العنوان الشامل له هو الموافق للشرع المحقق للنفع، فهو عمل واسع لا يقتصر على الشعائر التعبدية بل يشمل أطر واسعة، ألخص بعضاً منها:

أولاً: العمل الصالح في النية والوجهة، بأن تكون النوايا خالصة لله سبحانه وتعالى، أن تكون النوايا خالصة لله ليس فيها شائبة، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162-163)، وكلنا يحفظ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، فقبل كل شيء أول صلاح يعول عليه ويُبنى عليه هو صلاح النية إخلاصاً لله سبحانه وتعالى.

ثانيا: أن العمل الصالح يشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فيدخل فيه دخولاً أولياً أعظم أعمال القلوب من التوحيد لله سبحانه وتعالى والخوف منه والإنابة إليه والتوكل عليه والرجاء فيه والتعلق به، فكل ذلك من العمل الصالح بل هو من أساس العمل الصالح، كما يدخل في ذلك أعمال الجوارح كلها فالأقدام تنتصب قياماً في الصلاة والجباه تخر سجوداً فيها والأيدي تتحرك إنفاقاً ونحو ذلك من كل ما هو متصل بالجوارح من اللسان والعين والأذن كلٌ بما فيه مما وردت به أنواع العبادات المختلفة، بل إن شمول هذا العمل الصالح يتجاوز الحياة الدنيا كلها إلى ما وراءها، كما ورد في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، علم ينتفع به، ولد صالح يدعو له"، فالعمل الصالح الذي تعمله يستمر أثره وأجره على هذا النحو المذكور في هذا الحديث.

وإذا نظرنا إلى النصوص وجدناها تجمع بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح كما في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو حجة عليك"، فلو تأملنا لوجدنا الصبر بينها ولوجدنا أمر القرآن والتعلق به بينها وكلها ما بين أعمال قلوب وأعمال جوارح.

ثالثا: الأعمال والعبادات المتعدية في العمل الصالح في غاية الأهمية وقد وردت بها النصوص الكثيرة بين ما يؤثر كثير من الناس الانشغال بالأعمال القاصرة –أي التي على أنفسهم- فيصوم والصوم له وحده، ويكثر من التلاوة أو الذكر وذلك يخصه وحده، بينما هناك عبادات متعدية يقوم بها تجاه الآخرين فيؤجر بها على أنها طاعة وقربة وعبادة وعمل صالح ويحصل بها النفع لبقية إخوانه المسلمين وللمجتمع والأمة كلها، وهذا مطلب مهم لأن الناس كما قلت انشغلوا بالأول فعندهم مسبحة يقولوا لك هذه تعد لك ألف وهذه تعد مئة ألف وينشغل بهذا وكأنه كل شيء، دون أن يتوجه للجانب الآخر وهو مذكور في النصوص كثيراً: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج: 77)، كما ورد في الآية الجامعة لكثير من الأعمال الصالحة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة" (رواه البخاري ومسلم)، أي كل مفصل عليه صدقة، يعني هناك صدقات كثيرة مطلوبة، ثم قال: "كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين –أي تصلح بينهما- صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله له عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة"، وفي رواية لحديث أبي ذر: "أو تصنع لأخرق" أي تعينه على صناعة أمر لا يحسنه، فانظر إلى ذلك وانظر إلى عموم هذه المنافع، حتى قال: "وبصرك للرجل الرديء البصر صدقة".

لم لا نوسع المفهوم حقيقة عملية؟، لم لا نجد في توجهنا في هذا الموسم الخير أعمالاً نستهدف بها هذه الدائرة الواسعة؟، وهي واسعة كما سأكمل الآن أيضاً، أين نحن من مساعدة من يكون محتاجاً ولو بمواساة؟، أين نحن من كلمة طيبة نقصد إشاعتها ونهدف إلى ترويجها ونرى أننا بذلك نقدم لأنفسنا خيراً ونعمل عملاً صالحاً؟، نذكر بأمر غفل الناس عنه، نعلّم أمراً يجهله كثير من الناس، نحض على أمر فتر الناس عنه، كل ذلك من العمل الصالح المطلوب.

رابعا: حتى ندرك الخطورة ونعرف توسع الدائرة ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المروي عن أبي ذر وفي بعض ألفاظه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ –لا أستطيع أن أقوم بهذه الأعمال- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك"، قد نسبح كثيراً ونتلوا كثيرا ولكن لا يسلم منا كثير من الناس فنؤذيهم بسياط كلماتنا وبأذى أيدينا، وكلكم يعرف حديث المفلس: "يأتي يوم القيامة وعنده صلاة وصيام ولكنه يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرحت عليه وطرح في النار"، وللشافعي كلمة فريدة يقول فيها: "بئس الزاد ليوم المعاد العدوان على العباد".

كم نرى من صور الأذى، نراه في قيادة السيارات عندما يقف الإنسان موقفاً خاطئاً فيضيق على الناس، وهذا من الأذى، لابد أن ندرك أن ديننا دين الحياة ليس الأذى أن تشتم فقط بلسانك بل حتى هذه الممارسات، في المرافق العامة، مع الجيران، في التعامل مع البيئة حتى كما وردت بذلك النصوص الكثيرة، نحن نسيء ونحن نجتنب العمل الصالح إلى العمل الفاسد فنقع في أمر غير مشروع ونقع في أمور مضرة لا نافعة، وهذا من الأمر الخطير.

خامسا: ما زلنا في اتساع هذا المفهوم العظيم مفهوم العمل الصالح، من العمل الصالح: صناعة السعادة، إدخال السرور على المسلمين، هذه ليست بالضرورة أن تكون بتسبيحك فإنه لك، ولا بتلاوتك فإنها تخصك ولكن في ابتسامة "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"، بكلمة طيبة وهي صدقة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الطبراني في الصغير بسند حسن وهو جميل رائع قال: "من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك سره الله عز وجل يوم القيامة".

كم تخسر لو أنك لقيته بأمر يحبه، حتى لو ناديته باسم يحبه، حتى لو بشرته بأمر يميل إليه، حتى لو كان بينك وبينه جلسة أنس ولطف وحديث ومسامرة في طاعة أدخل السرور على المسلم كما ورد في الحديث: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت حاجته"، فهذه الصناعة مهمة وهي عظيمة ونافعة ومفيدة وهي مما نحتاج إليه في هذا الزمن الذي ننشغل بالطاعات الذاتية وقلوبنا إما تحمل الشحناء والبغضاء وإما فيها غلظة وقسوة وإما فيها انصراف وغفلة، لا تلتفت إلى هذه العلاقات وإلى الأخوة الإيمانية وإلى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، والأمر في ذلك متسع، فالأعمال الصالحة والعمل الصالح أمره خطير وعظيم وسعته ودائرته شاملة تتناول كل الأمور المعنوية والحسية الخاصة الذاتية والمتعدية النافعة للآخرين.

والوقفة الأكثر أهمية: الاقتران بين الإيمان والعمل الصالح، وهذا أمر نعرفه في الآيات، بل إن ارتباط النجاة والسلامة مقرون بذلك: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 1-3).

ولننظر إلى عناية القرآن بذلك، ورد العمل بكل مشتقاته في القرآن نحو ستين وثلاثمئة مرة، والصلاح والصلح بهذا الجذر ورد في القرآن نحو مئة وثمانين مرة واقتران الإيمان والعمل والصلاح ورد في القرآن نحو ثمان وثمانين مرة، واقتران اللفظ بعينه: {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ورد واحداً وخمسين مرة، في كتاب الله عز وجل وذلك يدل على الأهمية.

ما هذا الاقتران؟ دليل واضح على أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما وبهما أعمال القلوب وأعمال الجوارح، العلم والعمل، لا يصلح علم بلا عمل لأن ثمرته تكون ناقصة، ولا يصبح عمل بلا علم صحيح وإيمان صادق فإنه يكون هباءا منثوراً، ولذلك الإيمان والإسلام علم وعمل وهذه دلالة واضحة، الدلالة الثانية وهي مهمة {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} بصيغة الجمع، لماذا؟ لأن العمل الذي تنهض به الأمة لا يقوم على أعمال الأفراد والآحاد، بل يقوم على عمل تتظافر فيه الجهود وتتكامل فيه الأعمال وينهض به المجتمع كله، ولذلك كثير من الأعمال حتى في الأعمال التعبدية جعلها الإسلام في صورة جماعية كصلاة الجماعة وأداء الحج وحتى الصيام ونحو ذلك أي تصومه الأمة حتى يكون للأمة التفاتٌ إلى أن عملها بمجموعها هو المقصود وأن عملها بمجموعها هو المؤثر وأن الأعمال المنفردة وحدها مهما عظم نفعها لا تؤدي إلى تكامل يحصل به المراد وسأشير إلى ذلك في نقاط محددة، لكن انظروا إلى {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} عندما يعمل فريق عمل إن لم يكونوا متحدين في الرؤية والأهداف والغايات فإن أعمالهم ستتضارب ، فأهل الإيمان لما آمنوا بربهم توحيداً وإخلاصاً ولما آمنوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم قدوة واهتداءً حينئذ يكون عملهم متحداً متوجهاً متكاملاً لا متنافراً متباعداً, وأمر آخر أنهم مأمورون بدينهم وبنصوص قرآنهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم أن تكون أعمالهم قائمة على الجودة والإتقان، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، أين نحن من العمل الصالح الذي يكون في غاية الجودة؟، لماذا الآن نرى صناعة فإن نظرنا إلى أنها من بلد عربي قلنا هي في الدرجة الثانية أو الثالثة، وإن رأيناها من بلد آخر قلنا هي قمة الجودة، لم ارتبطت بعض الأعمال في صورة تدنيها وعدم جودتها بأعمالنا معاشر المسلمين؟ لأننا تخلينا عن مفهوم العمل الصالح على هذا النحو فضلاً عن الشمول والتنوع، فالذي يعمل في مجال البيئة هو يعمل عملاً صالحاً، والذي يعمل في مجال التقنية يعمل عملاً صالحاً، ليس العمل الصالح مقتصر على ما ذكرت وكررته كثيراً من التسبيح والتهليل ونحو ذلك، ومن أخذ بهذا المفهوم والأمة إذا سارت في ذلك، والأفراد إذا اعتنوا به، فالبشريات كثيرة لأن بعضاً منا اليوم يقول سأقوم بعمل صالح لصالح المجتمع لا يخصني ثم يحجم من بعد، لماذا؟ يقول: لم يقدّروا عملي، لم يشكروا جهدي، عملت وعملي ضاع هباء وهدراً، نقول إن أول البشريات أن العمل الصالح لا خوف من ضياعه ولا خوف من ذهاب ثمرته مطلقاً، لأن الله جل وعلا قال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً} (طه: 112)، وعدٌ من الله وقوله جل وعلا: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} (الأنبياء: 94)، لئن نسيه الناس أو لم ينتفعوا به أو حتى ردوا عليك بسوء فإنه مدخور لك عند ربك، مكتوب في ميزان حسناتك بأمر الله وبوعده القاطع.

وأما البشرى الثانية التي لابد أن ننتبه إليها ونحن اليوم نعيش حياة تسللت إليها صور الجفاء والغلظة والقطيعة، ونحن نريد الحياة الطيبة المليئة بالمودة وبالألفة والمحبة طريقها هو الإيمان والعمل الصالح: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)، الإيمان والعمل الصالح يحيل الحياة من صحراء جرداء إلى واحة غناء، يحيل القلوب من وحشة وظلمة إلى نور وإشراق، يحيل النفوس من نفرة وبغض إلى ألفة وحب، لماذا لا نقبل على الإيمان والعمل الصالح بهذه الروح حتى نغير واقعنا ونغير حياتنا؟، أنريد المودة والألفة؟ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} (مريم: 96)، سيبث في قلوبهم سيزرع في نفوسهم الود، والله خاطب رسوله ومنّ عليه، قال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال: 63)، العمل الصالح إذا أشعناه من قاعدة الإيمان الخالص فإننا حينئذ سننال الحياة الطيبة.

وانظر كذلك إلى البشرى الأخرى بالمغفرة في الآخرة والرزق الكريم في الدنيا: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(الحج: 50)، بل ثمة بشرى من البشريات العظيمة في هذه المغفرة وفي أعلى منها وهي تبديل السيئات بالحسنات كما أخبر الله سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان: 70)، كم نحن في حاجة إلى فقه العمل الصالح على هذا النحو الواسع وعلى هذه الآثار العملية وعلى هذه الصورة الإيجابية التغييرية في مجتمعاتنا.

ولعلي أتمم الآن بوقفة لبعض أنواع العمل الصالح على مستوى مجموع الأمة لندرك كم في مفهومنا من قصور في العمل الصالح، العمل الصالح يشمل الأعمال التطويرية التنموية، رفع مستوى التعليم، زيادة الإنفاق على البحث العلمي، تطوير أسباب الحصول على التقنية هذا عمل صالح، ليس العمل الصالح في المسجد هذا العمل الصالح تقوم به الأمة كلها مجتمعة بحكوماتها وأفرادها ومنظماتها وجمعياتها، أليس محزناً ومؤسفاً أن يكون الكيان الصهيوني الغاصب معدل إنفاقه على البحث العلمي يتجاوز أضعافاً مضاعفةً إجمالي ما ينفق في كل البلاد العربية وهي اثنتان وعشرون دولة، أليس هذا من القصور عن العمل الصالح والركون إلى العمل غير الصالح!؟، وهذا باب واسع.

والأمر الثاني الأعمال التوعية الثقافية من العمل الصالح، نحن أمة اقرأ أول آية نزلت في كتاب الله، أين القراءة في مجتمعاتنا؟ أين المكتبات؟ أين العناية بهذا التطوير الذهني الذي ينبغي أن يشيع في مجتمعنا، ولا أريد أن أقول، لكن أي إحصائية عما يطبع من الكتب في بلادنا العربية ومقارنة بدولة واحدة من بعض الدول الأخرى نجد الفرق شاسعاً والبون عظيما، وما يقرأه الفرد في بلادنا العربية إذا قورن بغيره نجد كذلك أمراً محزناً، لم لا يكون من العمل الصالح مبادرات على هذا النحو؟، لما لا يكون عندما نأتي في هذه العشر سنجد مبادرات تقول لك ادفع للأضحية، سنجد مبادرات تقول لك افعل كذا أو أدخل سروراً بإنفاق مالي، لكن لا نجد مبادرات على المستوى المجتمعي والحكومة والدولة في كثير من بلادنا تقوم في هذه الفضائل تحولها إلى فضائل على هذا النحو، والأعمال المدنية الخدمية أيضاً من العمل الصالح، المواصلات العامة، الطرق، الخدمات التقنية، لماذا دائماً نجد البون بيننا وبين غيرها من المجتمعات الغربية في ذلك واسعاً وكبيراً؟ وكلنا نشكو وكلنا نقول: الطريق يعبد وفي اليوم التالي يحفر ومن بعد ذلك لا يصان، أين العمل الصالح في أمتنا إذاً؟ هل هو فقط في هذه الصور التي أشرنا إليها؟ إن هذا الاختلال لا ينبغي أن يكون وينبغي أن ندرك أنه قصور معيب على الأمة بمجموعها وعلى كل مسلم وحده أن يبادر إلى معالجته في نفسه وفي فهمه وفي عمله الصالح لنجعل عملنا الصالح في هذه العشر مع ما قد نضيف إليه من الأعمال الصالحة التعبدية صياماً وذكراً وتلاوةً وقياماً، لنعمل عملاً صالحاً يفيد المجتمع، توعية تثقيفاً خدمة صورة من الصور العملية أي أمر نؤسس له يكون رفعة لأمتنا ورفعاً لشأنها، بدلاً من أن نكون في ذيل القائمة، وينبغي أن ندرك أيضاً أن العمل الصالح يورثنا وينبغي أن يورثنا التواضع وعدم الشعور بأننا فعلنا وفعلنا لأن هذا من السمات المقترنة بالإيمان والعمل الصالح: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (هود: 23)، وندرك أننا مطالبون بأن نعمل بقدر الطاقة والاستطاعة.

وأخيراً كم هو جميل أن نقف ونتدبر ونتأمل في هذه الآيات الجميلة: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر: 10)، هذا العمل الصالح من القول والفعل محط نظر الله جل وعلا: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} يُرفع إلى الله ورفعه هنا كناية عن تعظيمه وإجلاله، فكل كلام طيب من الذكر والتلاوة، كل كلام طيب من الموعظة والدعوة، كل كلام طيب من التعليم والإرشاد، كله عظيم القدر رفيع المكانة، ورفعه إليه أيضاً كما قال أهل العلم بالتفسير دليل على قبوله، فهو مقبول عند الله، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وهذا إجلال للعمل الصالح وكونه له رتبة أعلى، فذاك قال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ} وقال هنا {يَرْفَعُهُ} والأمر فيه كله تعظيم وإجلال.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يوفقنا لسعة مفهوم العمل الصالح وأن يوفقنا للعمل الصالح في كل جوانبه وفي سائر مجالاته.

ـــــــــــــــــــ

علي بادحدح