الانفتاح الفكري.. حقيقته وضوابطه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعدُ:

فقد ناقش هذا البحث مسألة "الانفتاح الفكري"، وهو مصطلح جديد، يحمل مفاهيم متعدِّدة، وقد تَمَّ بيان هذه المسألة المعاصرة من وجوهٍ عدَّة، وهي:

أولاً: بيان "حقيقة مصطلح الانفتاح"، مِنْ خلال تتبُّع جذور المصطلح واستعمالاته في المعجم العربي والغربي، وتَوْضيح الغموض الذي يلفُّ هذا المصطلح، والإيحاءات السلبية له، والمنهجية العلمية في التعامُل معه.

ثانيا: توضيح "موقف الشريعة الإسلامية من العلم والمعرفة"، وحث الشريعة على العلم والتعلم، والأمر بالنظر والتدبر والاعتبار، وبيان أهمية عمارة الأرض بالمنهج الرباني، والموقف الشرعي من علوم غير المسلمين الدِّينية والدنيوية، ومدى الحاجة للانفتاح على الفكر الآخر، وتحقيق امتلاك الأمَّة الإسلامية للحقيقة المطلقة، وكل ما تقدَّم يدل على الانفتاح الواعي لدى المنهج الإسلامي وأهله.

ثالثًا: "ضوابط الانفتاح" بمعنى الضوابط الموجهة للانفتاح على العلوم والأفكار والمناهج والفلسفات الأخرى، مثل: أن يكون الانفتاح بعد العلم الشرعي، وأن يكون هذا الانفتاح مع الالتزام بالإسلام، وكذلك يكون دون انبهار بثقافة الآخر وفكره، وهذه الضوابط هي الحدُّ الفاصل بين الانفتاح النافع والضار، والمفيد وغير المفيد.

رابعًا: تتبع تجارب الانفتاح التطبيقية، فالانفتاح المحمود وهو الوعي والإبداع الفكري ذكرت له نماذج تمثيلية، وهي: ضبط العلوم وتدوينها بمنهجية علمية واعية، واستعمال الأدلة العقلية على أصول الاعتقاد، وسعة الاطلاع والابتكار وحرية التفكير.

أما الانفتاح المذموم وهو التبعية والانهزام، فكان التمثيل له من خلال تجارب متعددة في الفكر الإسلامي القديم والمعاصر؛ مثل: تجربة الفلاسفة الإسلاميين، والمتكلِّمين، ودعاة التنوير والعصرانية.

وختمت البحث بأهم النتائج والتوصيات حول الموضوع، والله ولي التوفيق.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقدمة

لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - الإنسانَ، وأنزله إلى الأرض لإقامة الحق والعدل والعبودية لله تعالى، ولتظهر معاني أسمائه وصفاته في خلقه، وأنزل له من الدين ما يكون موافقًا لطبيعته وفطرته التي خلقه الله تعالى عليها، وأرسل الرسل الكرام للقيام بتذكير الإنسان بحقيقة وُجُودِه وحكمته، وتذكيره بأن الدِّين الذي أنزله الله تعالى له هو أساس سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، والقيام - كذلك - بالإنذار له مِنْ ترك ما أنزله الله تعالى، وبيان ما يتَرتَّب على ذلك من خرابِ حياته وشقاء نفسه وعذابه في معاده، يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124].

هذه الحقيقة الكبرى لها أهميةٌ عظيمة في بناء الإنسان والمجتمع، والتعامل مع كل ما حوله من الأفكار والمناهج والآراء والفلسفات، ومِنْ رحمة الله تعالى بالإنسان أنه لَم يدعْه يصنع تصوره الاعتقادي ومنْهجه التشريعي بنفسه؛ لأنَّ الإنسان يعْتريه الهوى والجهْل، فهو أعجز وأضعف من عمل ذلك، ولذا كان الدين بعقائده وتشريعاته منحة إلهية من العليم الخبير، لَم يسندها إلى الإنسان العاجز، يقول أبو الحسن الندوي - رحمه الله تعالى -: "وقد كان الأنبياء - عليهم السلام - أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوًا دون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها، ولا مقدماتها، التي يبنون عليها بحثهم، ليتوصلوا إلى مجهول؛ لأنَّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، ولا تعمل فيها حواسهم، ولا يؤدي إليها نظرهم وليست عندهم معلوماتها الأولية، لكن الناس لَم يشكروا هذه النِّعمة، وأعادوا الأمر جذعًا، وبدؤوا البحث آنفًا، وبدؤوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مُرشدًا ولا خريتًا، وكانوا في ذلك أكثر ضلالاً، وأشد تعبًا، وأعظم اشتغالاً[1].

وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ [الكهف: 51].

وفي هذا الزمان بالذات تطورت الإنسانية تطورًا مُذهلاً في الجوانب المادية، والقدرة على استعمال السُّنن الكونية واكتشافها وتوظيفها توظيفًا قويًّا في المخترعات والمكتشفات الحديثة.

وقد قدَّرَ الله تعالى أن يكونَ هذا التطوُّر على يد أمةٍ ذات دين مبدل ومحرَّف، حارب العلم المادي، وألزم الناس بالخرافات ونسَبَها إلى الله، فانتفضتْ عليه وحطمتْه وخرجتْ عليه، وقد تكون معْذورة في تحطيم الخرافة، إلا أنها ليستْ معذورة في ترْك البحْث عن الدين الصحيح والاتجاه إلى الإلحاد، وبناء الحياة فكريًّا وتشريعيًّا ونظمًا على مقتضى (العقل) المجرد من الوحي، وتعظيم الإنسان وتأليهه، والإعلان عن موت الإله.

هذا الوضْع غرس في شُعُور كثيرٍ من الأمم أن التطور لا يتم إلا عن طريق تحطيم الدين والخروج عليه، دون النظر إلى نوع الدِّين: هل هو حق أو باطل؟ لقد قدَّس الغربيون (العقل) في بداية الأمر، وجعلوه مناط النجاح في بناء الحياة، ثم ظهرتْ فيهم - بعد ذلك - فلسفات متناقضة غريبة؛ بسبب الهروب من الله، والاعتماد على الإنسان وحده.

وقد أصبح الالتزامُ بالدِّين علامة على الانغلاق والجمود، وتحطيمه والهروب منه علامةٌ على (الانفتاح الفكري) والعقلي؛ لأن العقل - في نظرهم - هو المصدر الوحيد في صحة القضايا، ولهذا سُمّي ذلك العصر الذي حطموا فيه الدين (عصر التنوير)، وقد انتقلت هذه العدوى للعالم الإسلامي، وظهر في المسلمين مَن يُطالب باقتفاء أثر الغرب في كل شيء، معتبرًا ذلك من التنْوير والتطوير.

ولأسباب كثيرةٍ لا مجال للتفْصيل فيها، سرتْ هذه الحمى (الانفتاح) في العالَم الإسلامي بشكلٍ كبير، على درجات متفاوتة، وتحت شعارات متعدِّدة.

فمسألة الانفتاح كقضيَّة فكريَّة أصبحتْ موضع إشكال علمي قديم وجديد، وأصبح لها آثار عقديَّة خطيرة قديمًا في الفرَق الضالة، وحديثًا في المذاهب الفكرية المعاصِرة، وقد استدعى ذلك تتبُّع هذه القضية من الناحية النظرية والتطبيقيَّة، وبيان موقف أهل السُّنَّة والجماعة من الانفتاح كمصطلح، وكقضية عامة تدلُّ على معنى العلْم والإبداع الفكري.

وسوف أنطلق في بحْث هذه القضيَّة من تصوير موقف الشريعة الإسلامية من العلم والفكر، وبيان ما في هذا المصطلح (الانفتاح الفكري) من النقود والإشكالات، وأن أساس المصطلح مأخوذ من المعجم الغربي، ولعل السبب الأساسي هو نشأة هذا المصطلح في بيئة معينةٍ، فجاء به دُعاة التغريب للعالَم الإسلامي، ولم يراعوا اختلاف الدِّين بين المسلمين والنصارى.

وكلمة (الانفتاح) كلمة عائمة، لا يُمكن أن يتحدَّد من خلالها صورة معينة، بحيث يمكن الحكم عليها، ولهذا لا بُدَّ من الاستفصال عن نوع الانفتاح وخصائصه قبل تقويمه ونقْده.

وقد قسَّمْتُ البحث إلى مقدِّمة وخمسة مباحث وخاتمة، وقد جاءتْ مباحثُه على النحو التالي:

المبحث الأول: حقيقة مصطلح الانفتاح.

المبحث الثاني: موقف الشريعة الإسلامية من العلم والمعرفة.

المبحث الثالث: ضوابط الانفتاح الفكري.

المبحث الرابع: الانفتاح المحمود (الوعي والاستقلال الفكري).

المبحث الخامس: الانفتاح المذْموم (التبَعيَّة والانهزام).

ثم ختمت البحث بخاتمةٍ تضمنتْ أهم النتائج والتوصيات التي توصلتُ إليها من خلال بحث هذا الموضوع الذي زلتْ فيه أقدام قديمًا وحديثًا، أعاذنا الله تعالى من الزلل والانحراف عن الحق.

وإنني أسأل الله تعالى بمنِّه وكرَمِه التوفيق والهداية للحق، والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة قولاً وعملاً واعتقادًا؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحْبِه.

المبحث الأول

حقيقة مصطلح (الانفتاح)

مصطلح (الانفتاح) ليس مُصطلحًا شرعيًّا، فلم تردْ هذه المادة في القرآن ولا في السُّنَّة، ولَم يستعمله العلماء الراسخون في العلم، بل هو مصطلح عرفي تتداوله الكتب العصرية، والنشرات الصحفيَّة دون تحديد دقيقٍ لمعناه، فقد يطلقه البعضُ ويريد به الاطِّلاع وسعة الإدراك، وعدم قصر الفكر على مجال محدَّد، وقد يطلقه آخرون ويريدون به مفهومًا اصطلاحيًّا خاصًّا، وبهذا يكونُ الانفتاح من المصطلحات المجمَلة التي تحتاج إلى الاستفصال عند دراستها، ولكن إضافة الانفتاح إلى العقل والفكر لَم يُعرَف في اللسان العربي وتركيباته، بينما نجده موْجودًا في النسَق اللغوي الغربي، وهذا ما سنبينه في هذا المبحث.

وإضافة الانفتاح إلى الفِكْر في القاموس اللساني الغربي يدلُّ على تأثُّره بالأوضاع الفكرية والثقافية التي سادت المجتمعَ الغربي، وصراع الكنيسة مع العلم، ودورها السلبي في التعامل مع المجتمع، وهو بهذا المعنى يتضمَّن معانٍ غير صحيحة، وله إيحاءات ودلالات سيئة، ويتبَيَّن ذلك من خلال ما يلي:

1 - جُذُور المصطلح:

جذور هذا المصطلح تعود إلى الفِكْر الغربي، فأصلُ مادة (فتح) في اللغة الإنجليزية هي (Open)، وهي تأتي لأكثر من عشرين معنى، بحسب تصريفاتها المتعدِّدة، ومن المعاني الداخلة في مجال البحث ما يلي:

منفتح: راغب في الاستماع لكلِّ ما يعرض عليه، وفي تفهمه بروح سمحة - بنور العقل، ويجعله منفتحًا للمعرفة - يصبح العقل متنورًا أو منفتحًا - يُعَبِّر عن أفكاره ومشاعره.

ومن المعاني الاصطلاحيَّة للمادة (Open door) - أي: الباب المفتوح - وهي: "سياسة قوامها حرية التجارة، وإلغاء التعريفات الجمركية، والسماح لمختلف الدول بالمتاجرة مع بلدٍ ما، على قدم المساواة".

(Opening) معناه (تفتح)، و(Minded - Open)؛ أي: منفتح العقل، أو ذو عقل متفتح، وتأتي بمعنى: "منفتح للحجج والأفكار الجديدة"[2].

ومن خلال ما تقدم نلاحظ أن هذا المصطلح مأخوذ من بيئة معينة، لها ظروفها العقديَّة، وصراعاتها الفكرية.

ويبدو أن هذا المصطلح جاء بسبب الصراع بين الكنيسة والعلم، عندما ظهرت الأفكار العلمية الجديدة، ورفضها رجالُ الدِّين، ولذا فاعتبر الفكر الكنسي منغلقًا، والفكر اللا ديني منفتحًا لاعتماده الكلي على العقل.

2 - غُمُوض المصطلح:

يُلاحَظ في هذا المصطلح الغُمُوض والضبابيَّة، فالانفتاح - في الاستعمال التداولي العام - يُطلق على أنواع متعددة مما يصدق عليه هذا الاسم مع كونها مختلفة في الموضوع.

وهذا الغموض أدى إلى استعمال هذا المصطلح من اتجاهات متعددة لا تتفق فكريًّا فيما بينها في كثيرٍ من القضايا.

فنجد من يستعمل الانفتاح الفكري ليصل إلى الإلحاد، ويصف الدين بأنه انغلاق وتحجير على العقل، كما نجد من ينقد الانفتاح بالصُّورة السابقة، ويطلقه على الاستفادة من كل الثقافات بما لا يناقض الإسلام، ثم يختلف أصحاب هذا الاتجاه في تحديد ما يناقض الإسلام وما لا يناقضه، وفي حدود الاستفادة وضوابطها.

ولهذا لا بُدَّ منْ تحديد نوع الانفتاح الفكري المعين بذكر خصائصه ومكوناته، ثم الحكم عليها بالصواب أو الخطأ بميزان الكتاب والسنة، وهذا الغُمُوض يدل على أن استعمال هذا المصطلح دون ضبط خطأ منهجي؛ لأنه لا يكفي مجرد اسمه في تحديد المراد منه.

ولا بأس أن أشبّه هذا المصطلح بمصطلحات علم الكلام والتصوُّف، التي قد يراد بها حق، وقد يراد بها باطل، وقد حذَّر علماء أهل السُّنَّة من قبولها مطلقًا؛ لاشتمالها على بعض الباطل، كما حذروا من إنكارها وردها جملة؛ لأنها قد يراد بها معنى صحيحًا، فيكون ردًّا لشيء من الحق، ومثل هذا النوع من الكلام المحتمل لا يصح استعماله؛ لأن فيه لبسًا للحق بالباطل، وعلماء أهلِ السُّنَّة والجماعة لَم يُنكروا المصطلحات لأنَّها مصطلحات جديدة - كما يظن البعض - بل لكونها تشتمل على معانٍ باطلة مناقضة للقرآن والسنة.

3 - الإيحاءات السلبية للمصطلح:

هذا المصطلح يحمل إيحاءً انهزاميًّا سلبيًّا في تصور الشريعة الإسلامية؛ فالانفتاح: مصدر الفعل الخماسي المزيد (انفتح)، وكل فعل جاء على وزن (انفعل)، فمصدره على وزن (انفعال)، وزيادة همزة الوصل والنون في أوله ترد لمعنى واحد هو المطاوعة، "انفتح انفتاحًا، وانكسر انكسارًا، وانطلق انطلاقًا"[3].

ودلالة كلمة (الانفتاح) توحي بوُجُود انغلاق قبله، ولهذا فمعناها "إزالة الانغلاق"، فهو ضدُّه[4].

فإذا استعمل هذا المصطلح فإنه يقتضي وجود انغلاق، ثم حصل الانفتاح فمثلاً: من كان على منهج التقليد الأعمى، ثم صار إلى الدليل؛ فإنه يستعمل معه هذا المصطلح، أما من كان معتبرًا للدليل فلا يليق استعمال هذا المصطلح معه؛ لأنه ليس بمنغلق حتى نطالبه بالانفتاح، ومن يحرِّم ما أحلَّ الله تعالى من الطيبات كرهبانية الصوفية، يطالب بالانفتاح بمعنى الخروج من انغلاق الرهبانية إلى سعة السنة التي تبيح الطيبات بإباحة الله تعالى.

أما من يستعمل هذا المصطلح لمطالبة عموم المسلمين به، أو اعتبار الإسلاميين الذين يطالبون بالإسلام في الحكم والاقتصاد وكل شؤون الحياة منغلقين؛ لأنهم لم يتشربوا الفكر الغربي، فهو سوء ظن بالشريعة الإسلامية واتهام لها بالانغلاق، وهو كذلك انهزام أمام الفكر الغربي، واعتباره انفتاحًا من الانغلاق، والحقيقة أنه خرج من انغلاق إلى انغلاق آخر.

ومن هنا تظهر الإيحاءات السلبية في استعمال هذا المصطلح فيما يتعلق بدين الإسلام وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضوان عليهم - وعلماء المسلمين.

المبحث الثاني

موقف الشريعة الإسلاميَّة من العلْم والمعرفة

كل مَن ينظر في القرآن والسنة يعلم يقينًا حثَّ الشريعة على العلم والمعرفة، والثناء على أهلها، والأمر بالنظر والتدبُّر، والثناء على العقل والعُقَلاء، والأمر بعمارة الأرض وبنائها على منهج الله تعالى، وهذه الخصيصة للشريعة الإسلامية حاصلة لها بسبب كونها (شريعة ربانيَّة)، ليس للإنسان أثرٌ فيها، فهي منَ العليم الخبير لإصلاح الإنسان في كل جوانب حياته، فالإنسان بعقْلِه وعواطفه من خلْق الله تعالى، والأرض وسُننها وقوانينها وما فيها من الخزائن من خلْقِه تعالى، والإسلام وعقائده وشرائعه منَ الله تعالى.

فمصْدرُ الجميع واحد، وهو الله تعالى؛ يقول تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54].

ولهذا جاءتْ متناسقة ومتوافقة؛ يقول تعالى: ﴿ أَلَا يعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].

ويظهر موقفُ الشريعة من العلم والمعرفة من خلال ما يلي:

1 - الحث على العلم والتعلُّم:

فقد رغَّب الإسلامُ في العلْم والتعلُّم، وأثْنى على أهله ومدحهم؛ يقول تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[المجادلة: 11]، ويقول تعالى: ﴿ هَلْ يسْتَوِي الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((طلَبُ العلم فريضة على كل مسلم))[5]، ويقول أيضًا: ((مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنة))[6].

والعلم الممدوح نوعان:

1 - العلم الشرعي: إذا كان بإخلاصٍ، وغايته العمل.

2 - العلم الدنيوي: إذا أُريد به عمارة الأرض وإقامة العبودية لله تعالى.

ولكن الممدوح في الشرع بالأصالة هو العلم الشرعي، والعلم الدنيوي مدحه لغيره لا لذاته، ولهذا ذم الله تعالى من تعلَّم علم الدنيا، ونسي علم الآخرة؛ فقال تعالى: ﴿ يعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7].

فليس العلم بصورة عامة ممدوحًا حتى تتحقق فيه الشروط التالية:

1 - الإخلاص فيه، وابتغاء وجه الله تعالى.

2 - ألا يكونَ العلمُ في ذاته محرَّمًا؛ كعلم السحر، أو علمًا فاسدًا؛ كعلم الفلسفة، والكلام ونحوها.

3 - العلم بالعلْم الشَّرْعي.

4 - أن يقصد بالعلم الدنيوي كونه وسيلة لعبودية الله تعالى.

5 - ألا يكون وسيلة إلى محظور؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

وبهذا يَتَبَيَّن أنَّ العلاقة بين العلم والدين علاقة توافُق وانسجام، فالدِّين في ذاته يتضمَّن العلم ويأمر به، ويجعله منطلقًا لبناء الحياة وفْق منهج الله تعالى، ولكن يُستثنى من ذلك ما يلي:

1 - العلْم المشتمل على معلومات وتصوُّرات غير الصحيح.

2 - العلم المحرَّم، وهو ما يكون فيه من المفسدة ما تفوق المصلحة، وقد تكون مصلحة وهميَّة.

3 - الإرادة السيئة من العلْم في غاياته وأهدافه.

أما ما سوى ذلك فإن الشريعة تحثُّ عليه وتمدحه، وتطالب به، وتذم تاركه، ويعتبر تاركُه مذمومًا في الدِّين، ولهذا اتَّفق السلفُ الصالح على ذمِّ دراويش الصوفية الذين أعرضوا عن علم الدنيا والدين، والتفريط في علْم الدِّين أو الدنيا يكون بحسب نوع العلم المفرَّط فيه، فمَن فرط في تعلُّم العلم الشرعي الواجب؛ كمعرفة الله، وأصول الإيمان، وأركان الإسلام والواجبات، فهذا مذموم، وكذلك تفريط الأمة في علم الدنيا الواجب؛ مثل: صناعة السلاح للجهاد في سبيل الله، فهذا مذموم.

وعلى العموم فالعلم الصحيح ممدوح، سواء كان واجبًا أو مستحبًّا، وهو ممدوح عقلاً وفطرةً وشرعًا، حتى لو كان مباحًا، فإنه يكون مستحبًّا بالنِّيَّة الصالحة فيه.

2 - الأمر بالنظَر والتدبُّر والاعتبار:

لقد أثنى الله تعالى على العقل، وأمر بالنظر والتدبر والاعتبار لما فيه من تحرُّر الفكر من الأوهام والخرافات والأساطير؛ يقول تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ [العنكبوت: 20]، ويقول - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].

وقد مدح الله تعالى العقل وإعماله في التفكُّر والتدبر، ومدح مرادفاته؛ كالألباب، والأحلام، والتفكُّر، والتذكر، والاعتبار، والفقه، والعلم، ونحوها، وقد حرر الإسلام العقل من الأوهام والخرافات، ونهى عن كل ما يقدح فيه؛ مثل: الخمر، والتقليد الأعمى، والهوى، والجهل، والتعصُّب لغير الحق.

ولهذا لا يوجد في الإسلام سلطة كهنوتية بأي شكل من الأشكال، بل هو مبنيّ على التوحيد الخالص المحرِّر للعباد من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده، فليس هناك واسطة بين العباد وبين ربهم، إلا الرسل على سبيل البلاغ، لا على سبيل العبادة، وهذا لا يعني أن العقل والنظر مطلق له العنان، بحيث يدخل في كل أمر، حتى لو كان لا يحسنه، بل له ضوابط تضبط مسيرته؛ منها:

1 - أن العقل يدرك الأشياء بوجْه جملي دون الإحاطة التامة والمعرفة التفصيليَّة.

2 - أن منزلة العقل من النَّقل بمنزلة الخادم من سيِّده، وهو بمنزلة البصر والنقل بمنزلة النور، فإذا فقد النقل عجز العقل، كعجز العين عند فقْد النور.

3 - أن حقائق الأمور الغيبية لا يدركها العقل إلا من جهة إثباتها ومعرفة ما تدلُّ عليه الألفاظ المعبرة عنها من ألفاظ الشرْع فقط.

3 - بيان أهمية عمارة الأرض:

لقد خلَق الله تعالى الإنسان في الأرض ليقوم بالعبودية له فيها، ويعمرها وفْق ما شرعه الله تعالى وأمر به، يقول تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

لقد خلَق الله تعالى الإنسان وهو متحرك حركة دائمة، إما في الخير، وإما في الشر، وأمره تعالى أن تكونَ حركتُه في الخير، وهو تحقيق ما أمَر الله به، وترك ما نهى عنه، وهذا أعظم ما تعمر به الأرض، "إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان"[7].

وعمارة الأرض تكون بما يلي:

1 - عمارتها بإقامة دين الله تعالى فيها، وتطبيق شرعه، وتنفيذ أمره وإرادته في حياة الناس.

2 - إقامة العدل، ورفع الظلم، وإظهار التوحيد والعقائد الربانيَّة الحقَّة التي لم يخالطْها خرافة ولا غبش فكْري.

3 - بناء الحياة وأنماطها وجميع جوانبها في العقائد والأحكام والأخلاق، وفي المال والحكم، وفي الرجال والنساء، وفي العلم والفكر، وفي كل شيء على هدْي الله ووحْيِه.

ولهذا لو نظرنا نظرةً فاحصة في خسارة الدنيا، عندما استولى الكفار على كثير من البلاد، لعرفنا الحاجة الماسة إلى عمارتها وفْق منهج الله تعالى، فإنَّ ظهور الكفر والفُجُور، ومحاربة الله تعالى مؤذن بفساد العالم وخرابه؛ يقول تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

ويقول تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22]، وينتج عن تفوُّق الكفار في عمارة الأرض، إعلاء أهواء العباد في قضايا الفكر والسلوك، وإخفاء كلمة الله تعالى، وحينئذٍ يشقَى الناس بالحيرة والتِّيه والاضطراب والأمراض والتحلُّل الأخلاقي، وتفَكُّك عرى المجتمع، وانقسامه إلى طبقات متصارعة، واضمحلال روح الإخاء الاجتماعي، وبروز الأنانية، وسيْطَرة الروح الفرديَّة، إلى غير ذلك مما يطالعه من يراقب حال العالَم اليوم الذي سيطر عليه الغربيون، وامتلكوا زمام التوجيه فيه.

وينتج أيضًا عن ذلك هلاكُ الحرْث والنسل؛ بسبب غياب العدل والرحمة، ولعل الحروب العالمية شاهدة على ما عانتْه الدنيا؛ بسبب سيطرة الكفَّار عليها، ولهذا تظهر أهمية عمارة الأرض من قبل أهل الإسلام، وإقامة الدِّين فيها، وبنائها بناءً ماديًّا يخدم الإنسانيَّة، كما يدلُّ على ذلك الحديث المشهور: ((إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها))[8].

ومن خلال ما تقدَّم يظهر لنا حثُّ الشريعة على العلم الصحيح الديني والدنيوي، وبيانها لأهمية استعمال العقل في مجاله الصحيح، وحثها على النظر والتفكر وعمارة الأرض، وهذا يدل على أن التزام الشريعة نفسها والعمل بها يدعو للعلم والمعرفة والإبداع، وبناءً على ذلك فليس هناك مجال للقول بضرورة (الانفتاح)؛ لأنه إذا أريد بالانفتاح الاطلاع والعلم والمعرفة والإبداع والاختراع، فهذا ما تأمر به الشريعة وتحث عليه عندما يكون صحيحًا نافعًا، وعلامة صحته أن يكون صحيحًا في ذاته، وألا يعارض قطعيًّا من قطعيَّات الشريعة، ومعارضته للقطعي فيها دليل على عدم صحته، وعلامة نفْعه أن يكون له حقيقة وفائدة واقعية في حياة الإنسان، أما إذا كان أمر لا نفع فيه، فإنه ضياع للعمر وللوقت، والإنسان سوف يُسأل عن عمره فيمَ أفناه؟ واشتغال الإنسان فيما لا يعنيه علامة على إعراض الله تعالى عنه.

وفيما يتعلَّق بموقف الشريعة الإسلاميَّة من العلم والمعرفة، هناك عدة مسائل لا بُدَّ من الوقوف عندها:

المسألة الأولى: الموقف الشرعي من عُلُوم غير المسلمين ومخلفات حضارتهم:

علوم غير المسلمين نوعان:

النوع الأول: علوم دينية، سواءً كانت تتحدث عن أديانهم، أو عن دين الإسلام:

والموقف الشرعي من هذا النوع فيه تفصيل كالتالي:

أ - العلوم الدينية التي ينقلونها عن أهل ملتِهم، فالموقف الشرعي منها يختلف بحسب نوع التعامل معها:

1 - فإنْ كان النقلُ منها لمعرفة دين أصحابها دون اعتقاد مضمونه، فهذا لا بأس به، إذا كان النقل عن مأمونٍ خبير فيما يتحدث فيه، وقد أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن يتعلم التوراة فتعلمها في خمسة عشر يومًا[9]، ولا يزال العلماء ينقلون عن أهلِ الأديان مِنْ واقع مُصنفاتهم لِمَعْرفة حقيقة دينهم لبيان ما فيه من الباطل والتناقُض، وهذا منهج علْمي صحيح أن تنقل عن صاحب الشأن لا عن من نقل عنه، وهو من العدل الذي أمرنا به في قوله تعالى:﴿ وَلَا يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، ولكن لا ينبغي الاشتغال بهذا لمن لَم ينضج في فَهم دين الإسلام وذلك سدًّا للذريعة، وسيأتي الإشارة لهذا في ضوابط الانفتاح.

2 - وإن كان النقل عنها للاستدلال بها والاعتماد عليها أو ترجمتها للانتفاع بها، فهذا لا يجوز؛ لأنَّ في دين الإسلام غنية وكفاية في الدلائل والمسائل وفي العقائد والأعمال، وسيأتي الإشارةُ لهذا في الانفتاح الفِكْري المذْمُوم.

ب - العلوم الدِّينية التي ينقلونها عن الإسلام، سواءً في العقيدة أو الفقه أو العلوم المساعدة لها كاللغة والأُصُول والتاريخ ونحوها، وهذا مثل كُتُب المستشرقين في العلوم الإسلامية، فالموقف الشرعي عدم الاعتماد عليها لِمَا يلي:

1 - أن فيما كتبه علماء الإسلام غنية وكفاية في فَهم قضايا الإسلام ولُغته وتاريخه، وهم أعلم به من الدُّخلاء الذين يكتبون عنه وهم خارجه.

2 - أن مِن أصول الرواية عدم قبول رواية ونقل الفاسق المسلم، كما في قوله تعالى: ﴿ يا أَيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَينُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]؛ فكيف برواية الكافر؟!

3 - أنه ثبت من واقع كُتُب المستشرقين أن لهم أغراضًا خبيثة، وأهدافًا سيئة، يريدون نشرها من خلال كتبهم، ويلوون أعناق النصوص ويبترونها ويُفَسِّرونها تفسيرًا غريبًا على التصوُّر الإسلامي، ويُحَرِّفون الكلم عن مواضعه، فلا شك أن من كانت هذا حاله لا ينقل عنه، فكيف وروايته مجروحة، وعندنا غنية وكفاية؟!

النوع الثاني: عُلُوم دنيويَّة بحْتة؛ مثل: الصناعات والاختراعات العمَليَّة:

فهذا لا بأس مِنْ أخْذه وقَبُوله، ويكون ذلك بعد إخْضاعِه لقوانين النقْد العِلْمي، وظهور صحته وصدقه، وهو إرثٌ إنساني يمكن لأي أمة أن تُطَوِّره وتزيد فيه، وهو علْمٌ تراكمي شارَكَ فيه عناصر من أديان متعدِّدة، لكن ينبغي التنبُّه لِما يلي:

أ - التفريق بين الحقيقة العلمية الضرورية، وبين النظرية الظنية، والتفريق بين العلوم المادية والعلوم الإنسانية؛ لأن للأخيرة ارتباطًا بالتوجُّه والدِّين والأخلاق.

ب - تصْفية بعض المخترعات من المخزون الثقافي الذي تتضمنه، فكلُّ تقنية لها ضلال ثقافي لا بُدَّ من تصْفيته منها قبل نقلها، وتكييفها لتناسب الأمة المسلمة ذات الرسالة الربانية.

ج - عدم الوقوف عند الأخذ والتلقي، وتجاوز ذلك إلى التفكير والإبداع والتطوير.

د - كل الأمور المادية تدخل في باب الإباحة والجواز، سواءً كانت من الصناعات المادية، أو غيرها؛ مثل: الفنون الإدارية والعسكرية، مع أهمية تصفية ذلك مما يعلق به من المضامين الفكريَّة.

هذا ما يتعلَّق بعُلُوم غير المسلمين، أما الآثار والمخلفات الحضارية للأمم البائدة، فهي متنوعة، ويتنوع الحكمُ عليها بحسب نوعها[10]:

1 - ما فيه فائدة علميَّة أو ماديَّة؛ مثل: الوثائق والنقوش وقطع النقود والجسور والآبار والعيون والسدود والقناطر والطرق ونحوه، فهذه يستفاد منها، وقيمتها بقدر الخدمة التي تؤديها للناس، وليس لها فائدة أكثر من ذلك، فلا يجوز الاهتمام بها باعتبارها أثرًا لا يقدم خدمة عمليَّة، ولا يجوز تعْظيمُها أو تقديسُها.

2 - ما في وجوده منافاة للعقيدة الصحيحة؛ مثل: التماثيل والصور والأصنام وبيوت العبادة لغير الله، والمشاهد المبنيَّة على القبور والمزارات ونحوها، فهذه يجب تحطيمُها وإزالتها؛ لأنَّه ذريعة إلى الشِّرْك.

3 - ما لا نفْع فيه ولا ضرر منه لذاته؛ مثل: المباني الخربة، وبقايا الأسوار والحصون، والبنايات الكبيرة؛ كالأهرامات، وإيوان كسرى، وحدائق بابل، ونحوها، فهذا يهمل كما أهمله الصحابة، ولا يعنى به؛ لأنه إرث لأمة جاهلية، فلا يهتم به، فالاهتمام به نوع تعظيم له ولِمَنْ خلَّفه.

وقد أرشدَنا القرآنُ للمنهج الصحيح في دراسة الآثار، وعرفنا القيمة الحقيقة لها، وهو أخذ العبرة والعظة من مصارع الذين هلكوا وظلموا أنفسهم؛ يقول تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل: 69]، ويقول جلَّ ذكْرُه: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 58].

المسألة الثانية: مدى الحاجة إلى (الانفتاح) على الفكر الآخر:

"إنَّ الإسلام تصوُّر مستَقلٌّ للوجود والحياة، تصور كامل ذو خصائص متميزة، ومِنْ ثَمَّ ينبثق منه منهجٌ ذاتي مستقل للحياة كلها، بكل مقوماتها وارتباطاتها، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة، هذا التصوُّر يُخالف مخالفة أساسية سائر التصوُّرات الجاهلية قديمًا وحديثًا"[11].

وليس له حاجة في الانفتاح على أي فكرٍ آخر؛ لأنَّ هذا الفكر الآخر إنساني، والإسلام منهج رباني كامل، وإذا كان لا يستوي الخالق مع المخلوق، فكذلك لا تستوي شريعة الخالق مع أوهام المخلوق، وكلمة (الفكر الآخر) كلمة فضفاضة، يُراد بها أنواعًا متعدِّدة من الأفكار والأهواء، لكنها جميعًا تجتمع في خصيصة واحدة، وهي أن مصدرها (بشري) أرضي.

فإذا كان المقصود بالفكر: نتاج المعرفة الإنسانية فيما فيه منفعة دنيوية، فهذا أمر مشترك بين سائر البشر، يستفيد فيه بعضُهم من بعض دون نكير، وإذا أريد بالفكر ما يكون موافقًا لمعنى الدين؛ مثل: التفسير الفكري للكون والإنسان والحياة والغيب ونحو ذلك، ففي الإسلام غنية كافية وصادقة، وهذا ما نريد بمنع الانفتاح عليه؛ لما فيه من الضرر والشك في الدين الحق.

إذا عرفنا ذلك، وعرفنا منزلة العلم والنظر وعمارة الأرض في هذا الدين، وأدركنا إدراكًا جازمًا بالفرق بين الخالق والمخلوق، ندرك حينها أنه ليس هناك أي حاجة للانفتاح على الفكر الآخر - فيما يتعلق بالأمور الدِّينية والقيم الأخلاقية الثقافية - إلا في دعوته إلى الحق، وترْك الضلال بالأدلة البرهانية المقنَّعة.

فكل خصائص الكمال والتمام موجودة في الإسلام؛ لأنه منهج رباني ومصدره إلهي، "فهو وحده مناط الثقة في أنه التصوُّر المُبَرَّأ من النقص، والمُبَرَّأ من الجهل، والمُبَرَّأ من الهوى، وهذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصوُّرات التي صاغها البشر ابتداءً من وثنيات وفلسفات، أو التي تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة، وهو كذلك مناط الضمان في أنه التصوُّر الموافق للفطرة الإنسانية، الملبِّي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها، ومن ثَمَّ فهو التصوُّر الذي يمكن أن ينبثقَ منه، ويقوم عليه، أقوم منهج للحياة وأشمله"[12].

إن القولَ بحاجة الفكر الإسلامي - بمعنى حقائق الإسلام العقَديَّة المتَّفق عليها - إلى أي فكر بشري آخر هو كالقول بحاجة الله تعالى للإنسان، ولكنّ المنهزمين فكريًّا ونفسيًّا لَم يتصوَّرُوا أولاً: طبيعة هذا الدين وخصائصه ومميزاته ومصدره، ثم لم يعرفوا - ثانيًا - الخلل الكبير الذي وقَع فيه الفكر الإنساني المبتعد عن الله تعالى في تصوُّره وقيمه وأدبياته، ونحن هنا لا نقصد أفكار آحاد المسلمين التي هي قابلة للأخْذ والرد، ولكن نريد الفكر الإسلامي المجمع عليه والمستند بقطيعة ووضوح إلى الوحْي الرَّبَّاني.

المسألة الثالثة: امتلاك الحقيقة المطلقة:

لا شك أن الإسلام يملك الحقيقة المطلقة في معرفة الله تعالى والنبوات والتوحيد والغيبيات والتشريعات؛ لأنَّها هي الحق، وغيرها المخالف لها هو الباطل: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32].

هذا فيما يتعلَّق بالأمور الواضحة في النُّصوص الشرعية، أما فيما يتعلق بالأمور الخفية التي يختلف فيها المجتهدون من المسلمين في القضايا الشرعية، فهذا لا يمكن فيه القول بامتلاك الحقيقة المطلقة لأحد من المجتهدين دون الآخر، مع وجود الحقيقة في ذاتها ثابتة.

وللمجتهد أن يُخَطِّئ مخالفه، ويعتقد بصواب قوله، أما الادِّعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة في أمر خفي، فهذا غير صحيح؛ لأنه يوحي بعدم إعذار المخالف له المنضبط في نظره واجتهاده، وهذا لا يعني أن الحق في قضايا الاجتهاد نسبي لا يوجد فيه حقيقة في نفس الأمر، بل الحقيقة ثابتة، والحق يمكن الوصول إليه في قضايا الاجتهاد، ولهذا كان المصيب من المجتهدين واحدًا، والآخر مخطئًا، وهذا هو الصواب، خلافًا لمن زعم أن كل مجتهد مصيب، ففي الحديث: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر))[13].

وشعار "امتلاك الحقيقة المطلقة" تهمة يرفعها أصحاب الملل المنحرفة والمذاهب الزائفة في وجوه أهل السنة؛ ليقولوا لهم: إنكم قد حكمتهم على المخالف قبل الحوار، فما هي فائدته؟

والحقيقة أنه ليس هناك حوار ديني بين أهل الإسلام وأهل الأديان غير حوار الدعوة، وإقامة الأدلة العقلية المقنعة على صحة الحق، وأما الحوارات في القضايا الدنيوية المشتركة؛ مثل: محاربة الفقر، وحماية البيئة، وغيرها، فالأصل فيهما الجواز؛ لأن التعاون مع الكفار على أمور نافعة ومباحة جائز، كما يظهر ذلك في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن (الحوار بين الأديان) في صورته المعاصرة غير مقتصر على ذلك، فهو مشتمل على أبعاد سياسية تحقق مقاصد الدول الكبرى، ويتخذ الحوار مطيَّة لذلك، يتضمن - أحيانًا - المطالبة بإيقاف الدعوة بين الطرفين، أو الاعتراف بالأديان المحرَّفة؛ ونحو ذلك من الشروط الإضافية على الحوار في القضايا المشتركة.

وربط هذا الحوار بالدين ودعوة العلماء والقساوسة وغيرهم لا مبرر له؛ لأنهم ليسوا أهل اختصاص في الأمور الدنيوية التخصُّصيَّة، وارتباطها بالجانب السياسي ودعوة أهل الاختصاص هو الأجدر، ولهذا وقف أهلُ العلم موقف الارتياب من هذه الحوارات، ولا يعني هذا الحكم على كلِّ حوار بين أهل الأديان بحكم واحد، فالأصل في الحوار الدنيوي الجواز، أما إذا كان هناك مفاهيم إضافية على الحوار الدنيوي، فلكل مفهوم حكمه.

المبحث الثالث

ضوابط الانفتاح الفِكْرِي

سبق أن بَيَّنْتُ أن مصطلح (الانفتاح) فيه غُمُوض وضبابية، ويتضمن معانٍ سلبية في فهم طبيعة الدين ومقوماته، ولكن سأستعمل هذا المصطلح بمعناه العام الذي يدل على معنى الاطِّلاع، والاستفادة مما عند الآخرين، وترك الانكفاء على الذات والانغلاق عليها، وهذا المعنى العام يُمكن تطبيقه بشكل صحيح إذا روعي فيه الضوابط الآتية، ويمكن أن يطبق بشكل خاطئ عند عدم مراعاة الضوابط.

ومن حيث المبدأ، فإن الانفتاح على العالم فكريًّا وثقافيًّا له آثاره المفيدة في العلوم الدنيوية، إذا كان ممن التزم بدينه وعقيدته، ولا يخاف عليه الضلال.

أما المطالبة بشكل عام بالانفتاح على الآخر، دون تحديد لنوعية القضايا التي يتم فيها الانفتاح، ونوعية المطالب به، فليس كل أحد يقدر على أخذ المفيد وترْك الزغل؛ فهذا لا شك في خطئه وبُعده عن الصواب، ومنافاته للمحافظة على الخصوصية التي تميز بها المسلمون عن غيرهم، ولذا فلا بُدَّ مِنْ وُجُود ضوابط أثناء الانفتاح على الثقافات والمعارف بشكل عام، ولعلنا نوجزها في ما يلي:

أولاً: أن يكونَ الانفتاحُ بعد العلْم الشَّرْعي:

فإن العلم بالشريعة الإسلامية ضرورة لمعرفة دين الإسلام وتطبيقها والعمل بها، وهو أيضًا ضرورة للانفتاح الفكري على الثقافات والآداب غير الإسلامية، فالانفتاح المفيد يكون بعد تصور عقيدة الإسلام وأحكامه تصورًا صحيحًا والثقة بها، ورد كل ما يخالفها من عقيدة أو عمل، أما الانفتاح قبل العلم فإنه مزلق خطير يجعل صاحبه يتخبط في الأفكار والمناهج والفلسفات، ويقع فيما يخالف ويناقض أصول دينه، ومن أقل آثاره الشك في صحة دينه، والشعور بالنقص نحوه.

وهذا هو أحد أسباب نَهْي النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرَ بن الخطاب، والإنكار عليه، عندما رأى في يده صحائف من التوراة؛ فقال له: ((أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني))[14] - ومعنى مُتَهَوِّكون أي: مُتَحَيِّرون - فيكون هذا النهي عن قراءة كُتُب الأديان وعموم المعارف، دون علم بالشريعة، أو قراءتها للاهتداء بها، ويدل على ذلك رواية البيهقي وفيها: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا))[15]، ويوضح ذلك قول عمر - رضي الله عنه - كما في رواية البيهقي: ((إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟)).

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "فلم كان هذا الاشتداد في الإنكار؟ ما ذلك إلاّ لأنه كان في مرحلة التأسيس والتكوين للعقيدة والملَّة، ولا ينبغي أن يشوش عليها في هذه المرحلة الخطيرة حتى ترسخ أسسها، ويقوم بنيانها، ويخرج زرعها شطأه، وليستغلظ ويستوي على سوقه، ثم بعد ذلك تنفتح على ما شاءت من الديانات والثقافات والحضارات"[16].

ولا ريب أنّ ما ذكره الدكتور أمر معتبر، لكن ينبغي أن يضافَ إلى ذلك العلم الكافي المانع من الانسياق وراء الشبهات، كما أن مما يضاف إلى أسباب نَهْيه عن الاطلاع على التوراة قصد الاهتداء والانتفاع بما فيها، فالإسلام كان مغنيًّا في باب الهداية إلى الصراط المستقيم، أما الاطلاع على التوراة للرد على الباطل ونحو ذلك مما لا يقصد به الاهتداء بها، فهذا أمرٌ مباحٌ في الأصل، وقد يكون مستحبًّا أو واجبًا بحسب الحاجة لذلك، ودفع الشبهة.

ثانيًا: أن يكونَ الانفتاح مع الالتزام بالإسلام:

الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة الإنسانية: الروحية والمادية، الفردية والجماعية، العلمية والعملية، وهو دين ثابت في قواعده وعقائده، وقد صور الأستاذ سيد قطب كيفية ثبات الإسلام مع تطوُّر الحياة وأنماطها المختلفة؛ فقال: "إنه تصور رباني، جاء من عند الله بكل خصائصه، وبكلِّ مقوماته، وتلقَّاه الإنسان كاملاً بخصائصه هذه ومقوماته؛ لا ليزيد عليه من عنده شيئًا، ولا لينقص كذلك منه شيئًا، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته.

وهو - مِن ثَمَّ - تصور غير متطور في ذاته، إنما تتطور البشرية في إطاره وترتقي في إدراكه، وفي الاستجابة له، وتظل تتطور وتترقى، وتنمو وتتقدم، وهذا الإطار يسعها دائمًا، وهذا التصوُّر يقودها دائمًا، لأنه المصدر الذي أنشأ هذا التصور هو نفسه المصدر الذي خلق الإنسان، هو الخالق المدبر، الذي يعلم طبيعة هذا الإنسان، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان، وهو الذي جعل في هذا التصوُّر من الخصائص ما يلبي هذه الحاجات المتطورة في داخل هذا الإطار"[17].

فالانفتاح والتطوُّر والتجديد والعقل والإبداع ونحو ذلك، لا يمكن أن تصادم هذا الدين إذا كانتْ صحيحة وحقًّا، أما إذا كانتْ باطلاً فمن الطبيعي أن يعارضَ الباطل الحق، والخطأ الصواب، وكل ما سبقت الإشارة إليه يعود إلى (العقل)، وقد قرَّر العلماءُ استحالة وُرُود العقل الصريح مُناقضًا للنقْل الصحيح، فإما أن تكونَ دلالة العقل غير صحيحة فهي غير مقبولة أصلاً، وإما أن يكون النصُّ غير صحيح أو غير صريح في دلالته، وحينئذٍ فالدِّين موافق للعقل؛ لأنَّ الجميع من عند الله تعالى[18].

لقد فطن شيخُ الإسلام ابن تيميَّة لأساس المشكلة عند دُعاة الانفتاح والتطوير والتجديد، وهو (تعظيم العقل)، وسوء الظن بالنقل، ولهذا ردوه أو أوَّلُوه وحرفوه، فبَيَّن التوافُق والانسجام للعقل مع النَّقل، وبيَّن عظمة النقل واتِّساقه مع حاجات الإنسان النفسية والعقلية والاجتماعية، وهذا ما لَم يتصوره هؤلاء، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث فيه وإدراكه.

وما زالت المشكلة قائمةً إلى اليوم، وإن اختلفت العبارات فكان الأقدمون يسمونها "تعارض العقل والنقل"، أما المعاصرون فقد يغيرون كلمة (العقل والنقل) إلى: (العلم والدين)، أو (الدين والمدنية)، أو (الدين والتطوُّر)، أو غير ذلك.

والحقيقةُ أن في كتاب "درء تعارُض العقل والنقل" علاج لقضايا عصره وعصرنا، وكما أنه رد على الفلاسفة والمتكلمين، فهو يصلح أن يكون ردًّا على دُعاة التنوير والعصرانيين، نعم هناك اختلاف في الأمثلة والنماذج المضروبة، لكن اللباب والقضيَّة الجوهريَّة واحدة، والمهم أنه يمكن للإنسان الانفتاح والاطِّلاع والثقافة والإبداع في إطار الالتزام بالشريعة الإسلامية عقيدة وعملاً ومنهجًا، وافتراض التعارض هو جهل بالشريعة نفسها أو جهل بحقيقة التطوُّر والانفتاح والإبْداع.

ثالثًا: الانفتاح دون الانبهار بثقافة الغير:

الانبهار بثقافة غير المسلمين وآدابهم وأفكارهم ومناهجهم دليلٌ على عدم العلْم بالإسلام، والاعتزاز به، والثقة المطلقة بصدقه، ودلالته على الفلاح والهداية في الدنيا والآخرة، وهو من جهة أخرى يدل على ضعف شخصية المنبهر، وهزيمة نفسه، وقصور فكره، ومن كانتْ هذه حاله فلن يتجاوز التقليد المجرد، أما التجديد والتطوير والإبداع والابتكار فلا يُمكن أن يحصلَها المنبهر حتى يفوقَ من سكر انبهاره بالغير، ويقوم بنقده نقدًا واعيًا ليأخذ ما يفيده، ويرد ما عداه.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "ومن الانفتاح المحذور: الانفتاح المبهور بثقافة الآخر، حين ينظر إليه مضخمًا من شأنه، معظمًا من فكره، شاعرًا بالدونية تجاهه لسبب أو لآخر، فكل ما قاله هذا الآخر، فهو صدق، وكل ما رآه فهو صواب، وكل ما فعله فهو جميل..."[19].

ويُمكن للمسلم أن يطلع على ثقافات الأمم الأخرى بعد العلم، ومع الالتزام ودون انبهار ليعرف نعمة الله تعالى عليه، أو للاطلاع على الصناعات والمخترعات المفيدة في قوة المسلمين أو غيرها من المصالح المشروعة، وأي أمَّة جادَّة تريد تطوير نفسها لا يمكن أن تسمح بالانبهار بالآخر بين أبنائها، ولما ذهب جيل من اليابانيين إلى الغرب رجع وهو يلبس الجينز، ويُقَلِّد الغرب في كل شيء ذبحهم حاكم اليابان، وأرسل جيلاً آخر لَم يتأثرْ بشيءٍ من العادات أو الأفكار، بل تعلم التقنية والتكنولوجيا، وطورتها فأصبحت من الدول الصناعية المنافسة.

المبحث الرابع

الانفتاح المحمود (الوعي والاستقلال الفكري)

المتأمِّل في التاريخ الإسلامي يجد أن الأمة الإسلامية تعاملتْ مع غيرها من الأمم، من خلال الفتوحات الإسلامية الواسعة التي شملتْ دائرة واسعة من الأرض في زمن يسير.

وعندما دَخَل المسلمون هذه البلاد الواسعة مع تنوُّع ثقافاتها واختلاف مناهجها وفهمها للإنسان والكون والحياة، استطاعوا التعامل معها بنفعها بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والانتفاع بأخذ الأمور الدنيوية المفيدة، وترك ما لا فائدة منه، ولم يذوبوا في هذه المجتمعات.

وأساس هذا الانتفاع هو أن المنهج الرباني يأمر بعمارة الأرض وبناء الحياة وتطويرها وفق منهج عقدي محدد، وبهذا استطاعوا الجمع بين الثبات على الإسلام عقيدة وشريعة، مع أخذ المفيد من الحضارات المختلفة.

وعندما انْحَرَف طائفةٌ من المسلمين - المتكلمون والفرَق الضالة عمومًا - في هذه المعادلة المتقنة، وأخذوا من الأمم الجاهلية أمورًا منافية لكتاب الله تعالى؛ عابهم عامةُ الأمة، وحذروا منهم وسموهم "أهل الأهواء".

ومِنْ هنا نلاحظ أنَّ الانفتاح المنضبط الذي حصل في الأمة الإسلامية نوعان:

1 - تشجيع الإبداع والاختراع بناء على أن هذه الأمة هي أمة العلم والفكر والبناء.

2 - الاستفادة مما لدى الأمم الأخرى من الإبداع الإنساني الذي لا يُخالف الإسلام.

وقد تقدَّم بيان تضمن الشريعة الإسلامية للحثِّ على العلم والمعرفة والنظر والتفكُّر والعقل، مما يدلُّ على المرونة والسعة والانفتاح الذي تتمتَّع به.

ولهذا استطاع جيلُ القرون الثلاثة المفضلة أن يضعوا قانونًا منْضبطًا لحفْظ العلوم الدينية وماله ارتباط بها مثل العلوم العربية والتاريخية وغيرها، وكذلك استطاعوا التعامُل الصحيح مع أبناء البلاد المفتوحة مع اختلاف ثقافاتهم، وتنوُّع أفكارهم.

وفيما يأتي إطلالة يسيرة على الوعي الحضاري الذي تمتع به السلف الصالح، والانفتاح المعرفي الواثق من نفسه، والذي يراعي القواعد الشرعية ومقاصدها وروحها ونصوصها وتحويلها إلى واقع اجتماعي وثقافي تتربَّى عليه الأمةُ بأسْرها:

1 - ضبط العلوم وتدوينها:

لم ينته القرن الثالث الهجري إلا وقد ضبطت كافة العلوم الشرعية ضبطًا دقيقًا، وكذلك ما يتعلق بها من علوم الآلة، فقد تم وضع قواعد قبول الرواية وفحصها، وما يتعلق بمصطلح الحديث، وما يتبع ذلك من الكلام في الرجال، وقواعد الجرح والتعديل، ونقد المتون المروية بما لَم يوجد مثله في أي أمة من أمم الأرض، ولعل من يطالع موضوعات كتب المصطلح يعلم مدى الوعي الفكري الموجود عند علماء الحديث، وكذلك تَمَّ ضبط مناهج الاستدلال وطرقه وأساليبه وآلاته مأخوذة من اللغة والقرآن وطريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

وأول مَن دوَّن أصول الفقه هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - وكانت الأصول قبله لَم تُدَوَّن في كتاب، وكذلك الأمر في اللغة، وحفظ لسان العرب من الاختلاط بغيره من الألسنة واستقراء وتتبع الكلمات العربية ورد النظائر بعضها إلى بعض واستخلاص القواعد المنظمة لها وهكذا سائر العلوم وما له ارتباط بها.

وعند النظر في قواعد وأصول كافة العلوم الإسلامية والعربية، ندرك عمق الإبداع والوعي الفكري والحضاري الموجود في الأمة، إن هذا الدور لا يمكن أن يقوم به مقلِّد أو متقوقع أو جامدٌ أو غافل.

والحقيقة أن أساس فلسفة الغرب ومنطقه الحديث الذي يفخر به على الإنسانية ومن خلاله استطاع اكتشاف المخترعات الحديثة هو (المنهج التجْريبي) و(الاستقراء العلمي)، وصورته الإدراك واليقين بأن الكونَ مُؤسس على العلل والأسباب وأنها مطردة، وبناءً على ذلك فإن اكتشاف العلة عن طريق فرض الفروض واختبارها وتزييف الزائف منها ليخلص من خلاله إلى معرفة العلة الحقيقة، وهذا ما يسمى (الاستقراء الناقص).

والوصف بالنقْص ليس المراد به الذم، بل هو وصف لحقيقته، فإنه لا يتتبع كل الفروض ولكن يتتبع ما يوصله لاكتشاف العلّة المطردة في بقية الأنواع، فهو ليس بحاجة إلى استقراء تام وهو غير ممكن في الواقع، ولهذا سَمَّاه فرنسيس بيكون: (استقراء الصبيان)[20].

هذا الاستقراء هو ما سُمِّي في مناهج البحث الحديث (المنهج الاستقرائي التجريبي)، وهذا المنهج موجود عند علماء السلَف الصالح قبلهم.

فاستقرا الكلمات العربية جميعًا أمر مستحيل؛ لأن اللغة لا يحيط بها إلا نبي، واستقراء أنواع الكلمات العربية إلى: اسم وفعل وحرف استقراء علمي قائم على الكفاية بالجزء للدلالة على الكل[21]، وهكذا الأمر في طرق الاستدلال الأصولي[22].

2 - الأدلة العقلية على القضايا العقدية:

إنَّ المتأمل في تعامل القرآن الكريم مع قارئه والناظر فيه، يتضح له أنه يعتمد على إقناعه بالبراهين والآيات والأمثال، وليس على مجرد التلقين كما يلقن الصبيان.

فقد أصَّل القرآن مبرر قبول العقيدة واعتناقها بتأصيله لإثبات وجود الله وربوبيته وألوهيته، وإثبات صدق الرسول وأدلة نبوته، وإثبات صحة الدين، وتأسيس ذلك على العقل، فالقرآن يفيض بالأدلة والبراهين القاطعة على أساسيات الإسلام ومصادره[23].

وهذا يدل على أن التربية القرآنية قد نَمَّت الوعي والانفتاح العلمي من حيث بناء العقيدة الإسلامية، ومن حيث نقد المخالفين لها، ولهذا نجد أن الله تعالى يُطالب من يعارض عقيدة الإسلام بالبراهين المقنعة؛ ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111].

فليس المطلوب من الإنسان الإيمان بعقائد المسلمين دون دليل؛ لأن القرآن تضمن الأدلة بما يكفي المنصف الذي يريد الحق، أما المكابر والمعاند فلا تقنعه رؤية الشمس عيانًا.

ودلالة ما تقدم هي أن هذا الدين مبنيٌّ على الأدلة العقلية المقنعة، وقد نمّى هذا الشعور لدى المؤمن به الثقة واليقين بصحة عقائده ووعده ووعيده، وحث على الدعوة إليه بالطرق البرهانية، ولهذا جاءتْ عقائده محررة للعقول والنفوس من الأوهام والخرافات والأساطير والعقائد الفاسدة، والتقليد الأعمى، ومتابعة الآباء والأجداد دون برهان وبينة، ونحو ذلك من القناعات الوهْمِيَّة التي لا دليل عليها.

والغرض هنا الإشارة إلى تنمية الإسلام للوعي والإبداع والتطور، وتضمنه لذلك دون الحاجة إلى استعارة مناهج وأفكار أجنبية عن المجتمع الإسلامي.

ولهذا اعتبر الدكتور علي سامي النشار - وهو ممن له عناية بالفلسفة وتاريخها - أن أصول الفقه والتاريخ من أبرز الإبداعات الفلسفية عند المسلمين[24]، وبِغَضِّ النظر عن تسمية مثل هذه العلوم فلسفة أو مناقشته فيها، إلا أنه يدل على شعور بعُمْق الإبداع والاختراع والتألُّق فيها ممن درس كتب الفلسفة، وتعرف على مداخلها ومخارجها.

والمقصود هنا: أن الإبداع الذي تَمَّ في تأسيس العلوم ووضع قواعدها يدل على أرقى درجات الوعي العلمي الذي وجد عند علماء المسلمين الأوائل.

ولعلَّ مَن أراد اكتشاف ذلك يكفيه أن يقرأ نشأة هذه العلوم، وطرق تدوينها، والأساس المنطقي لهذا التقعيد والتأسيس ونحو ذلك، والمقصود هنا الإشارة وأخْذ الدلالة فقط.

3 - سعة الاطِّلاع:

مَن يقرأ تراجم علماء السلَف الصالح يُدرك التوسُّع الهائل عندهم في تلقِّي العلوم ودراستها، وقد رحلوا في سبيل ذلك وبذلوا الغالي والنفيس.

قال الأزهري: "كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذكر شيءٌ من العلم[25] وجد عنده منه نصيب وافر، لقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوة فجرى ذكر الأكلة فاندفع الدارقطني يورد نوادر الأكلة، حتى قطع أكثر ليلته بذلك"[26].

ومحمد بن عبدالباقي الأنصاري المتوفَّى سنة 535 هـ لما أسر في أيدي الروم تعلَّم منهم اللغة الرومية والخط الرومي، ولهذا قال عن نفسه: "ما من علم في عالم الله إلا وقد نظرت فيها وحصَّلْت منه بعضه أو كله"[27].

يقول الصفدي عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "أخبرني المولى علاء الدين علي بن الأموي، وهو من كبار علماء الحساب قال: دخلت يومًا إليه أنا والشمس النفيس صاحب بيت المال - ولم يكن في وقته أكتب منه - فأخذه الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وعن ما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك؟ إلى أن وضح له ذلك وعلله، قال: فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أتعلمه، انتهى ما ذكره علاء الدين"[28].

كل هذا الاطلاع في صحة عقيدة، وحسن تدين، وهذا يدل على أن الثقافة والاطلاع لا يلزم منها فساد العقيدة والتخبُّط فيها.

ويقول أبو البقاء السبكي: "أعرف عشرين علمًا لم يسألني عنها بالقاهرة أحدٌ"[29].

وفي كتب التراجم عجائب من سعة الثقافة والاطلاع على العلوم عند علماء المسلمين الأوائل ممن لم يلج في البدع والعقائد الضالة المنحرفة، وقد وجد فيهم من الحرص والشغف بالكتب قراءة وتحصيلاً الشيء العجيب، فقد كانوا يكررون قراءة بعض الكتب المهمة مئات المرات.

ويقرؤون المطولات في المجالس المعدودة قراءة ضبط وتدقيق، ويدرسون الكتب مرات كثيرة، وكذلك الأمر في نسخ الكتب وكتابتها.

هذه بعض الإشارات التي تدل على مدى إبداع علماء السلف، وعُمق علومهم واطلاعهم، والمتأمِّل في علمهم وعملهم يدرك أن أبرز سبب في عُمق علومهم هو انتهاجهم للمنهج الرباني، والسير على درب الأنبياء، وتعظيم حق الله تعالى ورسله وكتبه، فإن من جهل معرفة الله تعالى وحقه، فهو بغيره أجهل، حتى لو تزيَّن بلباس الثقافة، ومن عرف الله تعالى ودينه، فإن الله تعالى يعرفه ما سوى ذلك.

ولكن قد يقول قائل: إن المخالف في هذه القضية (الانفتاح) - سواء الفلاسفة أو المتكلمون أو التنويريون العصرانيون حديثًا - لا يخالف في أن الإسلام جاء بالوعي والانفتاح، بل إنه يتخذ من ذلك ذريعة لتبرير واقعه ودعوى أن ما يقوم به يوافق الإسلام، خاصة وأنَّ هذه المرحلة تشهد تخلي كثير من التنويريين عن محاربة الإسلام ومصادره بصورة فاضحة مكشوفة، فقد اتجهوا إلى تبرير أفكارهم وعقائدهم والاستدلال عليها من القرآن والسنة، وذلك من خلال (تأويل) نصوصه، وقراءتها قراءة تأويلية جديدة لتوافق مذاهبهم.

وهذا القول صحيح، فلم يعد الخلاف في شعار الإسلام العام، وأنه يحمل كل وعي وخير وفلاح للإنسانية، ولكن الشأن في تفسيره وقراءته.

ولكن حديثي المتقدم كان المقصود به الإسلام الصحيح الذي لم يدخله التحريف والتأويل، وتأويلات أهل الباطل قديمًا وحديثًا لا تلغي أن لفظ (الإسلام) إذا أطلق فإنه يقصد به الاستسلام التام لأمر الله تعالى، كما أراده الله تعالى، ونحن نجزم عن علم ويقين أنه يمكن لنا معرفة ما أراده الله تعالى في أصول العقيدة والإيمان وقواعد الإسلام ومقاصده الكبرى، وهي ما أجمع عليه المسلمون منذ عهد الرسالة الخاتمة، ومخالفة هؤلاء الزنادقة أو المبتدعة لا تقدح في صحة هذا الإجماع واليقين بما يتضمنه.

وكما حفظ الله تعالى لفظ القرآن والصحيح من السنة من عدم دخول التحريف فيها، فكذلك حفظ معنى القرآن وصحيح السنة؛ وذلك بالعلوم المعيارية المنضبطة (علم الرواية = مصطلح الحديث، وعلم الدراية = أصول الفقه)، وبهذه العلوم الضابطة لفوضى الفهم والقراءة لنصوص الوحي، ينضبط ما اتفق عليه من أمور العقائد وأصول الأحكام والأخلاق والأنظمة وغيرها من المحكمات المجمع عليها.

وليس كل مَن تأول شيئًا من النصوص يكون تأويله مقبولاً أو معذورًا فيه، فالباطنية تأولوا النصوص الشرعية بطريقة عابثة، كحال دعاة التنوير اليوم، ولم يؤثر انتسابهم إلى الإسلام على مسماه العام، فإنه إذا أطلق لا يدخل فيه هؤلاء الزنادقة.

وهكذا الحال في أهل البدع من المتكلمين والصوفية والعصرانيين ونحوهم.

المبحث الخامس

الانفتاح المذْموم (التبعيَّة والانهزام)

كان جيلُ الصحابة - رضي الله عنهم - هو أفضل جيل تلقى الشريعة الإسلامية وفهمها فهمًا صحيحًا، وعمل بها، وجاهد لأجلها، وهو بحقٍّ جيلٌ فريد، وهو أيضًا الجيل القدوة الذي عايش الإسلام قولاً وعملاً، وتصوره كما أراده الله تعالى، وكان لهذا التميز أسباب كثيرة؛ منها: عدم فساد فطرته بالأفكار والمناهج والنظريات الفلسفية، التي هي من خرص العقول، وأوهام التفكير البشري العاجز، وكذلك جودة فهومهم، وسلامة صدورهم، ونحو ذلك مما حباهم الله تعالى إياه من الصفات والأخلاق.

ولما أنزل القرآن الكريم عليهم فهموه فهمًا بعيدًا عن العقد الفكرية، والوساوس الشيطانية التي لعبتْ بعقول كثيرٍ من الأمم ممن كان حولهم؛ مثل: الرومان والفرس والهنود وغيرهم، وتمثلوا الشريعة واقعًا عمليًّا في كل جوانبها وأنحائها، ومنها: الجانب الفكري الذي فتح آفاق الإبداع أمامهم على مصراعيه، وفق أوامر الشريعة وتعليماتها.

ولهذا لم يحتاجوا إلى أي أمة من الأمم حولهم؛ لشعورهم بكمال دينهم، ولمعرفتهم التامة به، ولعلمهم أنه لا نجاة في كل جوانب الحياة - ومنها الفكر - إلا بهداية الله تعالى.

والمتأمل في الوحي الرباني يجد فيه الإجابة الشافية على أعقد المعضلات الفلسفية، والإرادات النفسية الروحانية، والتصورات الفلسفية بين الأمم متفقة في الموضوع، وإن كانتْ مختلفة في الآراء والنتائج التي توصلتْ إليها، وفي الوحي المعصوم إجابات صادقة، موثَّقة المصدر لكل موضوع فكري فلسفي مما تحتاجه الأمة، وتريد معرفة وجْه الحق فيه، ولم تحصل الانحرافات والضلالات عند فئات من المسلمين، إلا بسبب عدم معرفة أحكام الإسلام وعقائده بصورةٍ صحيحة، أو عدم الثقة بها مع الانبهار والانهزامية أمام الآخر، والشعور بقدرته على الحل لغوامض الأفكار ودقيقها.

ثم ظهر بعد الصحابة - رضي الله عنهم - والقرون المفضلة أقوامٌ انحرفوا عن جادة الحق، وتنكبوا الصراط المستقيم لأسباب كثيرة؛ منها: الانبهار بما لدى الأمم الأخرى من العلم والفكر والنظر، والانفتاح عليهم للتلقِّي والاستمداد مما عندهم.

ولكونهم من المسلمين اقتضى ذلك محاولة التوفيق بين ما تلقوه وما يدينون به، فظهر "التأويل" كأداة فعّالة للجمع والتوفيق، فألغوا دلالات النصوص، وأنزلوها على غير وجهها الصحيح، وقد دعاهم الانفتاح الفكري على أفكار الأمم الأخرى إلى إهمال نصوص الوحيين، والانشغال بعلوم من انفتحوا عليه.

وفيما يأتي إطلالة على هذه الاتجاهات باختصار:

1 - الفلاسفة الإسلاميون:

وهم طائفةٌ من المنتسبين للإسلام درسوا الفكر الإغريقي اليوناني، وتشربوه وترجموا كتبه وشرحوها، واعتنقوا نظريات الفلسفة اليونانية، ومن أولئك: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وغيرهم[30].

يقول الشهرستاني: "قد سلكوا كلهم طريقة أرسطو في جميع ما ذهب إليه وانفرد به، سوى كلمات يسيره، ربما رأوا فيها رأي أفلاطون"[31].

ومن المعلوم أن أرسطو وأفلاطون وثنيون، ليس لهم دين رباني، ولا كتاب معصوم، وكل عقائدهم من نتاج العقل فهو رسولهم، وما أوصلهم إليه فهو دينهم[32].

وقد كفَّرهم الغزالي في تهافُت الفلاسفة بثلاث مقالات:

1 - القول بقدَم العالَم.

2 - إنكار علم الله تعالى بالجُزئيات.

3 - إنكار البعْث الجسماني[33].

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية طريقتهم في نصوص الأنبياء فقال: "فأهل الوهم والتخيل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به، ويتوهمون به أن الله جسم عظيم، وأن الأبدان تُعاد، وأن لهم نعيمًا محسوسًا، والأمر ليس كذلك في نفس الأمر؛ لأن مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به، ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا كذبًا فهو كذب لمصلحة الجمهور إذا كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق، وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية"[34].

ثم منهم من يقول: إن النبي يعلم الحق، ولكن أظهر خلافه للمصلحة، ومنهم من يقول: إنه كان لا يعلم الحق، ويفضلون نظار الفلاسفة عليه، ولهذا فالفارابي، ومبشر بن فاتك، وغيرهم يفضلون الفيلسوف الكامل على النبي[35].

وقد كان الفارابي يقول ببقاء الأنفس، وأحيانًا يقول ببقاء الأنفس العالمة دون الجاهلة[36]، وهذا إنكار صريح للبعث واليوم الآخر.

وهؤلاء الفلاسفة درسوا الفلسفة اليونانية بدقَّة بالغة مع الإعراض عن الوحي، ولهذا نجد عامة مُصنفاتهم في الفلسفة[37].

يقول ابن سينا: "وقرأت كتاب "ما بعد الطبيعة" فأشكل علي حتى أعدت قراءته أربعين مرة، فحفظته ولا أفهمه، فأيست، ثم وقع لي مجلد لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب "ما بعد الحكمة الطبيعية" ففتح عليَّ أغراض الكتاب ففرحتُ"[38].

قال الذهبي عن ابن سينا: "وقد كفّره الغزالي في كتاب "المنقذ من الضلال"، وكفّر الفارابي، وقد تتلمذ هؤلاء الفلاسفة على النصارى والوثنيين، فالفارابي لقي (متّى بن يونس) صاحب المنطق، فأخذ عنه، وسار إلى حرَّان، فلزم بها يوحّنا بن جيلان النصراني، وكان الفارابي مغنيًا بارعًا في ضرب العود"[39]، وبلغ من الإلحاد - عندهم - أنَّ الكندي كما يقال: "هَمَّ بأن يعملَ شيئًا مثل القرآن، فبعد أيام أذعن بالعجز"[40].

وكل ما تقدم حصل لغرض الانفتاح الفكري على الأديان الأخرى وفلسفتها، فكانت النتيجة الإلحاد، وتعلم التنجيم، والموسيقى والمنطق، والتتلمذ على النصارى والوثنيين مع الجهل بالعلوم الشرعية والعربيَّة.

2 - المتكلمون:

وهم طائفة من المسلمين اشتغلوا بمناظرة الفلاسفة وأهل الأديان الأخرى بنفس الطريقة والمنهج، مع الجهل بالشريعة الإسلامية؛ أدَّى بهم ذلك إلى التزام لوازم فاسدة، فتكونت بذلك - عندهم - أصول بدعية في أغلب أبواب العقيدة، وكذلك تكونت أدلة بدعية أوصلتهم إلى مخالفة السنة في كثير من المسائل، ولعل من أبرز العوامل التي أثرت في انحراف المتكلمين: الالتقاء بأصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، والتأثر بها، ودخول الزنادقة من أبناء البلاد المفتوحة في الإسلام - نفاقًا - بغية الإفساد لعقيدة أهله.

قال سليمان البلخي: "كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحًا، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج مدة، ثم خرج وقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء"[41].

وكان للترجمة أثرٌ بالغ الخطورة في تكوُّن المناهج الكلامية، وليست الخطورة في الترجمة ذاتها، بل في موضوعها، وهو ترجمة الكتب الفلسفية[42]، ولاتخاذها مصدرًا للتلقي، ورافق الانفتاح على الفكر اليوناني - بحجة النقد والرد والاطلاع - الجهل بالكتاب والسنة وعلومها.

يقول ابن تيمية: "ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام، المعتقدين لمضمونهما، هم أبعد الناس عن معرفة الحديث... وهذا أمر محسوس، بل إذا كشفت عن أصولهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه... حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية، فيقول: لا نسلم صحة الحديث! وربما قال: لقوله - صلى الله عليه وسلم - كذا، وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك العجائب، وما لم يبلغنا أكثر، وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجلٌ يسمى شمس الدين الأصبهاني شيخ الإيكي فأعطوه جزءًا من الربعة، فقرأ: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * المص ﴾ [الأعراف: 1]، حتى قيل له: ألف لام ميم صاد"[43]، ولا غرابة أن يقول الغزالي عن نفسه: "أنا مزجى البضاعة في الحديث"[44]، وهذا حالهم.

وقد ذم العلماءُ علم الكلام وأهله ذمًّا شديدًا، لا لكونه استعمل مصطلحات جديدة، بل لكون معانيه باطلة تتضمَّن ما يناقض الوحي.

وللازدواجية المقيتة التي فرَضَها المتكلمون بين الوحي والعقل، فقد اتسموا بالتناقض في الأقوال والآراء، وكثرة الجدل واتِّباع المتشابه، والتعسُّف في التأويل والغلو في تعظيم العقل واعتباره مصدرًا للتلقِّي، وقلة تعظيم النصوص الشرعية، وكثرة الشك والتوقف والاضطراب والحيرة، مما دعا كثيرًا من كبار المتكلمين للرجوع عن مناهجهم الكلامية، وكثرة التفرُّق والاختلاف بينهم.

كل هذه السمات وغيرها عند المتكلمين إنما حصلتْ بسبب البعد عن المنهج الشرعي والجهل العظيم بمفاهيم القرآن والسنة، والانفتاح على أفكار ومناهج الضالين، التي هي من الشبهات المضلة، وبآثار الانفتاح المذموم ندرك ضرره وخطورته.

وهذا يدل على أن فكرة الانفتاح فكرة قديمة تظهر بين الحين والآخر، إما للجهل بالدين وتعظيم الآخر والانهزام بين يديه، أو للإعجاب بالنفس ومحاولة اكتشاف المجهول، أو لأي داعٍ من الدواعي الأخرى، وقد برزتْ آثارها فيهم واضحة لمن قرأ تاريخهم ومقالاتهم وما آلت إليه مناهجهم من الضلال والبُعد عن الحقِّ.

ومن مقالاتهم:

♦ تقديم العقل على النقل، واعتباره المصدر الأول لتلقى العقيدة.

♦ عدم قبول خبر الآحاد في العقيدة، والقول بأن الدلالات اللفظية لا تفيد اليقين إلا بتجاوز عقبات؛ مثل: نفي الاشتراك والمجاز والمعارض العقلي ونحو ذلك، وبهذا يكونون قد ردوا المتواتر والآحاد في الاستدلال على العقيدة.

♦ تأويل أسماء الله تعالى وصفاته أو بعضها.

♦ القول بنفي القدر أو القول بالجبر في باب القضاء والقدر.

♦ اعتبار الإيمان تصديقًا قلبيًّا دون قول اللسان وعمل القلب والجوارح.

♦ قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله تعالى، وأن الوجوب لا يكون إلا بالعقل استقلالاً.

♦ حصر التوحيد في الربوبية والصفات، وإهمال توحيد الألوهية، وبناء على ذلك حصروا الشرك في الربوبية دون الألوهية، وبرروا الشركيات العملية بكونها لا تقدح في التوحيد (أي الربوبية!).

♦ والقول بعدم التفريق بين النبي الصادق والمدعي الكاذب إلا بالمعجزة، والقول بعدم الفرق بين المعجزة والسحر وغيره من الخوارق إلا بدعوى النبوة في الأول دون الثاني ولو ادعاها الثاني لسلب هذه الخوارق، ولم تحصلْ له.

ونحو ذلك من الأقوال المنْحرفة عن السُّنَّة النبويَّة.

3 - التنوير والعصرانية:

التنوير والعصرنة يُراد بها تلك الحركة الفكرية المنفتحة على الحضارة الغربية وفكرها مما أدَّى إلى تأويل نُصُوص الوحي ليوافق متطلبات العصر وحاجاته، وهناك ثمة تشابه بين الفلاسفة والمتكلمين قديمًا، والتنوير والعصرانيين حديثًا في الانفتاح على الآخر، (الفلسفة اليونانية قديمًا، أو الحضارة الغربية حديثًا)، وتأويل النصوص، ولي أعناقها لتوافق الآراء والأفكار الجديدة الحادثة بسبب هذا الانفتاح.

والفكر العصراني هو حركة تجْديد واسعة نشطتْ داخل الأديان الكبرى (اليهودية، والنصرانية، والإسلام)، عرفتْ في الفكر الغربي باسم (Modernism)، وهي مبنية على الاعتقاد بأن التقدُّم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدِّينية التقليدية على ضوء المفاهيم المعاصرة، أو مفاهيم العقل عمومًا، ومُحاولة تأويل النصوص ليتوافق هذا القول أو ذاك.

وجذور هذا الفكر يعود إلى الفلاسفة والمتكلِّمين كالمعتزلة، ودعاة تقديم العقل على النص عمومًا[45].

وهم أمشاج فكريَّة مختلطة: منهم العلماني اللا ديني المتستر بالدِّين، ومنهم الإسلامي المنحرف في طريقة الاستدلال ومنْهجه.

وقد بدأتْ حركه التنوير والعصرنة منذ بوادر النهضة في العالم العربي والإسلامي على يد المبتعثين الأوائل، ثم تطوَّر منهج التنوير، واختلف عن حاله الأول إلى أوضاع مأساوية مناقضة للإسلام من أصوله وجذوره.

يقول الأستاذ محمد قطب: "نحسب الأجيال الأولى من (التنويريين)، رفاعة الطهطاوي وأمثاله كانوا مخلصين، والله أعلم بهم، لَم يكن في قلوبهم ذلك الحقد الأسود على الإسلام، الذي اكتسبه المتأخرون منهم الذين يتحدثون عن المسلمين في شماتة ظاهرة لا حياء فيها، ويتحدثون عن الإسلام كأنه العدو الأكبر الذي لا بد من إزالته من الأرض، ولكن الإخلاص وحده لا يغني إذا كان المنهج غير صحيح، لقد رأوا واقع أمتهم السيئ، وكانوا راغبين حقًّا في إنقاذ أُمَّتهم: الأمة الإسلامية على وجْه التحديد بصفتها تلك، لا بأي صفة سواها، وظنوا أن السبيل الأوحد للإنقاذ هو تقليد أوروبا، فكان خطؤهم في طريقة التفكير، وليس من فساد في الضمير، وكان الخطأ ناشئًا من الهزيمة الرُّوحية التي استولتْ على أرواحهم تجاه الغرب والحضارة الغربية، ولَم يكونوا من أولى العزْم، لذلك لفتهم الدوامة، وذهبت بهم كل مذهب فلم يقووا على مقارنتها، وتحْديد مسارهم الذاتي في داخلها، أمَّا المحدثون فلهم شأن آخر، إنهم ليسوا حريصين على إنقاذ أمتهم (الإسلامية) بصفتها تلك، بل هم على العكس من ذلك حريصون على إبعاد هذه الأمة عن الإسلام، باعتبار أن هذا العلاج الذي لا علاج غيره لما أصاب الأمة من الأمراض، فهم سابحون مع تيار الغرب برغبة ووعي، ويعلمون على وجه التحديد ماذا يريدون؟"[46].

لقد تبنى التنويريون كافة الإيديولوجيات الغربية بكل أطيافها فظهر فيهم: الشيوعي، والليبرالي، والحداثي، ونشروا هذه المناهج في العالَم الإسلامي، وتعاوَنوا مع الاستعمار في بناء المؤَسَّسات التعليمية والفكرية على نظريات غربية إلحادية في كافة المجالات الفلسفية والأدبية والنفسية والاجتماعية، حتى ظهر مَن يدعو لنظرية الارتقاء والتطور - مذهب دارون - التي حاربها علماء الأحياء الغربيون المنصفون، وغطى هؤلاء كافة الوسائل الإعلامية كالصحافة والتلفاز ودور النشر، والمحاضن التربوية كالمدارس والمناهج والجامعات والمؤسسات العلمية المستقلة، والمؤسسات الفكرية والثقافة الرسمية وغير الرسمية، المحلية والإقليمية والدولية.

ولعلي أمثل لنموذج من هؤلاء، وهو طه حسين؛ حيث يقول: "إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يُعاب"[47]، وهذا المؤصل لمنْهج الثقافة والحضارة المستقيمة - حسب زعمه! - يعتبر مِنْ رُواد النهضة ورموزها المُمَيزين.

ولعل أبرز إنجازات حركة التنوير الكبرى كما يريدون هي:

1 - تحرير المرأة.

2 - حرية الفِكْر.

3 - الحرية السياسيَّة.

ونتائج هذه الإنجازات هي:

1 - إفساد المرأة وخروجها عن الفطرة والطبيعة الإنسانية في كينونتها.

2 - انتشار الكفر عن طريق تبنِّي المذاهب الفكرية المعاصرة باسم حرية الفكر، وإعلان الإلحاد، ومُعارضة رب العالمين في خبره وأمره.

3 - الحكم بغير ما أنزل الله، وتشريع الأهواء البشريَّة للحكم بين الناس، العمالة للغرب الكافر، ومحاصرة الإسلاميين والضَّغْط عليهم، وحماية الغرب الكافر عن طريق محاربة الإعداد للخروج من المأزق الحضاري والعسكري المستقل للأمة، والتبعية الحمقاء للغرب في كل شيء وإن صغر.

وإذا أردنا أن نتصور مناقَضة دعاة التنوير لأصول الدين وقواعده، فيُمْكن أن نأخذَ نماذج لأقوالهم، ومن ذلك:

♦ يقول حسن حنفي: "يُمكن للمسلم المعاصر أن ينكرَ كل الجانب الغيبي في الدِّين، ويكون مسلمًا حقًّا في سُلُوكه"[48].

♦ ويقول محمد أحمد خلف الله: "فلقد حرَّر الإسلامُ العقل البشري من سلطان النبوَّة من حيث إعلان إنهائها كلية، وتخليص البشريَّة"[49].

ومن أبرز الأمثلة على التبعيَّة الفكرية في الفكر العربي المعاصر: الاتِّجاه الحداثي الجديد في التعامُل مع النَّصِّ الشرعي، يقول محمد أركون: "فالقرآن نصٌّ مفتوح على جميع المعاني، ولا يُمكن لأيِّ تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفذه بشكلٍ نهائي"[50].

ويعتمد الفكرُ الحداثي الجديد على تاريخيَّة النصِّ القرآني، وأن المعاني المعروفة في كتب التفسير في النصوص لَم يعد لها مكان في العصر الحديث، ولهذا فلا بُدَّ من الاعتماد على قراءة جديدة للنص، يقول أركون أيضًا: "إن القراءة التي أحلم بها هي قراءة حرة إلى درجة التشرُّد والتسَكُّع في كل الاتجاهات، إنها قراءة تجد فيها كلَّ ذات بشريَّة نفسها"[51].

وبناء على هذا فلا توجد حقيقةٌ مُطلقة للمعاني القرآنية، بل هي أمورٌ نسبيَّة، وفي ذلك يقول أركون: "إنَّ القول أن هناك حقيقة إسلامية مثالية وجوهرية مستمرَّة على مدار التاريخ وحتى اليوم ليس إلا وهْمًا أُسْطوريًّا، لا علاقة له بالحقيقة والواقع"[52].

وقد قام هذا الاتِّجاه بعمليَّة تأويل واسعة للمحكمات الشرعية يماثل ما قام به الباطنيون القدامى[53]، وهذه التأويلات الجديدة هي تطوُّر جديد في الفكر العربي العلماني المعاصر يعتمد على هدْم الأصْل بالأصل نفسه[54].

ومِنْ نماذج المدْرسة العصرانية - الداعية للانفتاح على الواقع - مجموعة من الإسلاميين تأثروا بالفكر الغربي، وأرادوا تأويل الحقائق الشرعية لتوافق الواقع، ووقفوا - لذلك - موقفًا سلبيًّا من النُّصوص الشرعية، ومن السلف الصالح، يقول فهمي هويدي في مقال له بعنوان: (وثنيون هم عبدة النصوص)، وثنية جديدة وذلك أن الوثنية ليست عبادة الأصنام فهذه صيغة الزمن القديم، ولكن وثنية هذه الأزمان صارت تتمثل في عبادة القوالب والرموز، في عبادة النصوص والطقوس"[55].

ويقول حسن الترابي - عن فَهم السلف -: "وكل التراث الفكري الذي خلَّفه السلف الصالح في أمور الدين هو تراث لا يلتزم به، وإنما يستأنس به"[56].

هذه نماذج تدل على أن الانفتاح إذا فقد ضوابطه يوصل إلى الانحرافات الفكرية، وأن الانفتاح أخذ مفاهيم جديدة زائدة على مجرد الاطلاع ومعرفة ما لدى الآخرين من الأفكار والآراء.

الخاتمة

الحمد لله الذي بفَضْله وآلائه نبتدئ المكارم والفضائل ونتمها، وإليه يرجع الفضلُ كله في كافة أمورنا دقيقها وجليلها، وفي نهاية المطاف في دراسة هذا الموضوع الحيوي المتحرك (الانفتاح الفكري)، نختمه بأهمِّ النتائج والتوصيات:

أولاً: أهم النتائج:

1 - أن مصطلح (الانفتاح) لا يحمل دلالة محددة يمكن إدراكها وتحديدها بمجرد إطلاقه، فهو مُصطلح سيال، يُستعمل بصورٍ متعددة إلى درجة التناقُض.

2 - أن دلالة المصطلح في المعجم الغربي سلبيَّة من حيث النظر إلى الدين، لأنه نتاج بيئة فكرية منحرفة اعتمدتْ على الدِّين النصراني المحَرَّف، ومارس رجالُه مع الإقطاع طغيانًا عظيمًا جعل العقل الغربي في انغلاق كبيرٍ، مما جعل دعاة الفكر الإلحادي الحر يعتبرون منهجهم الفكري انفتاحًا، وعصرهم تنويرًا، وقد تأثر بهذا الفكر العربي المعاصر.

3 - إذا استعملْنا الانفتاح بمفهومه العام نجده منقسمًا إلى محمود ومذموم، الأول هو الوعي والإبداع الفكري، والثاني هو التجارب السلبية لدُعاة الانفتاح قديمًا وحديثًا في الفكر الإسلامي.

4 - أن الشريعة الإسلامية حثَّتْ على الانفتاح من خلال الحث على العلم والتعلُّم، والأمر بالنظر والتفكُّر، ولهذا كانت نتائج ذلك باهرة، كما يتضح في ضبط العلوم وتأسيسها على المنطق العلمي، واستعمال الإقناع والبرهان في الدلالة العقدية ونحو ذلك.

5 - لا يرفضُ الإسلامُ الاطِّلاع على أفكار ومذاهب الآخرين بعد تحقق الضوابط، وهي: العلم بالإسلام، والاعتزاز به، والثقة فيه، ومقصود هذه الضوابط المحافظة عل العقل الإسلامي من التخبُّط والشبُهات، ولما تنكب البعضُ هذه الضوابط ساروا في طريق الحيرة والتيه والانحراف العقدي.

ثانيًا: التوصيات:

أوصي طلاب الدراسات العليا والباحثين بمعالجة القضايا والنوازل العقدية المعاصرة بمنهج السلف الصالح؛ مثل: الانفتاح، والمجتمع المدني، والتعدُّدية، والحرية وغيره، والتركيز على بناء منهج علمي في دارسة المفاهيم المعاصرة من خلال النصوص الشرعيَّة، والعلوم المعياريَّة لدى علماء السلف؛ مثل: اللُّغة والأصول، وكذلك تجارب علماء السلف المجددين؛ مثل: الإمام أحمد والشافعي، وابن تيميَّة والشاطبي وغيرهم، والتركيز على الآليَّات والمنهج النقْدي للأفكار والمذاهب، ونقدها نقدًا واقعيًّا مع النقْد الشرعي، فالنقد الواقعي لنتائج الأفكار ومآلاتها يُساهم مساهمة فعالة في ردها، وكما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع

1 - الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد، سعود العريفي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة.

2 - الأسس القرآنية للتقدم، د / محمد أحمد خلف الله، طبعة القاهرة، عام 1975م.

3 - تاريخية الفكر العربي الإسلامي، محمد أركون، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء العربي، بيروت، 1998م.

4 - تجديد الفكر الإسلامي، د / حسن الترابي، الدار السعودية للنشر، ط2، عام 1987م.

5 - تذكرة الحفاظ، الحافظ الذهبي، طبعة الشيخ عبدالرحمن المعلمي، تصوير دار إحياء التراث العربي، بيروت.

6 - التطبيق الصرفي، د / عبده الراجحي، دار النهضة العربي، بيروت عام 1404 هـ.

7 - تهافُت الفلاسفة، أبو حامد الغزالي، تحقيق: الأب موريس بويج اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1960م.

8 - ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، الشيخ يوسف القرضاوي، دار الشروق، مصر.

9 - الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيميَّة، عزيز شمس، وعلي العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة.

10 - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، محمد بن عيسى التِّرمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

11 - خصائص التصوُّر الإسلامي، سيد قطب، دار الشروق، مصر.

12 - درء تعارُض العقل والنقل، شيخ الإسلام ابن تيمية، ت / رشاد سالم، ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

13 - دروس في التصريف، محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، 1411هـ.

14 - الذيل على طبقات الحنابلة، الحافظ ابن رجب الحنبلي.

15 - الرد على الزنادقة والجهمية، الإمام أحمد بن حنبل (ضمن مجموعة عقائد السلف نشرها الطالبي، والنشار) دار المعارف.

16 - سنن أبي داود، مراجعة محمد محيي الدين عبدالحميد، دار الكتب العلمية، بيروت.

17 - سن ابن ماجه، ترتيب محمد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر، بيروت.

18 - السنن الكبرى، للإمام النسائي، ت / البغدادي وسيد كردي، دار الكتب العلمية، بيروت.

19 - السنة، ابن أبي عاصم، ت / الألباني، ط / المكتب الإسلامي، بيروت.

20 - سيَر أعلام النبلاء، للحافظ الذهبي، ت / شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت.

21 - صحيح مسلم، ترتيب محمد فؤاد عبدالباقي، دار المعرفة، بيروت.

22 - صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام، السيوطي، ت / علي سامي النشار.

23 - صحيح وضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1411هـ.

24 - طرق الاستدلال ومُقدماتها عند المناطقة والأصوليين، د / يعقوب الباحسين، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1421 هـ.

25 - العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، محمد حامد الناصر، مكتبة الكوثر، الرياض، 1417هـ.

26 - العلمانيون والقرآن الكريم، د. أحمد الطعان، دار ابن حزم، الرياض، ط1، 1428هـ.

27 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر العسقلاني، المطبعة السلفية، إشراف محب الدين الخطيب، وتعليق الشيخ ابن باز.

28 - الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، محمد أركون.

29 - الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، محمد أركون، ترجمه هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1995م.

30 - في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، مصر.

31 - القاموس المحيط، الفيروز أبادي.

32 - قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر، حسن حنفي، دار التنوير، بيروت.

33 - قضية التنوير في العالم الإسلامي، محمد قطب، دار الشروق، مصر.

34 - كشف الأستار، الحافظ الهيثمي، ت / حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة.

35 - لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور، ط: دار صادر، بيروت، تاريخ الطبع بدون.

36 - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ أبو الحسن الندوي، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، ط 4، عام 1985م.

37 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة، جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد، الطبعة الرسمية في الرياض.

38 - مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، مطبعة المعارف، 1938م.

39 - مسند أبي عوانة، طبعة هندية مصورة من دار المعرفة، بيروت.

40 - المسند، الإمام أحمد بن حنبل، ت / التركي والأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.

41 - المصنف، للحافظ عبد الرزاق الصنعاني، ت / حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي.

42 - معالم في الطريق، سيد قطب، دار الشروق، مصر.

43 - المعرفة في الإسلام "مصادرها ومجالاتها"، د / عبدالله القرني، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط2، عام 1429 هـ.

44 - الملل والنحل، أبو الفتح الشهرستاني، دار المعرفة، بيروت.

45 - المنطق التوجيهي، د / أبو العلا عفيفي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، 1938م.

46 - المنطق الحديث ومناهج البحث، د / محمود قاسم، مصر.

47 - منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد بن صامل السلمي، ط دار طيبة، الرياض.

48 - المورد (قاموس انجليزي / عربي)، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت.

49 - نشأ الفِكْر الفلسفي في الإسلام، د / علي سامي النشار، دار المعارف، مصر.

الدوريات:

50 - مجلة العرب (235).

[1] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ص 35.

[2] انظر المورد للبعلبكي مادة: (Open).

[3] انظر: التطبيق الصرفي ص /71، ودروس التصريف ص/76.

[4] انظر: الصحاح (مادة فتح)، ولسان العرب (مادة فتح)، والقاموس المحيط (مادة فتح).

[5] رواه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله" (1/7)، والطبراني في الأوسط والصغير (مجمع الزوائد 1/120). وضعَّفه عدد من الأئمة السابقين، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3/39)، وللسيوطي جزء في تخريجه مطبوع.

[6] أخرجه مسلم (2699)، والنسائي في الكبرى (7287)، وأحمد في المسند برقم (27427)، (2699)، وأبو داود (1455)، وابن ماجه (225) عن أبي هريرة - رضي الله عنه.

[7] "في ظلال القرآن" ص: 2529.

[8] رواه أحمد في المسند برقم (12902)، والبخاري في الأدب المفرد (479)، والبزار (كشف الأستار 1251) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - بإسناد صحيح.

[9] أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (6/2631)، ووصله أبو داود (3647)، والترمذي (2715)، وصححه الألباني انظر: صحيح وضعيف الترمذي (8/145).

[10] انظر: منهج كتابة التاريخ الإسلامي، ص 192.

[11] سيد قطب، معالم في الطريق، ص3.

[12] سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي، ص/45.

[13] رواه البخاري (الفتح 13/318)، ومسلم (النووي 12/3).

[14] رواه أحمد في مسنده برقم (15156)، والبزار (كشف الأستار 124)، وابن أبي عاصم في السنة (50) بإسناد صحيح.

[15] رواه أحمد في مسنده برقم (14631)، وعبد الرزاق في المصنف (10158) والبيهقي في سننه 2/11، 10، وفيه ضعف.

[16] ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، ص/72، ويشكل على هذا التعليل أن الواقعة كانت بالمدينة بعد مرحلة التأسيس.

[17] "خصائص التصور الإسلامي"، ص/4.

[18] انظر: "درء تعارض العقل والنقل"، 1/72 وما بعدها.

[19] "ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق"، ص /76.

[20] "المنطق الحديث ومناهج البحث" ص 57.

[21] يعرف علماء المنطق الحديث هذا النوع من الاستقراء بأنه: الحكم على الكلي بما حكم على أفراده؛ المنطق التوجيهي ص 122.

[22] انظر: طرق الاستدلال ومقدماتها ص 29.

[23] انظر لتفصيل هاتين القضيتَيْن: الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد (د. سعود العريفي)، والمعرفة في الإسلام مصادرها ومجالاتها (د. عبدالله القرني).

[24] انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلامي (الجزء الأول).

[25] أي: أي نوع كان من العلوم.

[26] "تذكرة الحفَّاظ" 3/993.

[27] "الذيل على طبقات الحنابلة" 1/194.

[28] "الوافي بالوفيات"، نقلاً عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ص 31، وقد كان ابن تيمية يجيد اللغة اللاتينية والعبرية.

[29] "درة الحجال" 2/123.

[30] انظر: أسماء آخرين من الفلاسفة في "الملل والنحل" 2/49.

[31] انظر: المصدر السابق 2/49.

[32] المصدر السابق 2/،369 وقد أخرجهم من أقسام أهل الكتب السماوية والأديان التي أصلها رباني إلهي.

[33] انظر: "تهافت الفلاسفة" ص 254.

[34] "درء التعارض" 1/8 - 9.

[35] انظر المصدر السابق 1/9.

[36] انظر مجموع الفتاوى 2/86.

[37] انظر: في كتبهم "سير أعلام النبلاء" (ابن سينا) 17/533، (الفارابي) 15/418، (ابن رشد) 21/39.

[38] "سير أعلام النبلاء" 17/532.

[39] المصدر السابق 15/417، وهو مثل الكندي صاحب الموسيقى، المصدر السابق 12/337.

[40] المصدر السابق 12/337، وقد كان منجمًا.

[41] ذكرها مطولة مفصلة الإمام أحمد في "الرد على الجهمية" ص 11، وانظر: "فتح الباري" 13/295 وعزاه للرد على الجهمية لابن أبي حاتم.

[42] انظر: "صون المنطق والكلام" ص 7 - 8.

[43] "نقض المنطق"، مجموع الفتاوى 4/95.

[44] "درء التعارُض" 1/5.

[45] انظر: جذور الاتجاه العصراني في كتاب: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب؛ لمحمد الناصر وغيره.

[46] قضية التنوير في العالم الإسلامي ص 33 - 34.

[47] مستقبل الثقافة في مصر ص 46، القاهرة.

[48] "قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر" ص 91.

[49] "الأُسُس القرآنية للتقدُّم" ص 44.

[50] "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" ص 145.

[51] "الفكر الأصولي واستحالة التأصيل" ص 76.

[52] "الفكر الإسلامي نقد واجتهاد" ص 246 - 247.

[53] انظر كتابات: محمد شحرور، ومحمد سعيد عشماوي، ونصر أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، ومحمد الشرفي، ومحمد أركون وغيرهم.

[54] للتوَسُّع في آراء هذا الاتجاه انظر: العلمانيون والقرآن الكريم، د. أحمد الطعان.

[55] مجلة العربي (235).

[56] تجديد الفكر الإسلامي ص 105.