العقل ودوره في البناء والتجديد

إن قيام العقل بكل عملياته الذهنية منها والحركية، يتطلب مساحة واسعة من العطاء وميداناً كبيراً من المساحة اللذان في ضوئهما يستطيع أن يبتكر ويجدد ويطور ويبني ويخطط وينظم، وبغير هذين العنصرين لا يمكن للعقل أن ينتج معارف جديدة أو يكتشف مقاصد وأحكام كانت غائبة، وتطورات ملائمة للطبيعة المجتمعية المعاصرة.

لقد باتت الحاجة ملحة لأن يلعب العقل دوره الفعال والمثمر في تجديد العلوم وبناء الحضارة، فعلى سابق الذكر من النصوص القرآنية الداعية إلى حركية العقل وعلميته ومهمته في النهوض المعرفي والتطور والسير في الأرض، واكتشاف الجديد فيها، والتنقيب عن المعادن، والتطور في مجالات المعرفة المختلفة، يجد المتأمل أن دور العقل أصبح كبيراً في ميادين البناء والتقدم، والتجديد والتطوير والعطاء.

وإن غياب دور العقل في هذه المجالات البالغة الأهمية تعني استسلامه ورضوخه لضربات الأعداء الذين يمارسون ضده وسائل وممارسات هادفة إلى توقيفه عن العمل، ومصادرة حقه في التفكير والتعلم والعطاء والبذل في الإسهامات والممارسات المناطة به كعقل يعمل وفق منهجية حكيمة رشيدة، مصدرها الوحي، مقرونة بالدليل والحجة والبرهان، إن غياب دور العقل في التجديد والبناء الحضاري يعني استيراد الثقافة المعلبة من قبل إملاءات معادية للإسلام طامعة في استعمار العقل المسلم، وإيداعه في محاضن التبعية والتقليد، والجمود والمصادرة، إن ذلك يعني مصادرة حق العقل المسلم الذي كفله القرآن ودلت عليه الشـريعة السمحة، وبه تحقق مقاصدها، ولذا يمكن أن نلخص دور العقل في هذا الجانب بالنقطتين الآتيتين:

أولاً: دور العقل في البناء الحضاري:

الإنسان منذ أن استخلفه الله على الأرض طلب منه أن يقوم بواجب الاستخلاف، وأن يحقق الغاية التي أوجده الله لأجلها من الإيمان به وحده، والتصديق برسله، والإيمان بما أنزل، هذا الدور المناط بالإنسان كخليفة الهدف منه التعبد لله في التعمير والبناء والتشييد وعمارة الأرض بكل لدى الإنسان من إمكانات وقدرات ومواهب حتى تستقيم الحياة، وتشبع الرغبات.

إن دور العقل في البناء الحضاري أن يفهم واجب الخلافة والمقصد منه، ومن منظور آخر كيف قامت الأمم السابقة بواجب الاستخلاف، ومن ثم الفهم الشامل والصحيح للحضارة المعاصـرة بالانفتاح عليها انفتاحاً منضبطاً بضوابط الوحي، يقول الدكتور عبد الحميد أبو سليمان: "فالفهم الشمولي الصحيح للحضارة المعاصـرة، والانفتاح المنضبط نحوها أمر ضروري للتبادل الحضاري الصحيح، لأن هذا الفهم هو الذي يمكن من الانتقاء والاستفادة العلمية والفنية الصحيحة، دون مساس بالقيم والعقائد والهوية"[1].

دور العقل في البناء الحضاري الأصل فيه أن يكون دوراً متبصراً، ومتوازناً ذلك أن العقل المسلم عقل أخلاقي، ولقد استفادت الأمم والحضارات السابقة من الخبرات التي جال فيها العقل المسلم فعرف منها وأنكر، وقبل ورفض، وهذا الموقف الذي ينبغي للعقل أن يتمسك به، وهذا الذي ذكره الدكتور عماد الدين خليل بقوله:

"إن هذا الموقف الحضاري المتبصر المرن، الموزون، حقق مردوده الإيجابي الفعال ليس على مستوى الحضارات الإسلامية فحسب، ولكن عبر نطاق الحضارات جميعاً، العناـر الطيبة الصالحة في هذه الحضارات بمعنى أدق، وهو خلال هذا كله يؤدي وظيفة لم تؤدها من قبل حضارة أخرى بهذه السعة والعمق: حماية التراث البشري، وتمكينه من البقاء في مواجهة تحديات السقوط والنسيان والفناء"[2].

ومن هنا فإن مهمة العقل أن يعرف أن النهوض الحضاري للأمة لن يقوم إلا من الهوية والتجربة وقبل ذلك من استلهام الوحي، وهذا ما أكد عليه الدكتور لؤي صافي، حيث قال: "إن النهضة الحضارية للأمة لا يمكن أن تتم انطلاقاً من الواقع الغربي الحداثي، أو اعتماداً على عقلٍ هلامي، بل تتطلب تطوير نموذج حضاري بديل، انطلاقاً من الذاتية التاريخية للأمة التي لا تستمد قوامها وهويتها من تجاربها وحسب، بل تستمدها كذلك من الوحي الذي منحها الرؤية، وأمدها بالقيم، وزودها بالتوجه الذي أدى إلى ظهورها، وإقامتها حضارة متميزة رائدة"[3].

إن دور العقل في البناء الحضاري يتمثل في مواكبة التطور بالجديد والمفيد في ميادين التكنولوجيا، والتقدم الصناعي والعلمي، وتشجيع المفكرين والمبدعين، وفسح المجال للعلماء وأرباب الفكر في صناعة التقدم والحضارة، وبذلك تنمو الحياة بشكل متكامل ومتنامي من جميع الجوانب، وعلى كافة الأصعدة والاتجاهات، ومقدرته على مواجهة الأزمات والتحديات المعاصرة والتي سيتناولها الباحث في المبحث القادم.

ثانياً: دور العقل في التجديد:

بناءً على ما سلف من بيان المنهجية القرآنية للعقلية العلمية، ودعوة القرآن إلى نبذ التبعية والتقليد، لثقافة الآباء والأجداد، والسلاطين والحكام، فإنه ومن خلال تلك الأدلة يتضح دور العقل في التعامل مع الجديد مما تفرضه الحياة وينتجه الواقع.

إن دور العقل في التجديد وفقاً للنظرة القرآنية لا يتجاوز القواعد التي رسمها القرآن للتعامل مع المعطيات الجديدة، والمستجدات التي تطرأ في حياة الناس، فإن طبيعة الحياة أنها تجدد وتتطور، وإذا وقف العقل في مواكبة تطور الحياة وتقدمها فإن ذلك يعد تعثراً فكرياً، وتخلفاً حضارياً.

إن البنية العقلية التي أسسها منهج القرآن الكريم، وساندتها السنة المطهرة، هي بنية منفتحة، تجمع بين الصلابة والمرونة، فمنهج القرآن يدعو إلى الاجتهاد، ويدل عليه، وهل هناك أكثر من أن تجعل لمن يجتهد ويخطئ أجراً؟[4].

إن الإنسان بسعيه في فقه ما في الوجود، واكتشاف ثوابته يرى في كل يومٍ جديد، هذا الجديد لا بد أن تكون النظرة إليه نظرة متجددة، وبالتالي تتغير الأفكار والرؤى بما يتناسب مع هذا التغيير والتجديد.

إن دور العقل في التجديد ينبغي أن يوجه في تقويم مألوفات الناس الغير صحيحة، والتي أتت نتيجة ثقافة التبعية والتقليد، فإن الكثير من الناس من يتبع ثقافة قد عفا عليها الزمن، وولى عنها الدهر! ظناً أنها الصواب ولن تتجدد، إننا إذا نظرنا إلى نصوص التنزيل نظرة فاحصة يتبين لنا كيف وجه القرآن العقل نحو التعامل مع المعطيات والمستجدات وفق القواعد والقصص القرآنية، الدالة على ذلك وكيف عالج الوحي القضايا التي ألفها الناس، ولعل في تدرج القرآن في تحريم الخمر مثلاً خير دليلٍ على ذلك.

من ناحية أخرى فإن من أهم المحاور التي ينبغي أن ينالها التجديد في حياتنا وفقاً للرؤية القرآنية، "نقل الاهتمام والعناية من حقول الأشياء إلى فلك الإنسان"[5]، فإن الأصل التعامل وفق ضوابط حدود الطاقة البشرية، والمقدرة الإنسانية، ومن ذلك الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن فإن ذلك أبلغ في التأثير وأقرب إلى القلوب، وهذا ما اعتمده القرآن في توجيهه لمحددات الحوار وقواعده.

إن دور العقل في التجديد يصرف إلى النافع دائماً، وإلى المصلحة غالباً، وهذا مقتضى نصوص القرآن الكريم، لا بد أن يكون دور العقل في التجديد بما فيه مصلحة وتيسير للناس، ولا يخرج عن دائرة الشرع، وإذا ما أريد للجديد أن يكون نافعاً، وجامعاً غير مفرقاً فإنه لا بد وأن يتخلص صاحبه من التعصب الفكري لشخصٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو جماعةٍ، وينبع من وحي الدليل الواضح الصريح.

[1] عبد الحميد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم، مرجع سابق، ص169.

[2] كتاب حول إعادة تشكيل العقل المسلم، خليل عماد الدين، (قطر: كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 1403هـ) ص66-67.

[3] إعمال العقل، لؤي صافي، ص75.

[4] انظر: بكار، عبد الكريم، تجديد الوعي، (الرياض: دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1421هـ-2000م) ص148-149 بتصرف يسير.

[5] المصدر السابق، ص153.