشاعر اللذة في خدمة الآخرين والمتعة في تحسس منافع ومصالح من حولنا.

إننا في أمس الحاجة إلى تربية وتشكيل الشخصية الإيجابية والنافعة والتي دوما ما تسعى إلى التعرف على مصالح الناس والعمل مع الآخرين في تحقيق السعادة للجميع.

إن الأصل في ثقافتنا هو المبادرة والنفع وتحقيق المصالح المجتمعية فبتحقيق مصالح المجتمع تتحقق مصالحنا الذاتية. وبغياب النفع للآخرين تغيب مصالحنا.

وعلينا أن نفكر في تحقيق المنافع كل في مجاله فالمعلم يحقق منافع تعليمية وعقلية والعالم في العلوم الطبيعية يسهم في تحقيق ثقافة علمية وإخراج المجتمع من الأوهام والشعوذات وربطهم بالحقائق والمبادئ العلمية وقدرة الخالق وعظمته وتحقيق سلع وخدمات مبتكرة للمجتمع.

وهكذا المهندس والطبيب والمحامي والمدير والموظف وعامل النظافة وغيرهم.

يجب أن تكون رؤية المنافع هي ديدننا وأسلوب حياتنا فهي سبيل لإسعادنا وإسعاد الآخرين.

ومثل هذا يتطلب تحول في الثقافة والنظر للأمور بمنظار آخر يحمل في طياته استشعار دور كل واحد منا في إسعاد الآخرين من أفراد أسرته وأرحامه وجيرانه ومجتمعه المحلي وبلاده وأمته والإنسانية.

إن الأفعال النافعة للآخرين لا تعد ولا تحصى ولها أشكال وصور مختلفة كل في مجاله مهما صغرت أو كبرت فلا تحقرن من المعروف شيئا.

إن مبدأ النفع مبدأ أساسي ومحوري لصحة المجتمعات واستشعارهم للمسؤولية المجتمعية بإيجابية ومتعة، ولا ينظر إليه بأنه أمر محبذ فقط بل واجب على الإنسان فعله من أجل أفراد مجتمعه.

وعلى المؤسسات المجتمعية والتي تشمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والدينية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة أن تسهم في ترسيخ مفهوم النفع نظرية وممارسة كما على الأفراد جميعاً لاسيما الكبار أن يكونوا قدوة للجيل الجديد في ممارسة وتطبيق هذا المبدأ العظيم والذي تنعكس على سعادة ورفاهية المجتمعات لاسيما الفئات التي في حاجة إلى تقديم منافع لها بصورها وأشكالها المختلفة وليس كما قد ينظر إليه البعض بأن المنافع تتعلق بالمأكل والمشرب والملبس والمسكن للمحتاجين. فحاجات ومصالح الناس كثيرة ومتعددة وكلها في حاجة إلى تلبية. فالمصالح مرتبطة بجوانب التنمية الشخصية والمجتمعية كلها مثل تنمية العقول وتعزيز المشاعر الإيجابية وتنمية المهارات والقدرات وتلبية المنافع الإقتصادية والإجتماعية والصحية وغيرها من جوانب الحياة المختلفة. ولا ينبغي حصر المنافع بفئة أو أشخاص فتقدر المنافع بناء على البيئات والأزمنة والجغرافيا.

الباب واسع لتشكيل وتعزيز ثقافة النفع من قبل الجميع دون استثناء وما علينا إلا الولوج فيه والقيام بهذا الدور العظيم وتحقيق هذه القيمة والخلق الرفيع فنشعر جميعنا بالسعادة ونحقق المتعة في تقديم واستقبال المنافع.

أخيرا يبدأ تحقيق المنافع بإيمان بأهميتها ولذة في القيام بها ثم فعل يترجم ذلك إلى خدمة تسعد الآخرين ورسم البسمة في شفاههم والرفاهية في حياتهم.

ــــــــــــــــــــ