الإسلام أول من نهج سبيل التخصص

درس، تحليل، حديث، تاريخ

افتتنت ألباب أقوام، أولعوا بحب الغرب، ومدنيته الناقصة، فقالوا: إن أوروبا إنما نجحت، وتبوأت عرش القوة والعظمة، بالتخصص بالعلوم والمعارف، يقولون هذا، ويزعمون أن التخصص من مبتكرات العصر الحاضر، وابن المدنية الحديثة، ولكن نظرة بسيطة إلى الإسلام، تريك أنه هو الذي أول من أنار مصابيح العلم، ورفع أعلام التخصص في فروعه بين أفراد البشر، وها هو القرآن الحكيم، بين أيدينا، نراه ينادي على منبر العلم بصراحة تامة، إلى التخصص بالعلوم، على عادته في البيان، البالغ حد الإيجاز والإعجاز، بقوله: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122] أرأيت كيف حضنا في هذه الآية الكريمة على التخصص في علم الدين والتفقه فيه ليكون المتخصصون فيه مناراً يهتدى به عند الرجوع إليهم في مسائله وقضاياه؛ ثم تراه في مواضع أخر يزيد في صراحته الفائقة ويضع نظاماً عالياً للتخصص بقوله:﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 59]، ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾، فهاتان الآيتان الموجزتان تدعوان العالم لسؤال الخبراء في علومهم ومعارفهم؛ والخبير صيغة مبالغة من الخبرة، وهو من له خبرة تامة، في علم من العلوم، أو صنعة من الصنائع. والحقيقة الناصعة تنير لك السبيل وتبين لك أن البشر لا يستفيد إلا من الخبير الحاذق، الذي صرف قسماً كبيراً من حياته في اختبار ومعالجة علم من العلوم، أو صنعة من الصنائع، أما غير الخبير (أي غير الأخصائي) فيخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء، ويكون ضرره على البشر أكثر من نفعه، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ من علم لا ينفع البشر ويردد هذه الكلمات الذهبية بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» والعلم الناقص لا شك أنه غير نافع للبشر.

وإذا ألقينا نظرة يسيرة نحو حياة ممدن العالم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نراه بعد أن بذر بذور الإيمان الخالص في قلوب من لبوا الدعوة، وهم الصحابة الكرام، وغرس حب الدين والعلم في أفئدتهم، قد أعطى دروساً عملية مثمرة في التخصص، فصار كلما رأى ميلاً من نفس أحدهم إلى علم من العلوم مع الإتقان التام، يعطيه شهادة الاختصاص على مرأى ومسمع من سائر الصحابة الكرام، ليكون مرجعاً للخاص والعام. ولكن ليست تلك الشهادة مرسومة على الورق كما هو الحال اليوم، بل هي شهادة لفظية من فم من لا ينطق عن الهوى، ما أعظمها من شهادة!! هي الشهادة التي انتقشت في الأدمغة والقلوب، ما دام الإنسان حياً، ولا أدل على ذلك مما روي من كلامه الذهبي وإليك أمثلة هي غيض من فيض، تبين المقام، وتبعث القصد إلى الأفهام؛ حينما استشعر ولع ابن عمه علي في القضاء مع حذقه له قال صلى الله عليه وسلم: (أقضاكم علي) وكانت الصحابة أمامه يستمعون منه هذه الشهادة التي سطرت على صحيفة الوجود فخضعوا لهذا الأمر الواقع لعلمهم أن باب مدينة العلم أهل لأن يتقلد هذا المنصب الجليل بحق وجدارة. ولما رأى من زيد بن ثابت حذقاً في علم الفرائض والميراث ودقة في الحساب أعطاه شهادة سطرها له التاريخ وحفظها له إلى قيام الساعة، وصار أستاذ الدنيا في هذا العلم وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «أفرضكم زيد» قال صاحب الرحبية في هذا المعنى:

وأن زيداً خص لا محاله

بما حباه خاتم الرسالة

من قوله في فضله منبها

(أفرضكم زيد) وناهيك بها

ولما سمع من أبي بن كعب قراءة صحيحة الأداء محكمة الضبط شهد له بما شهد لرفيقه بقوله صلى الله عليه وسلم: «أقرؤكم أبي» وقد سار المسلمون في عصورهم الذهبية الأولى على هذا المنهج القويم، والصراط السوي، فكان منهم أخصائيون في كل علم وفن مع مشار كتهم لغالب العلوم، فالعالم منهم كان يجمع بين كثير من العلوم ثم يرى قابلية نفسه وحاجة المجتمع إلى علم من العلوم فيقتله بحثاً وتنقيباً حتى يبلغ به حد الإتقان، فيصبح مرجعاً لسائر الأمصار والبلدان، فمثلاً (سيبويه) اختص بعلم قواعد اللغة العربية حتى صار بها إماماً كبيراً وألف كتابه المشهور حتى صار مرجعاً لسائر العالم إلى يومنا هذا. وهؤلاء الأئمة الأربعة رضوان الله عنهم، قد اشتهروا بعلم فروع الأحكام واستنباطها من الكتاب والسنة مع اضطلاعهم الواسع في فنون المعارف فكانت مذاهبهم رحمة للأمة الإسلامية جمعاء يغترفون أحكام دينهم من بحورها إلى يومنا هذا ومثلهم الإمام الأشعري والماتريدي والإسفراييني فاقوا من سواهم في علم أصول العقائد الإسلامية حتى أصبحوا مرجعاً فيها إلى هذا العصر. وكابن عباس ومقاتل ومجاهد فقد عرف تفوقهم في علم تفسير القرآن، ففهم الناس القرآن من تفاسيرهم فكان لهم بذلك الفضل الأكبر، وأصحاب السنن الست قد اشتهروا في علم الحديث ومعرفة صحيحه من ضعيفه حتى صارت كتبهم الحجة البالغة بعد كتاب الله، وابن رشد وابن سينا والفارابي قد ارتفع ذكرهم في العلوم الفلسفية، والرازي وداود الإنطاكي قد اشتهرا بعلم الطب والطبيعة، وجابر الكوفي وابن ماجة السرقسطي قد اشتهر بالعلوم الرياضية، وابن العميد وعبدالحميد وبديع الزمان الهمذاني كانوا مثلاً أعلى في الكتابة الحكيمة والإنشاء البليغ، والمتنبي والبحتري وأبو تمام والمعري كانوا ملوك الشعر في العصر العباسي، إلى غير هؤلاء من مشاهير الأمة الإسلامية وأعلامها ممن لا يتسع المقام لذكر أسمائهم لأن هذا المطلب بحر لا ساحل له فلو أراد الباحث المدقق أن يجمع الأخصائيين في الإسلام لاحتاج إلى مجلدات ضخام.

وقد احترم الأخصائيون بعضهم بعضاً ودعوا الناس للاستفادة من اختصاصهم. خطب عمر رضي الله عنه بالجابية فقال: من يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، وقال الشافعي في حق أبي حنيفة: كل الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة؛ ولما رأى أحد علماء الحديث براعة أبي حنيفة وحذقه في الاستنباط من الحديث فقال له قولاً يدل على إخلاص، ويبرهن على اعتراف بالاختصاص: (نحن الصيادلة وأنتم الأطباء) أي نحن في الحديث كالصيدلي عنده الدواء ولا يعرف نفعه، وأنتم كالطبيب يعرف مواقع الداء فيصف الدواء.

وكان العالم المتخصص في علم إذا سئل عما ليس من اختصاصه لا يجيب سائله عنه خشية من الوقوع بالخطأ أو يستنبط له الجواب من العلم المختص به ومن ذلك ما روي أن الكسائي سئل عمن يسهو في سجود السهو فأجاب: ليس لي معرفة تامة بالفقه ولكني أعلم من قواعد اللغة العربية (أن المصغر لا يصغر) فأصاب كبد الحقيقة من علمه المختص به هذا. ولكن قضت الأقدار أنه بعد انصرام عهد هؤلاء الأعلام قد خلف خلف أضاع هذه الجهود الجبارة التي نفعت الكرة الأرضية وتركوا ما وضعوه في تعاليمهم وكتبهم القيمة وجعلوها في زاوية النسيان فجاءت أوروبا فوجدت الثمرة يانعة فقطفتها من حيث لا ندري وإذا بها قد آلت في أيديهم إلى سهام صائبات صوبوها نحو كبد كياننا القومي ففرقوه أيدي سبا وأضعفوا قوة كانت ترجف منها الأرض وجعلونا كالعبيد أمام أسيادهم كل ذلك لم يوقظنا من نومنا ولم ينبه من شعورنا شيئاً فلا حول ولا قوة إلا بالله.

••••

إن معارف البشر قد اتسعت، وعلوم الإنسان قد استبحرت، والعمر في الدنيا قصير، فلا يمكن أن يحيط بجميعها فاجتهد أيها المسلم وتخصص لتنفع أمتك والعالم كما نفع آباؤنا الأولون وتمسك بقول ربك المكنون: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

المصدر: مجلة التمدن الإسلامي، السنة الثانية، العدد السادس، 1356هـ - 1937م