روى الإمام البيهقي من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، خطب في خُطبة الوداع، فقال (يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى)الألباني في السلسلة الصحيحة، وفي حديث آخر، رواه أبو داود والترمذي(الناس بنو آدم وآدم من تراب) قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)الحجرات، لا فرق بين قوم وقوم، ولا بين لون ولون، إنه يحترم الإنسان من أي وطن كان، وأي بلد كان، ومن أي طبقة كانت، دون تفرقة بين فئة وأخرى من الناس، فكل الناس سواسية، وكل المؤمنين أخوة، ولا اعتبار للغني أو الفقير في تقديم الناس أو تأخيرهم، بل الواجب إنزالهم منازلهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، وقد يختلفون في أنسابهم، فيكون منهم مَن ينتمي إلى أسرة عريقة في المجد، ومَن ينتمي إلى أسرة صغيرة، وقد يتفاوت الناس في ثرواتهم، فيكون منهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم المتوسط، وقد يتفاوتون في أعمالهم ومناصبهم، فيكون منهم المهندس الكبير والعامل الصغير، ويكون منهم أستاذ الجامعة والحارس ببابها، ولكن هذا الاختلاف أو التفاوت لا يجعل لواحد منهم قيمة إنسانية أكبر من قيمة الآخر، بسبب جنسه أو لونه أو حسبه أو ثروته أو عمله أو طبقته أو منصبه، أو أي اعتبار آخر، إن القيمة الإنسانية واحدة للجميع، ما دام الكل إنساناً فهم سواسية كأسنان المُشط الواحد، الناس سواسية في العبادات والشعائر.

 ففي مساجد الإسلام، تأخذ المساواة صورتها العملية، وتزول كل الفوارق التي تُميز بين الناس، فمن ذهب إلى المسجد أولاً أخذ مكانه في مُقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالاً وأضعفهم جاهاً، ولو نظرت إلى صف واحد من صفوف المسلمين، لوجدت فيه الغني بجانب الفقير، والعالم بجانب الأمي، لا فرق بين واحد وآخر، فكلهم سواء أمام الله، في قيامهم وقعودهم، وركعوهم وسجودهم، قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، وربهم واحد، خلف إمام واحد، وفي الأرض المقدسة حيث تُؤدَّى مناسك الحج والعمرة، تتحقَّق المساواة بصورة أكثر ظُهوراً، وتتجسَّد تجسُّداً تراه العين وتلمسه اليد، فإن شعيرة الإحرام تفرض على الحجاج والمُعتمرين أن يتجردوا من ملابسهم العادية، ويلبسون ثياباً بيضاء، لم يدخلها التكلُّف والتصنُّع، أشبه ما تكون بأكفان الموتى، يستوي فيها القادر والعاجز، ثم ينطلق الجميع مُلبين بهتاف واحد (لبيك اللهم لبيك) الناس سواسية أمام الحلال والحرام، ومن المساواة العملية التي قرَّرها الإسلام قولاً، وطبقها فعلاً، فالحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع، والفرائض مُلزمة للجميع، والعقوبات مفروضة على الجميع.

 حاول الصحابة أن يشفِّعوا أسامة بن زيد، في امرأة من قريش ومن بني مخزوم سرقت، فاستحقَّت أن يُقام عليها حدَّ السرقة، قطع اليد، فكلَّمه فيها أسامة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ووقف يخطب في الناس، وقال كلمته التي خلَّدها التاريخ (إنما هلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو سرقت فاطمة بنت محمد، لقطعتُ يدها)متفق عليه، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، سبب هلاك الأمم السابقة، هذا هو سبيل الهلاك في الأُمم، أنهم يُعفون الشريف من العقوبة، إذا سرق تُرك ولم يُقم عليه الحد، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، هذا هو سبب البلاء، وهذا هو المدخل إلى انهيار المجتمع كله، هذا هو الذي يؤرث الأحقاد في النفوس ( وايم الله، لو سرقت فاطمة بنت محمد، لقطعتُ يدها) فاطمة صغرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وأعزُّهنَّ عليه وأحبُّهنَّ إليه، يضرب بها المثل(لو سرقت لقطع محمد يدها) .

هذا هو عدل الله الذي لا يفرِّق بين إنسان وإنسان، ولا بين أسرة وأسرة، ولا بين مخلوق ومخلوق، ما داموا كلهم عبادًا لله، فليُقَم عليه شرع الله، وليقم عليه حدُّ الله، قال عمرو بن كلثوم، وعلى ذلك المعنى تشربت نفوسٌ كثيرةٌ معنى الكبر والتسامِي بلا سبب يوجب ذلك، وغدا منطق الكثيرين منهم بقولِ من قال، كيف يجرؤ فلانٌ على أن يكلمني بهذه الطريقة، أو يعاملني على هذه الشاكلة أفلا يدري من أنا، هل نسيَ أصله، وهذه الفروق إنما هي من صنع الناس، فكما نعلمُ من كتاب الله سبحانه وتعالى، أن أصل الخلقة لكل أولاد آدم أصلٌ واحد، قال الله تعالى﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾السجدة.

 فالنسب الحقيقي هو الإيمان، ولا ينفع المرء من أمر الأنساب الدنيوية شيء إلا إذا كان على هدي الدين القويم، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ بل إن الله عز وجل سيرفع القدر ويعلي الذكر وينجي من العذاب ويورث النعيم يوم القيامة على أساس التقوى مع إغفال شأن النسب، فعن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (إن أنسابكم هذه ليست بسبابٍ على أحد، وإنما أنتم ولد آدم، طفَّ الصاع لم تملؤوه، ليس لأحد فضلٌ على أحد إلا الدين، أو عملٌ صالح) الألباني في صحيح الترغيب.

نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يقفنا عند حدوده، وعند أوامره ونواهيه، إنه سميع قريب.

ـــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الكرامة الإنسانية

عدد الزيارات:41

التاريخ : 22-10-2017

العدل في حياة رسول الله

عدد الزيارات:42

التاريخ : 21-10-2017

الإنسانية في الإسلام

عدد الزيارات:46

التاريخ : 21-10-2017

عطاء الأخلاق في الإسلام

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2017

الأمانة

عدد الزيارات:47

التاريخ : 18-10-2017

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:79

التاريخ : 17-10-2017