هجر القرآن

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾

قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا * الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 30- 34].

المناسبة بين المقطع وسابقه:

بعد ذكر الوعيد بالمصير السيئ الذي ينتظر المكذبين بالرسول ورسالته يوم القيامة، يوم تخلى الأخلاء عن بعضهم وتناكر القرناء وندمهم حيث لا ينفع الندم، جاء الحديث هنا عن موقفهم من القرآن ومحاولاتهم للتشكيك فيه وإيمانهم أنه ليس على سنّة الكتب المنزلة، وبيان الحكمة في تنزيله منجماً.

المعنى الإجمالي للمقطع:

بعد إلقاء القوم شبهاتهم على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، هجروا ما جاءهم به من الهدى والبيّنات، ولا شيء يؤثر في نفس الصادق عندما يرى إعراض الناس عن الصدق، واتباعهم الدجل والكذب.

ولا ألم أشد أثراً في نفس المصلح، عندما يرى القوم يتركون ما فيه سعادتهم وعزّهم وفلاحهم، ويتمسكون بما يعود عليهم بالهلاك والفساد والبوار. إنهم يتهافتون في النار كالفراش، والمصلح يحاول إبعادهم عنها "إني آخذ بحجزكم من النار"[1] إن المصلح يتحمل المشاق، يجهد نفسه ويسهر ليله ويتخلى عن مصالحه الدنيوية، ويفوت على نفسه فرص الثروة والغنى والمتعة، في سبيل إيصال الخير الذي يؤمن به إلى الناس، وهو يبتغي بذلك رضوان الله جلَّ جلاله، فكم يكون ألمه شديداً عندما يقابل معروفه بالنكران، وإحسانه بالإساءة، وحرصه بالإهمال واللامبالاة.

لقد كانت الآيات تنزل المرة تلو المرة تواسي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسليه عما يجد من القوم من مواقف وتصرفات في غاية السوء والقحة، فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6].

إنَّك قد بلَّغت رسالة ربك ولم تدخر وسعاً في إيصال الخير إلى القوم، فإعراضهم عن دعوة الحق وعدم إيمانهم بما جاءهم من القرآن المجيد، ليس أمارة على تقصيرك في تبليغ الدعوة إليهم، وإنما هو نتيجة ظلمة قلوبهم وقسوتها، فلا يستحقون التأسف عليهم.

إن القوم قد زينت لهم شياطين الإنس والجن أعمالهم فهم في غيهم سادرون، ولا يلتفتون إلى البراهين والدلائل مهما كانت من الوضوح على توحيد الله وصدق ما جئتهم به.

﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8].

إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، فالإيمان والهداية والكفر و الطغيان كلها بمشيئة الله وإرادته، فمن أدرك ذلك هان عليه سلبيات القوم وتصرفاتهم.

﴿ طسم * تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ [الشعراء: 1- 4].

إن مهمة الرسل محصورة في التبليغ بشقيه: البشارة والإنذار، وليسوا مسؤولين عن تحقيق الهداية لهم:

﴿ ... فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴾ [الشورى: 48].

فشكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه أن القوم قد هجروا القرآن نابع من هذا الحرص على هدايتهم وهو ابن قريش البار بأهله، الواصل لرحمه.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [التوبة: 128- 129].

لقد هجر القوم القرآن:

أ- هجروا الاستماع إليه ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26].

ب- وإذا كانت آيات الله تُتلى، وسمعوها من غير إرادة منهم أعرضوا عنها وهجروها كأن لم يسمعوها واتخذوها هزواً ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [الجاثية: 7- 9].

جـ- وهجروا القرآن حيث استبدلوا به لهو الحديث من لغو القول وسيئه، وما يلهيهم عن آيات الله ويصرفهم عنها ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [لقمان: 6- 7].

د- ومن صور هجر القرآن ترك العمل بهداياته وإن قرأه وآمن به.

هـ- ومن صور هجر القرآن ترك تدبره وتفهم معانيه.

و- ومن صور هجر القرآن ختمه في أكثر من شهر.

ز- ومن صور هجر القرآن ترك الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب.

لقد كان سبب هجرهم حيلولة المجرمين بين القوم وبين الاستماع إليه:

• حيث كان يجلس النضر بن الحارث ويقول: هلموا إليّ لأحدثكم عن رستم واسفنديار وأساطير الفرس، فما جاءكم به محمد من هذا النوع من الأساطير. وكان رجلاً فصيحاً يجيد سبك القصص والحوادث فكانت محاولاته وأساطيره من دوافع هجرهم للقرآن[2].

• وكانت قريش تتصل بالوفود القادمة إلى المواسم كمواسم الحج وأسواق العرب وتقول لهم: لقد ظهر بيننا مجنون فلا تستمعوا إليه[3].

• وكان بعضهم يتصل بالأفراد القادمين إلى مكة ليحذرهم من الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع منه ويقول: إنه ساحر يسحر العقول، كما جرى لأبي الطفيل الدوسي[4] حيث بلغ به الأمر أن يضع في أذنيه الكرسف (القطن) حتى لا يصل إلى سمعه شيء من غير إرادة منه.

• وكان يوصي بعضهم بعضاً أن لا يجلسوا إلى محمد ويستمعوا منه حتى لا يفتنوا الصغار والنساء والسفهاء... كما كان الحال في حادثة الأخنس بن شريق وأبي جهل وأبي سفيان[5].

إنَّ التُّهم التي وجهها القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والشبهات التي حاولوا إثارتها حول شخصه وكذلك ما قالوه عن القرآن الكريم من افتراءات وادعاءات أنتجت أمرين قصد إليهما القوم وهما:

• الحيلولة بين الناس وبين القرآن.

• والعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتحدثت الآيات الكريمة عن الأمرين ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 30- 31].

ومقابل هذا الحرص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هدايتهم وإيصال الخير إليهم واقتباسهم من نور القرآن. جاءت تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا الصد عن دعوة الأنبياء ومحاولة المجرمين الحيلولة بين الرسول وبين الأقوام بالترهيب والترغيب كل ذلك سنَّة من سنن الله في المجتمعات، وللرسول صلى الله عليه وسلم أسوة بإخوانه من المرسلين.

لقد كان المجرم الأثيم فرعون هذه الأمة أبو جهل، وكان يتبعه في ذلك المستهزئون، يشكلون العقبة في سبيل انتشار دعوة الحق، حيث قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 87- 99].

"وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي، فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع... ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلونه من ناحية، والذين تتفق مشاريعهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوه الوبئ، والذي يجدون فيه ستراً للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها... فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعاً عن وجودهم، واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون، فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، يستميتون في كفاحها، وطبيعي أن تتنصر دعوة الحق في النهاية، لأنها تسير مع خط الحياة، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدَّر لها كما أراد الله ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 31][6].

• ولكن مظاهر الصد والهجران هذه نابعة عن أمور لا تتعلق بالقرآن نفسه وربما تغيَّرت هذه الأمور والمظاهر الخارجية وأزيلت العقبات بين القوم وبين القرآن فعندئذ يحدث الاتصال ومن ثم التأثر والاتباع. أما إذا استطاعوا التشكيك في القرآن نفسه ومصدره، فلو أزيلت العقبات فيما بعد فإن الشكوك تبقى في نفوس الناس.

لذا جاءت محاولة المجرم الأكبر في إلقاء ظلال من الشكوك على أن القرآن لم يكن على سنن الكتب المنزلة، فلم يكن معهوداً أن ينزل الكتاب منجماً مفرقاً، بل كانت الكتب السماوية تنزل جملة واحدة ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ [الفرقان: 32]، إنه قول لا طائل تحته ومماراة لا نتيجة لها، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرقاً.

كما أن اللجوء إلى إثارة مثل هذه الشبهة دليل على إفلاسهم في إثارة الشبهات التي تشكك في القرآن. ولكنهم أثاروها لعلها تورث شكاً، وبعضهم قد سمع أن التوراة كتبت لموسى عليه السلام فلماذا لا ينزل القرآن من السماء مكتوباً جملة واحدة...

ويأتي الرد القرآني على مقترحهم الشكي ببيان الحكمة في نزوله مفرقاً:

الحكمة الأولى: ﴿ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [الفرقان: 32]: تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنون بنزوله مفرقاً منجماً. ويمكن إيراد صور لهذا التثبيت:

أ- إن القرآن نزل على أمة أمية أناجيلها في صدورها، ونزوله جملة واحدة قد يعجز الصحابة عن استيعابه وحفظه.

أما النزول مفرقاً فيعطي مهلة للحفظ والتدبر والتطبيق، فكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون العشر من الآيات حتى يحفظوها ويعلموا المراد منها ويطبقوها في حياتهم ثم ينتقلون إلى غيرها.

ب- لو نزل القرآن جملة واحدة ثم انقطع الوحي والاتصال بالملأ الأعلى، لأدى إلى دخول اليأس والملل إلى القلوب، أما تجدد الوصول وتتابع الرسول في الاتصال كل ذلك يسكن قلب المحب بتواصل كتب المحبوب. وتثبيت لقلبه أن ربه ما قلاه ولا ودعه ولا تخلى عنه.

جـ- إن تكرار زيارة الملك عند نزول الوحي انشراح لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلذذ بالعالم الروحاني، وفي هذا اللقاء غذاء للروح، ولذلك ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 64- 65]"[7].

د- اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون تربية هذه الأمة بالتدريج وذلك من لطف الله سبحانه وتعالى بها ورأفته، فجاء تشريع بعض الأحكام في بداية الأمر، ثم نسخ حكمها إلى الأخف للتيسير، أو الأثقل لمضاعفة الأجر والثواب، أو المماثل ابتلاءً وتمحيصاً، ونزول القرآن جملة يتنافى مع هذا التدرج وتحرم الأمة من هذه المزية العظيمة[8].

هـ- إن تنزيله مفرقاً وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها، أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة، وفي إظهار الحجة عليهم وإثبات عجزهم تثبيت لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

و- لو لم ينزل القرآن منجماً على حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتها لمقتضى الحال ومناسبتها للمقام وذلك من تمام إعجازها.

الحكمة الثانية: ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان: 32]:

الترتيل: مأخوذ من الرتل، وهو التتابع في ترسل وتثبت مع التبيين، ووجه الحكمة في هذا الترتيل أن الآيات أو السورة إذا نزلت مع الحادثة، أو قبلها مباشرة، أو بعدها، فإن ذلك أدعى إلى الفهم وأقوى لمعرفة المضمون وأرسخ في الذهن.

الحكمة الثالثة: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان: 33]:

إن استفسارات القوم لا تنتهي، وتساؤلاتهم ليس لها حدود، وكلها من قبيل التعجيز وإثارة الشبهات. وكل تساؤل يحتاج إلى جواب أو رد، فلو نزل القرآن الكريم جملة واحدة لم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إجابتهم أو الرد عليهم في كل مرة، لذا جاء قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾.

وهي كقوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء: 18].

فمهما أتوا بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان والغرابة إلا أتاهم جلَّ جلاله بالجواب الحق الذي لا محيد عنه. وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم، أي من سؤالهم.

فلا يأتونك بحجة وشبهة إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. وهذه الآية كالفذلكة الجامعة تعم ما تقدم وما عسى أن يأتوا به. فقد تقدم من أمثالهم التي قالوها عن القرآن وعن الرسول.

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ ﴾ [الفرقان: 4].

﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 5].

﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [الفرقان: 7].

﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ [الفرقان: 8].

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ﴾ [الفرقان: 21].

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ [الفرقان: 32].

هذه جملة من الأمثال التي أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بها بقصد إفحامه وتعجيزه. فإذن المعنى: ولا يأتونك بشبه يشبهون به حالاً من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يشبه حال رسول من الله، إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه[9].

فلا يأتونك بشيء من ذلك إلا جئناك بالصواب وما هو الحق في الاستدلال فيكشف عن الحق ويكون أحسن وقعاً في نفوس السامعين من مغالطاتهم...

ثم تختم الآيات ببيان مصير المعاندين العتاة الطغاة، الذين ظهر لهم الحق، ومع ذلك بقوا على عنادهم. فهؤلاء يحشرون على وجوههم، زيادة في إذلالهم وتحقيرهم وخذلانهم، وشتان بين الفريقين ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].

والذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم[10]، هم المنكسون على رؤوسهم.

لقد قصدوا بسوق الأمثال تنقيص شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكروا بأنهم أهل شر المكان وضلال السبيل، دون النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين وذم لهم.

كما جاء في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ [الإسراء: 94- 97].

المناسبة بين المقطع السادس والمحور:

هذا المقطع وثيق الصلة بمحور السورة فإن محور السورة كما تقدم هو المعجزة والرسول، أو تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال معجزة القرآن، وهذا المقطع يتعلق برد شبهة للمشركين حاولوا إلقاء ظلالها على القرآن، وبالتالي للتشكيك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

فقد قالوا: لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة كالكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين حيث كتبت لهم وحملوها إلى أقوامهم مكتوبةً. والقرآن ينزل نجوماً حسب الوقائع والأحداث؟ فجاء الرد الإلهي عليهم ببيان الحكمة من نزوله مفرقاً منجماً كما تقدَّم تفصيله. إذن فالمقطع شديد العلاقة بالمحور وحديثه في صلب المحور.

[1] عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن، ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها" انظر صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي: 7/ 186.

[2] انظر الرحيق المختوم، للمباركفوري 98.

[3] انظر ما رواه ابن هشام في السيرة من خروج أبي لهب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم عكاظ وكلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم ليحدثهم جاء أبو لهب فيقول: نحن أهله وعشيرته فلا تسمعوا له إنه مجنون. انظر سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، للصالحي: 2/ 451.

[4] المرجع السابق: 2/ 417.

[5] المرجع السابق: 2/ 352.

[6] في ظلال القرآن: 5/ 2562.

[7] أخرجه أحمد في المسند: 1/ 234؛ والبخاري في كتاب التفسير، باب تفسير سورة مريم: 5/ 237.

[8] في تفسير القاسمي (محاسن التأويل): يذكر المفسَّرون ههنا أن الآية رد على الكفرة في طلبهم نزول القرآن جملة، كنزول بقية الكتب جملة ويرون أن القول بنزول بقية الكتب دفعة صحيح، فيأخذون لأجله في سر مفارقة التنزيل له، والحال أن القول بنزولها دفعة واحدة لا أصل له، وليس عليه أثارة من علم، ولا يصححه عقل، فإن تفريق الوحي وتمديد مدته بدهي الثبوت، لمقدار مكث النبي، إذ ما دام بين ظهراني قومه، فالوحي يتوارد تنزله ضرورة، ومن راجع التوراة والإنجيل الموجودين يتجلى له ذلك واضحاً لا مرية فيه، وعذر القائل به ظنه أن الآية تعريض بنزول غيره كذلك، وما كلّ كلام معرض به، وإنما الآية حكاية لاقتراح خاص، وتعنت متفنن فيه. والله أعلم. محاسن التأويل: 12/ 3577.

وإلى مثل هذا القول ذهب الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: 19/ 18.

[9] التحرير والتنوير لابن عاشور مختصراً: 19/ 21.

[10] في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلاً قال: "يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة! قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". كتاب التفسير: 6/ 14، ط. إستانبول.