دعا الإسلام إلى المساواة، وحرص على تأكيدها قبل أن تعرفها الأمم الأخرى بقرون طويلة، وتسعى لتكريسها في مجتمعاتها والنص عليها في دساتيرها.

ويوضح الدكتور حامد أبوطالب -عميد كلية الشريعة والقانون السابق بجامعة الأزهر- أنّ المساواة تعني أن يتساوى الناس جميعاً في الحقوق والواجبات، دون تفرقة أو تمييز بسبب جنس أو طبقة أو مذهب أو عصبية أو حسب أو نسب أو مال.

ويضيف أنّ وجود مبدأ المساواة في الأنظمة المعاصرة، وإقراره كركيزة للمجتمع، هو تعبير عن تطور عميق في بنية المجتمع الإنساني، مرّ فيه المبدأ بسلسلة من المعارك النضالية عبر تاريخ طويل، حالت دون تحقيقه قوى فكرية، وأخرى سلطوية حماية لمصالح خاصة، وتكريساً للاستعباد والظلم.

غير أنّ الإسلام كان سباقاً في تأكيد هذا المبدأ، وإقراره كأحد الأصول التي تنهض عليها الأمة الإسلامية. فالمتتبع لنشأة مبدأ المساواة خلال المراحل المتعاقبة التي مرت بها الإنسانية منذ بداياتها الأولى في العصور السحيقة، وحتى عهد قريب، يجد أنّ الظلم والاستعباد والاستعلاء هي السمات السائدة في مسيرة الجماعة الإنسانية. فصراع الإنسان دائم منذ هبوطه على الأرض. وإيقاعه الظلم بأخيه إلى حد قتله والفوز بمتعة الحياة.

واستمرت شريعة الغاب على هذا النهج الذي يقوم على التغالب، وفرض إرادة القوي على الضعيف، واستعباد الحاكم للمحكوم، وتسخير الفقير من أجل الغني. وكان من الطبيعي في ظل هذا المناخ أن ينزوي مبدأ المساواة.

بل وجدت فكرة التفرقة بين الناس من ينظّر لها منذ عصر أرسطو، الذي تنسب اليه مقولة تقسيم المجتمع إلى طبقة سادة وطبقة عبيد.

ولم يكن هذا رأي أرسطو وحده، بل شاركه في ذلك مفكرون آخرون في عصور متتابعة، مثل: مونتسكيو، ولونج الذي وصف الزنوج بقوله: ''يمكننا التأكيد بأنهم غير خليقين أساساً بالحضارة، فهم أقلّ من جميع الأجناس البشرية المكتشفة حتى يومنا هذا قدرة على التفكير والتصرف.

إن هذا المنحى الفكري لهذه النخبة من رواد الحضارة الحديثة، ينمّ عن اتجاه خطير لأنّه يقوض مبدأ المساواة، ويهدر الكرامة الإنسانية. وفي عام 1789م قامت الثورة الفرنسية، وكانت نقطة تحول في التاريخ الأوروبي، فقد أرست مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.

اما في الإسلام فإنّ المساواة تُعدّ إحدى قيم التشريع الرفيعة، كما يقول الدكتور حامد أبو طالب. ويضيف إنّ هذه القيمة تنطلق من حقيقة كون جوهر مادة الخلق للبشر واحدة. ومن ثمّ فإنّ الأصل الإنساني واحد، وهو الأصل الذي يجب كل خلاف، ويضبط كل تنظيم للعلاقات بين طبقات المجتمع.

وتُعدّ المساواة قيمة دينية وحضارية، حيث يجسّد الإسلام الفطرة الإنسانية والكرامة البشرية. وهذا التكامل بين الإسلام والإنسانية حول معنى المساواة يعبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ''فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم'' الروم الآية .30 كما ضمن الإسلام للإنسان- باعتبار إنسانيته التي يتساوى بها مع غيره من سائر الخلق - حاجاته الأساسية بغض النظر عن الاختلافات والفروق التي توجد في دنيا الناس، وذلك بقوله تعالى: ''إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى'' طه الآيات 118 - .119

ويقول الدكتور أبو طالب: كان من الطبيعي في ظل المساواة الإسلامية أن يكون الرباط الجامع بين أفراد المجتمع الإسلامي هو الأخوة الإنسانية وأنهم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة. يقول سبحانه وتعالى: ''هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب'' إبراهيم الآية 52 . والرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيانه الأخير الذي ألقاه في حجة الوداع معناه: ''أيها الناس ألا إن ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ".

وتبلغ المساواة قمّتها عندما نسمع قولاً للرسول الكريم في موقف يتعرض فيه لحد من حدود الله، بقول المصطفى - صلّى الله عليه وسلم - عندما أتى أسامة بن زيد يشفع في امرأة شريفة من قريش سرقت، قال - عليه الصلاة والسلام - في غضب: أتشفع يا أسامة في حد من حدود الله؟ ثم خطب الناس، فقال ''أيّها الناس. إنّما أهلك من كان قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدن وأيّم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها ).

وأضاف د. حامد أبو طالب: إن من يتصفّح الإسلام عقيدة وشريعة سيجد المصداقية التي تؤصل المساواة. والعبادات بأنواعها، من صلاة وزكاة وحج، تعتمد على التسوية بين المكلفين بها.

وفي الزكاة تتضح الحكمة منها، فهي تزكية للمال، وإحساس بحرمان الفقير والمسكين، ووسيلة عملية لإذابة الفوارق بين الطبقات. وفي الحج، نجد الإحرام تجسيداً حياً لعبودية الخالق، والمساواة في ما بين الخلق.

ويؤكد على عناية الإسلام بهذا المبدأ في الجانب الجنائي، والذي يتعلق بتحقيق المساواة في الواقع، حيث أثمن ما يحرص عليه الشرع والناس، وهو حفظ الحياة. وقد واجب الشارع القصاص على القاتل والجارح، حماية لحق الحياة، وردعاً لمن تسوّل له نفسه ارتكاب الجريمة. والمساواة في القصاص تجري بين الشريف والوضيع والحاكم والرعية، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والمسلم والذمّي.

والدليل عليه عموم نص القتل من غير تمييز بين شخص وآخر. وفيما يتعلق بالدية، فإن المبلغ أو المال الواجب فيها واحد، فدية الشريف كدية الوضيع ولا عبرة بمراكزهم الاجتماعية. كما أن المساواة تنسحب أيضا أمام القضاء، نذكر قوله سبحانه وتعالى في كتابه: ''وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل'' النساء الآية 58.

ــــــــــــــــــــ

جريدة الإتحاد

اخر المواضيع المضافة

عطاء الأخلاق في الإسلام

عدد الزيارات:3

التاريخ : 19-10-2017

الأمانة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 18-10-2017

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:72

التاريخ : 17-10-2017

أحاديث في الأخلاق الحسنة

عدد الزيارات:46

التاريخ : 16-10-2017

الأخلاق السامية

عدد الزيارات:48

التاريخ : 16-10-2017

الأخلاق

عدد الزيارات:41

التاريخ : 15-10-2017