الصبر عبادة تسمو بصاحبها عن غيره من الناس، ذلك لأنها تحقق لصاحبها رفعة وعزة، كيف لا وصاحبها أصبح قلبه معلقاً بالله فنال مراتب عالية عند ربه عز وجل

قال تعالى: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)

الصبر على طاعة الله :

المراد بالصبر على الطاعة : الصبر على أداء العبادات والطاعات التي فرضها الله سبحانه على عباده المسلمين ؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ، وذلك لثقل أداء العبادات ولا سيما عند تسلط الشيطان وغلبة الهوى وحب الركون إلى الراحة والخمول والكسل ، فمن العبادات ما يثقل على النفس أداؤها بسبب الكسل كالصلاة ، ومنها ما يثقل على النفس أداؤها بسبب البخل كالزكاة ، ومنها ما يثقل على النفس أداؤها بسببهما معا ، كالحج والجهاد ، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ، وحاجة المسلم إلى هذا النوع من الصبر لا شك حاجة ماسة . وفيه جاء قوله جل شأنه خطابا لرسوله صلى الله عليه وسلم : (رب السموات والارض وما بينهما فأعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً)

ولعظم شأن الصـبر على الطاعة ، ورد الأمر به في النصوص الشرعية في أكثر من نوع من أنواع العبادات والطاعات ، ومن ذلك :

1 - الأمر به على الصلاة ، عمود الدين ، والركن الثاني من أركان الإسلام ، حيث يقول تعالى :﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا )

2- الأمر به على الجهاد في سبيل الله ، ذروة سنام الإسلام ، حيث يقول تعالى

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)

  3 - الأمر به على القيام بأمر الدعوة إلى الله ، حيث يقول سبحانه على لسان لقمان الحكيم في وصاياه لابنه (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)

فالداعية بأمس الحاجه الى خلق الصبر .إذ أن حكمة الباري جل شأنه اقتضت أن يكون لأصحاب الدعوات أعداء يمكرون بهم ، ويكيدون لهم ، ويتربصون بهم الدوائر ، فقد كان لآدم عليه السلام إبليس ، وكان لإبراهيم عليه السلام نمرود ، وكـان لموسى عليه السلام فرعون وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم أبو جهل (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا )

4 - الأمر به في الثبات على الدين والعض عليه بالنواجذ ، وإن أصاب الصابر بسبب ذلك التكذيب والإيذاء والتعذيب ، بل والقتل من جانب أهل الكفر والبدع والأهواء .

وقد قص لنا القرآن الكريم ما حصل لبني إسرائيل من تهديد فرعون لهم بتقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم ، فما كان من الصابر موسى عليه السلام إلا أن قال لهم (استعينوا بالله واصبروا)

ويحتاج العبد إلى الصبر على الطاعة في ثلاث حالات :

الأولى : قبل الشـروع في الطاعة ، وذلـك بتصـحيح النـية والإخلاص ، والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات ، وعقد العزم على الوفاء بهذه الطاعة .

الثانية : الصبر حال القيام بالطاعة ، وذلك بملازمة الصبر عن التقصيـر فيها ، وملازمة استصحاب النية ، وحضور القلب بين يدي المعبود .

الثالثة : الصبر بعد الفراغ من الطاعة ، وذلك بالصبر عن الإتيان بما يبطلها ، والصـبر عن النظر إليها بعين العجب والتعظيم ، والصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية.

من قصص الصابرين على الطاعة

عبد الله: ثباتك على دينك إلى أن تموت واجب، ليست القضية يوماً أو يومين، اليوم أصلي وغداً لا أصلي، اليوم أنا صالح وغداً مع الفجرة الفسقة وهكذا إلى أن تموت.

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [الحشر:18] انظر يا عبد الله إلى السابقين، عائشة رضي الله عنها، يدخل عليها عروة رضي الله عنه، يقول: دخلت عليها وهي تصلي وتقرأ قول الله جل وعلا: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) [الطور:27] الصديقة بنت الصديق، تقرأ هذه الآية وتبكي، يقول: فطال عليّ المقام، يريد أن يسلم عليها، يقول: فذهبت إلى السوق وقضيت حاجتي، ثم رجعت إلى بيتها، فوجدتها تقرأ الآية نفسها وتردد وتبكي: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) [الطور:27]. ولهذا دخل عليهم أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام يوماً وهم يضحكون، والضحك حلال ويحق لهم أن يضحكوا، قال: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً). فأين البكاء؟

ثابت البناني رحمه الله :

ثابت البناني لشدة بكائه كادت عيناه أن تذهبا، كاد يصاب بالعمى، فجاءوا له بالطبيب، فقال له الطبيب: أعالجك بشرط واحد، قال: وما هو؟ قال: ألا تبكي، إن كنت تريد عينك فلا تبك، قال: وما خيرهما إن لم تبكيا. يقرأ ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن يقول: فإذا به يقول لي: حسبك! يقول: فنظرت فإذا عيناه تذرفان، وذلك في آية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً ) [النساء:41]. عمر بن عبد العزيز تقول فاطمه : قرأ قول الله في صلاة الليل: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) [القارعة:1-5] تقول: شهق شهقة حتى سقط على الأرض يبكي، تقول: فظننته مات، تقول: فقام مرة ثانية، وأخذ يجول في الدار، وهو يردد ويقول: يا ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث!

ـــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

رمضان بين التجريد والتجديد

عدد الزيارات:27

التاريخ : 23-05-2018

سلامة القلوب في رمضان

عدد الزيارات:30

التاريخ : 22-05-2018

القرآن دستور القيادة

عدد الزيارات:32

التاريخ : 20-05-2018

الإخلاص وأهميته

عدد الزيارات:38

التاريخ : 19-05-2018

رمضان شهر التغير

عدد الزيارات:52

التاريخ : 15-05-2018

استقبال رمضان بطهارة القلوب والألسنة

عدد الزيارات:56

التاريخ : 13-05-2018