التواصل مع الاخر

التواصُل والتفاعُل الثقافي والمعرفي بيْننا - نحن العرَبَ والمسلمين - وبين الغرب أمرٌ بات ملحًّا؛ لما تقتضيه ظروف العصر، ولما تتطلَّبه التغيرات والتحولات الدوليَّة المتسارِعة والمتلاحِقة، التي يشهدها العالَم المعاصِر.

وقد أصْبح هذا أمرًا ضروريًّا، فلا يمكن لعاقِل أن يدعوَ للانزواء والانغلاق، خاصَّة في هذا العصر الذي تحوَّل فيه العالَم إلى قرية صغيرة؛ بفضلِ وسائل الاتِّصالات التي لم يشهدِ التاريخ الإنساني لها مثيلاً قبل ذلك.

وهذا التواصل مبدأٌ إسلامي أرْساه المسلمون الأوائل، وطبَّقوه، واتَّسعت عباءتُهم لكل فكرة فيها خيرُ للإنسانية، واستطاعوا أن ينتقوا ويختاروا مِن هذه الأفكار - بوعي وبصيرة وحسٍّ إسلامي - ما استطاعوا أن يُكوِّنوا به حضارةً لم يشهد التاريخ البشري مثلها.

كما أنَّه أمر مطلوب مِن الأمة شرعًا:

انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]، "فالأمَّة الوسط هي التي تشهَد على الناس جميعًا، فتُقيم بينهم العدْلَ والقسط، وتضَع لهم الموازين والقِيم، وتُبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي المعتمد، وتزِن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرِها، لا التي تتلقَّى مِن الناس تصوراتها وقِيمها وموازينها" .

فكيف للأمَّة أن تكون أمَّةً وسطًا شاهدة على الأمم وهي منغلقة على نفْسها، منزوية بعيدًا عن أحداث الحياة ومتغيرات الواقع؟!

• وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، فكيف للأمَّة أن تباشِرَ واجب هداية الأمم إلى الحقِّ والخير والإيمان، وهي بعيدةٌ عن مسرَح الحياة؟!

• وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13]، ففي التعارُف تفاعُل، وينتج منهما تبادُل المعارِف والخبرات نتيجة التأثير والتأثر.

والتواصُل والتفاعُل مِن أهمِّ السِّمات التي تميَّزت بها حضارتُنا الإسلاميَّة، وتاريخ المسلمين الأوائل شاهِدٌ على ذلك، فقدِ استطاعوا في فترةٍ وجيزة من الزمن أن يَخْتَرقوا بدِينهم وعقيدتهم وفِكْرهم العقلَ والوجدان الغربي، ويُحدِثوا فيه هزَّة رُوحيَّة، ونقلة فِكرية كبيرة، دون أن يتنازلوا عن شيءٍ من عقيدتهم وثوابتهم الفِكرية، وكان مِن أثر هذا الاختراق نبوغُ علماء ومفكِّرين وقادَة ليسوا عربًا، اعتنقوا الإسلامَ، ونبغوا في كافَّة علوم الحياة، سواء اللُّغوية، أو الشرعيَّة، أو العلمية؛ فأفادهم الإسلامُ بأفكاره السامية، وأفادوا هم الإنسانيةَ بخبراتهم المتعدِّدة في كافة نواحي الحياة، تحتَ مظلة الشَّرْع الإسلامي الذي يحمِي العقل من أي انحراف أو شَطَط يضرُّ بمسيرة الحياة.

وتاريخ حضارتنا الإسلامية خيرُ شاهد؛ "فقد شهدتْ مراكز الثقافة الكثيرة كدمشق وبغداد، والقاهرة والقيروان، وقرطبة وبُخارى... وغيرها وفودَ تيَّارات فكرية لا تُحصَى، واستطاعتِ الذهنية الإسلاميَّة أن تهضمها وتتمثَّل خير ما فيها، ثم تنتج مِن نفسها الخاص ومِن كلِّ الروافد التي أخذت منها ما تُريد حضارةً عريقة، ولم تكن تتردَّد أو تخاف مِن أيِّ وافد؛ فهي قادرةٌ على - ما ملكت من بصيرة الاختيار وقوَّة الإرادة - أن تفْحَص كلَّ جزءٍ فيه، وتحكم عليه بما تشاء، فتأخذ ما تُريد، وتدَع ما تريد".

إذًا فالتواصلُ والتفاعل والتبادُل المعرفي والحوار الحضاري بيْن الأمم مِن أهمِّ سمات الإسلام.

الواقع الإسلامي المعاصِر بين التفاعُل والتبعيَّة:

لكن يجب أن نُفرِّق بيْن التواصُل الثقافي والتبادُل المعرفي، وبيْن التبعيَّة الثقافيَّة والفِكريَّة، واللهث وراءَ كلِّ غثٍّ وساقط مِن الفِكر؛ بدعوى مواكبة العصر، وملاحَقة التطوُّر الذي يشهده العالَم المعاصِر؛ إذ الأول أمرٌ محمود كما بينَّا، وأما الثاني فهو أمرٌ مذموم، ونهانا الإسلام عنه؛ إذ الأمَّة الإسلاميَّة مأمورة أن تأخذ زمامَ الرِّيادة الفِكرية والعقدية والمبادرة الدعويَّة؛ انطلاقًا من مبدأ الشهادة الذي أوضحْناه، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لا تكونوا إمَّعةً تقولون: إنْ أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمْنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحْسَن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا ألاَّ تظلموا)).

فالأمَّة الإسلاميَّة منهيَّة عن التبعيَّة المضللة؛ لأنَّ لها ذاتيتَها وخصوصيتها، فهي ليستْ تابعةً لأحد، لكن ينبغي أن يكون لها رأيُها الثابت الذي لا يتبدَّل حسب الأهواء والميول، أو تحتَ ضغْط الظروف والأحوال.

والملاحظ أنَّ بعضًا ممَّن يُنادون بالتبادُل الثقافي والفكري، أو بمعنًى آخَر بالتبعية الثقافيَّة والفكريَّة، ليستْ عندهم الأرضيَّة الثقافيَّة النابعة مِن عقيدتنا وتراثنا الإسلامي، وليستْ عندهم الحصانة الفِكرية التي تحميهم مِن عدوَى الأفكار الخبيثة، التي تسري في الجسدِ دون أن يشعر بها، فضلاً عن أنَّ بعضهم يتحامل على تراثنا الإسلامي، ولا يتعامَل معه، ولا يَنطلِقُ في خطابه مِن ثوابتنا الإسلامية.

وإذا كنَّا نتحدَّث عن التفاعُل والتبادُل، فما الذي قدَّمْناه للغرْب من ثقافتنا النابِعة من أصولنا الأصيلة؟

إنَّ تاريخًا طويلاً مِن الاتصال بالغرب عن طريقِ القنوات الثقافيَّة المختلفة في عالَمنا العربي والإسلامي المعاصِر، يشهد على أنَّنا نأخُذ ولا نُعطي، نتلقَّى ولا نقدِّم، والغريب أنَّنا نأخذ بانبهار دون تريُّث أو تروٍّ، دون تنقيح أو اختيار، نأخُذ الغثَّ قبل السَّمين، والأدْهَى أنَّ بعضًا مِن مثقَّفينا - في المقابل - ينظر باحتقار لتراثنا وأصالتنا الإسلاميَّة والعربيَّة، فأوقعنا ذلك بيْن دائرتي الرَّحَى: الانبهار بالإنجاز الغربي، والاحتقار للموروث العربي والإسلامي، وإنْ قدَّمنا للغرْب شيئًا، فإنَّنا لا نقدِّم إلا الساقط مِن ثقافتنا وتراثنا، فهل هذا بسببِ خجلنا مِن تراثنا وأصالتنا؟! أم هو اللهث وراءَ منافع ماديَّة، ومكاسبَ دنيويَّة، لم نأخذْ مِن ورائها إلا السقوطَ في سلَّة التاريخ؟ يقول د/ عبدالعزيز حمودة: "إنَّ ثنائية الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، واحتقار العقل العربي ومنجزاته - تقَع في قلْب الشرخ الثقافي، الذي يَعيشه الإنسانُ العربي بدرجاتٍ لا تتفاوت كثيرًا مِن جماعة عربية إلى جماعة عربية أخرى، وبدلاً مِن منطقةٍ وسطٍ يأخذ فيها المثقَّف العربي ما يتناسب مع ثقافتِه العربية وتُراثه الطويل، نجد الغالبية تعيش الثُّنائيَّة بكلِّ تناقضاتها وفصامها".

لقدْ وصَل تاريخنا الإسلامي إلى قِمَّة التبادُل والتفاعُل الثَّقافي، ومَع ذلك لم يتخلَّ المسلِمون الأوائل عن شيءٍ مِن ثوابتهم، بل على العكسِ فقد نقَلوا إلى الغَرْب خِبراتٍ ومعارِفَ كثيرةً، ونقَلوا معها فِكرَهم وعقيدتهم، ولا يُنكر التاريخُ استفادةَ العرب والمسلمين مِن بعض الثقافات التي كانتْ معروفةً وقتذاك؛ ولأنهم كانوا يَملِكون بصيرةً واعيةً تفرِّق بين الغثِّ وبين السمين، بيْن الضارِّ وبين النافع، وكانوا على وعيٍ بأنَّ حرب الأفكار وغزو العقول قد يكون أشدَّ بكثير مِن غزو الجيوش، فكانوا يأخذون بمبدأ المبادرة، ومبدأ التنقيح والغربلة للأفكار التي تَفِد إليهم مِن مختلف الثقافات، فهناك معارفُ تلتقي عليها الشعوب جميعًا وتتَّفق معها، وهناك معارفُ وثقافات إنْ ناسبتْ بيئةً مِن البيئات، فإنَّها ليستْ - ضرورة - تناسب كلَّ البيئات.

إنَّنا حين نتحدَّث عن تواصل معرِفي، وتفاعل ثقافي، يجب أن نُدرِك أمورًا كثيرة، لعلَّ أهمها: أن نعِي أنَّنا ننتمي إلى أمَّة لها خصوصيتها، وأنَّنا نؤمِن بدين له تفرده وله ثوابته، التي لا تحتمل نقاشًا أو إبداءَ رأي، فحين نتحدَّث عن التفاعُل الثقافي يجب أن ننطلق مِن ثوابتِ دِيننا، ولا نفرِّط في اعتقادنا وأصولنا الفكريَّة التي نرتكِز عليها.

فمِن العبث أن نحاور الآخَرَ وفينا مَن يتهِم الفكر الإسلامي بالقصور، أو يتطاول على تراثنا وينال منه، أو يُنادي بالتخلِّي عن موروثنا الثقافي والعقدي لأنَّه لا يناسب العصر، فهذه أمورٌ بدهية يجب أن ننتبهَ لها وينتبه مثقَّفونا لها.

إنَّ الآخَر لا يحترمنا ولا يَستمع لنا إلاَّ إذا احترمْنا دِيننا وعقيدتنا وتراثنا، وانطلقنا في حوارنا معه مِن ثوابتنا الفِكريَّة والعقديَّة، حينها سيسمع منَّا، ويُنصِت لنا، وربَّما يقتنع بما نقول، أو يصطدم معنا بسببه، فهذه سُنَّة كونيَّة أرادها الله تعالى لاستمرار الحياة - سُنَّة التدافع بيْن الحقِّ والباطل - ولكن الله تعالى وعَد - ووعَده الحق - بأنَّ الغلبة دائمًا وأبدًا في النهاية للحقِّ؛ ﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: 82].