نظرة الإسلام الجمالية إلى الإنسان.. النظرة الكلية

ميادين الجمال في الظاهرة الجمالية في الإسلام

إن الإسلام من خلال نصوص كتابه الكريم يقرر بجلاء ووضوح أن الجمال سمة أصيلة في كيان الإنسان. بل إنها مقصودة في تكوينه، يهتم بها القرآن فيذكرها لافتاً النظر إليها، كما يذكر امتنان الله بها على عباده، على اعتبارها جانباً من تكريم الله لهم.

وفي هذا الصدد نقرأ: قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.. ﴾[1].

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾[2].

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ.. ﴾[4].

وقد سبق الحديث عن هذه الآية الكريمة[5]. وتبين لنا أن الآيتين الأولى والثانية اتجهتا إلى الحديث عن ظاهر الإنسان وتأكيد حسنه وجماله، واتجهت الآيتان، الثالثة والرابعة إلى الحديث عن الإنسان ظاهراً وباطناً.

وعلى الرغم من أن الإنسان: جسم وروح وعقل - كما رأينا في تكوينه - وأنه طين وروح - كما رأينا في نشأته - فإن القرآن حينما يتحدث إليه إنما يتحدث إليه بكليته، يتحدث إلى "الإنسان".

ففي الآيات السابقة كان النداء للإنسان ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ.. ﴾ وكان المخاطب هو الإنسان ﴿ وَصَوَّرَكُمْ.. ﴾ وكان الحديث عن الإنسان ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ.. ﴾.

هذه النظرة - الكلية - وحدها هي القادرة على بيان الجمال في شخصية هذا المخلوق، أما النظرة الجزئية فهي قاصرة.

إن جمال الإنسان - في النظرة الإسلامية - وفقاً لما تقدم، هو حصيلة مشتركة لكامل كيانه، يسهم فيها الجسم والروح والعقل، ومن هذه المساهمة المعقدة التركيب يتكون الجمال الإنساني.

على أن هذه المعادلة المعقدة، لا تكلف الإنسان أي جهد، فقد تكفل بجمع حدودها وتنسيق هذه الحدود وتوازنها.. المنهج الرباني، وإذا كان ليس من موضوعنا التفصيل في هذا الأمر، فلا أقل من الإشارة العابرة التي تبين ضبط التوازن بين الجسم والروح والعقل.. الأمر الذي يصل به الإنسان إلى الجمال.

•••

فالجسم ينبغي أن يأخذ حظه من العناية.. بتوفير الطعام والكساء.. وحاجة الجنس أيضاً.. ويقوم المنهج بضبط الأمور إباحة وحظراً..

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾[6].

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾[7].

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾[8].

﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾[9].

وينظم المنهج أيضاً حاجة الروح، فما العبادات وأعمال البر.. إلا بعض التلبية لهذا الجانب.

وإذا ذهب الإنسان يوغل في هذا الاتجاه أوقفته أوامر المنهج حتى لا يطغى على حق الجسم..

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، فقال: "من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه عليكم بما تطيقون.."[10].

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"[11].

وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو - وقد أخبر عن إكثاره من الصيام والصلاة -: ".. فإن لجسدك عليك حقاً، وإنّ لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً.."[12].

ويفسح الإسلام المجال الواسع للعقل، ويكرمه، وما الآيات الكثيرة التي دعت لإعماله والاستفادة من تفكيره إلا الدليل القاطع على الاهتمام به وإعطائه المنزلة الكريمة..

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[13].

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[14].

﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[15].

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾[16].

وهكذا يكون العقل وسيلة الهداية والسير إلى الصواب.

ولكن المنهج لا يترك العقل بدون قيود. فقد حدد له المجالات التي لا ينبغي له أن يدخلها، لأنه ليس مؤهلاً لإدراكها، وما ذاك إلا من حرصه على توفير الوقت في بذله فيما لا طائل وراءه، ومن ذلك عالم الغيب الذي طلب من الإنسان أن يسلم به.. وألا يتعب نفسه في التفكير فيه.. ومن ذلك ما ورد من التوجيه النبوي الكريم:

"تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله"[17].

إن المنهج الإسلامي يرسم لكل من الجسم والروح والعقل مساره الذي ينبغي أن يسلكه وبهذا يكون التناسق مستكملاً وجوده، وقد وصل الإسلام في هذا السبيل إلى الغاية..

•••

إن التوازن المذكور قاعدة أساسية ترتكز عليها قضية "جمال الإنسان".

وقد تنبيه بعض العلماء من الفلاسفة وغيرهم إلى هذه الحقيقة - حقيقة جمال الإنسان - ولكن تعليل بعضهم ظل قاصراً فلم يصل إلى الدقة التي انطلقت منها النظرة الإسلامية، والذين اهتدوا منهم إلى ضرورة ذلك التوازن وتعرفوا إلى جوانبه، وقفوا حيارى عند المنهج الذي يحقق لهم ذلك التوازن.

يقول أرسطو: الإنسان ليس فقط أنبل مخلوقات الطبيعة بل هو أجملها لأنه لا يمتاز بالعقل فقط بل بالقدرة على التعبير عن أفكاره من خلال اللغة والفن..[18]

ويقول هيغل: الإنسان باعتباره أسمى الحيوانات ليس فقط من الناحية الثقافية تتويجاً للطبيعة بل هو أيضاً أجمل منتجات الطبيعة، والسبب في هذا يرجع إن أمارات العقل أكثر وضوحاً فيه..[19]

ونلاحظ في هذين الرأيين التركيز فيهما على أهمية العقل واعتباره المصدر الأهم للجمال الإنساني.

وقد اقترب بعضهم أكثر وأكثر من الحقيقة حين تنبه إلى أهمية الروح في البناء الإنساني.

يقول "ليبنز" [1646 - 1716]: إن الإنسان هذا المثال الكامل لهو نموذج من نماذج عظمة الكون وجماله حيث تتجلى العلاقة المتوازنة القائمة بين الجسد والروح وبصورة أتم[20].

ويقول "الكسيس كاريل" مؤكداً أهمية النظرة الكلية للإنسان:

"والحقيقة أن الفرد الذي تتحقق جميع إمكانياته لا يشبه الإنسان الذي يصوره الأخصائيون... إنه ليس القطع من الشعور التي يحاول علماء النفس تصويرها، كما أنه غير موجود في التفاعلات الكيمائية، والعمليات الوظيفية والأعضاء التي قسمها الأطباء بين أنفسهم.. كما أنه ليس الخلاصة التي يحاول المربون إرشاد ظواهرها الصلبة، .. إنه أكثر بكثير من مجموع الحقائق التي كدستها العلوم الخاصة.. إننا لا نفهمه في كليته.. لأنه يشتمل على مناطق شاسعة مجهولة.. كما أن إمكاناته تكاد لا تنفد، فهو كجميع الظواهر الطبيعية العظيمة لا زال غير مفهوم، وحينما نتأمله على ضوء تناسق نشاطه العضوي والروحي فإننا نحس بعاطفة عميقة في تقدير الجمال.."[21].

ويرى كاريل أنه للوصول إلى النظرة الكلية للإنسان لا بد من نبذ الأفكار التي جاء بها "جاليلو" ليفصل الكم عن الكيف والتي أكدها "ديكارت" في مذهبه عن ثنائية الجسم والروح..

يقول كاريل: "يجب أن ننبذ مذهب ديكارت عن الثنائية، وعندئذ سوف يعاد وضع العقل في المادة، ولن يتميز الروح عن الجسد.."[22].

لا شك أن كاريل - وهو يؤكد ضرورة هذه النظرة الكلية - قد استفاد من الخطأ الفادح الذي يعيشه الواقع الاجتماعي من حوله، حيث الانصراف إلى الجسم والاهتمام به - وكأنه مادة أو آلة - حتى تضخم هذا الاهتمام فطغى الجسم على الروح طغياناً تاماً.. يقول: "قد طبقنا على الإنسان آراء تتصل بالعالم الآلي، فأهملنا التفكير، والعفو الأدبي، والتضحية والجمال والسلام، وعاملنا الفرد كما نعامل المادة الكيمائية والآلة أو جزءاً من آلة.. لقد قضينا على وظائفه الأدبية والجمالية والدينية.."[23].

ومعرفته بالخطأ هي التي أرشدته إلى الصواب، وهذا ما دفعه أن يقرر جازماً "إن نظم الحكومات أنشأها أصحاب المذاهب في عقولهم، عديمة القيمة.. فمبادئ الثورة الفرنسية، وخيالات ماركس ولينين، تنطبق فقط على الرجال الجامدين.. فيجب أن يفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة.."[24].

إنها نظم تعاملت مع أجسام جامدة لا روح فيها ولا إنسانية، أوجدتها في خيالها.. إنها النظرة الجزئية التي أدت إلى هذا الخلل الكبير..

وتظل نظرة الإسلام الكلية هي وحدها التي تسعد الإنسان.

يقول سيد رحمه الله:

"إن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سوي الخلقة، معتدل التصميم، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله".

"وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء"[25].

[1] سورة غافر الآية 64.

[2] سورة التغابن الآية 3.

[3] سورة التين الآية 4.

[4] سورة الانفطار الآية 6 - 7.

[5] سبق الحديث عن جانب من جمال الإنسان في الجزء الأول من هذه الدراسة ص 138 - 142.

[6] سورة الأعراف الآية 31.

[7] سورة الأعراف الآية 32.

[8] سورة الروم الآية 21.

[9] سورة القصص الآية 77.

[10] رواه الشيخان وغيرهما. انظر جامع الأصول. كتاب الإيمان. باب الاقتصاد في العمل. 1/312 الحديث 94.

[11] رواه الشيخان والنسائي. جامع الأصول 1/293 الحديث 84.

[12] رواه الشيخان والنسائي. جامع الأصول 1/297 الحديث 87.

[13] سورة الرعد الآية 3.

[14] سورة الرعد الآية 4.

[15] سورة يونس الآية 24.

[16] سورة طه الآية 128.

[17] صحيح الجامع الصغير. عن ابن عباس, من رواية أبي نعيم في الحلية.

[18] دراسات في علم الجمال. مجاهد عبد المنعم مجاهد ص 119.

[19] المصدر السابق ص 119.

[20] فصول في علم الجمال. عبد الرؤوف برجاوي ط 1 ص 309 - 310.

[21] الإنسان ذلك المجهول. الكسيس كاريل. ترجمة شفيق أسعد فريد ص 303 - 304.

[22] المصدر نفسه ص 317.

[23] المصدر نفسه ص 307 - 308.

[24] الإنسان ذلك المجهول ص 40. ويقر كاريل أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة. ولو أتيح له التعرف إلى الإسلام لوجد فيه تلك القوانين ملبية كل حاجات الإنسان.. لأنها من وضع خالق الإنسان.

[25] في ظلال القرآن 6/ 3848.